رجل عراقي يترحم على أحد أقربائه في موقع مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على جثث جنود عراقيين قتلهم مسلحو تنظيم داعش عندما اجتاحوا قاعدة سبايكر العسكرية في تكريت في يونيو 2014.
رجل عراقي يترحم على أحد أقربائه في موقع مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على جثث جنود عراقيين قتلهم مسلحو تنظيم داعش عندما اجتاحوا قاعدة سبايكر العسكرية في تكريت في يونيو 2014.

رغم مضى عشر سنوات على ارتكابها، ما تزال مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها نحو ألفي جندي عراقي قتلهم تنظيم داعش، تشكل واحدة من أكثر الأحداث الإرهابية غموضاً وإثارة للجدل، وذلك بالنظر إلى الأحداث التي سبقت ارتكاب المجزرة، وتداعياتها التي ما تزال تؤرق عائلات الضحايا في انتظار تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.

وقعت المجزرة في 12 يونيو 2014، بعد أن فرض تنظيم داعش سيطرته على مدينة تكريت التي تضم قاعدة أكاديمية تكريت الجوية، المعروفة بـ"قاعدة سبايكر"، عندما تمكن مقاتلو التنظيم الذين نصبوا حواجز سيطرة في مناطق مختلفة من المدينة، من أسر 2000 إلى 2200 من الطلاب الجنود، جرى اقتيادهم إلى مباني القصور الرئاسية في تكريت حيث تعرضوا للقتل الجماعي رمياً بالرصاص بناءً على تقييمات طائفية، قبل أن يتم إخفاء الجثث في مقابر جماعية.

بالتزامن مع الذكرى العاشرة، يواصل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (يونيتاد) البحث في الملابسات التي أدت إلى وقوع المجزرة، والتداعيات والآثار النفسية التي ما تزال تلاحق عائلات الضحايا نتيجة عدم الكشف عن مصير المفقودين.

 

جدل الإخلال

يسعى تقرير صادر عن فريق التحقيق، بعنوان "معسكر سبايكر: نمط القتل الجماعي ونية الإبادة الجماعية"، إلى تقديم تفسيرات للأحداث التي سبقت وقوع المجزرة، و"النزوح الجماعي لأفراد المعسكر"، ومراحل ارتكاب الجريمة.  

ودون أن يحسم التقرير الجدل حول آلية إخلاء المعسكر، فإنه يشير إلى حالة من الفوضى عاشتها المعسكر بعد وصول تقارير عن سقوط الموصل واقتراب وصول التنظيم إلى تكريت.

وفيما يقول التقرير إنه "ما من دليل على صدور أيّ أمر رسمي عن قادة الفرق أو كبار القادة يقضي بمغادرة الوحدات التابعة لقيادتهم القاعدة، ومن المستبعد أن يكون هؤلاء القادة أمروا رسمياً بأي نوع من الإجازات أو وافقوا عليها في ظلّ وجود اشتباكات مسلحة وشيكة مع قوات معادية"، يؤكد في الوقت ذاته أن كبار الضباط والضباط ذوي الرتب الدنيا تركوا مواقعهم، ونصحوا الأفراد بشكل غير رسمي بأخذ إجازات لمدة 15 يوماً، وتبديل زيهم الرسمي ومغادرة القاعدة.

حالة الفوضى تلك، وغياب الأوامر العسكرية الواضحة، أدت إلى "نزوح جماعي لأفراد المعسكر"، كما يصف التقرير، الذي يبين أن غالبيتهم كانوا من الشيعة، ومن المتطوعين الذين انتسبوا حديثاً، الأمر الذي سهل اعتراضهم من قبل التنظيم الذي نقلهم من نقاط التجميع باستخدام الشاحنات إلى القصور الرئاسية، بعد مصادرة ممتلكاتهم الشخصية.

في مسرح الجريمة، جرى تجميع المحتجزين في زنزانات، أو شاحنات مقفلة، تحت مراقبة حثيثة من عناصر التنظيم، قبل أن تصدر الأوامر بفصل السنة عن الشيعة، حيث تقرر منح السنة فرصة للتوبة، بينما كان لا بدّ من قتل الشيعة.

وينقل التقرير شهادات حول الآلية التي اتبعها التنظيم في الكشف عن الخلفية الطائفية للمحتجزين، فإضافة للكشف عن بطاقات هوّية المحتجزين، طلب من المحتجزين الصلاة وفقاً للشعائر السنية، الأمر الذي أتاح لعدد من المحتجزين الشيعة فرصة تضليل عناصر التنظيم والنجاة من القتل.

في النهاية نفذ عناصر التنظيم عمليات قتل جماعية ضد المحتجزين في أربعة مواقع، بالتزامن مع حفر مقابر جماعية بهدف التخلّص من الجثث، فيما يشير التقرير إلى دفن العديد من الضحايا وهم أحياء.

 

إبادة جماعية

يخلص التقرير إلى أن عملية القتل التي وقعت في مجمّع القصور الرئاسية قد ترتقي إلى عدّة جرائم دولية، أولها جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

ويستند في ذلك إلى محافظة داعش على سياسة إبادة جماعية ضدّ الشيعة في العراق، والتحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية من خلال تصوير وتنقيح ونشر وتوزيع فيلم فيديو للتنظيم بعنوان: "اقتلوهم حيث ثقفتموهم".

ويخلص التقرير إلى أن للمجزرة أثر خطير وطويل الأمد على أسر الضحايا والمجتمع الأوسع، مؤكداً أن عثور العائلات على الحقيقة وراء ما جرى لأحبائهم، وتسليط الضوء على المخالفات التي ارتكبت، وحصولهم على جبر الضرر والاعتراف بحالتهم الصعبة من شأنه أن يساعدهم في الحصول على بعض لراحة.

وبالتزامن مع الذكرى العاشرة للمجزرة، أعلنت لجنة "تخليد مجزرة تكريت" العثور على 1200 رفات لضحايا المجزرة، فيما لا يعرف مصير الباقين، داعية إلى تعزيز جهود البحث.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.