نائب أميركي يحذر رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق. أرشيفية
زيدان تولى رئاسة مجلس القضاء الأعلى العراقي عام 2017

سلطت تحركات جديدة لعضو في مجلس النواب الأميركي ضد مجلس القضاء الأعلى في العراق الضوء على شخصية قضائية أثارت جدلا واسعا خلال ترؤسها السلطة القاضية في العراق.

والخميس، قال النائب الأميركي، مايك والتز، عبر منصة "أكس" للتواصل الاجتماعي، إن رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، فائق زيدان، "يقع في قلب مؤامرة إيران لتحويل العراق إلى دولة عميلة".

في المقابل، رفضت بغداد تلك التصريحات واعتبرتها "تدخلا سافرا في الشأن العراقي". وقالت وزارة الخارجية العراقية في بيان، السبت، إن "محاولة التأثير على السلطة القضائية هو مساس بأهم مقومات كيان الدولة".

ولم تتطرق الخارجية العراقية في بيانها لإيران، لكنها رفضت تصريحات النائب الأميركي التي تحمل "مساسا بشخص رئيس مجلس القضاء القاضي فائق زيدان وبالحقوق الأساسية للدولة العراقية، والتي يمثل فيها القضاء الضامن الأساسي للحقوق والحريات".

وكان موقع "واشنطن فري بيكون" نشر تقريرا مفاده بأن النائب الجمهوري والتز، وهو عضو لجنتي القوات المسلحة والشؤون الخارجية بمجلس النواب، سيقدم تعديلا على مشروع قانون من شأنه اعتبار مجلس القضاء الأعلى العراقي ورئيسه "كأصول تسيطر عليها إيران".

وبحسب الموقع، فإن هذا "إجراء تاريخي من شأنه أن يفضح زعيما عراقيا بارزا ويشعره بالعار كونه أداة للنفوذ الإيراني" في العراق.

وقال والتز ومصادر في الكونغرس تعمل على هذه القضية للموقع ذاته، إن هذا الجهد هو "خطوة أولى نحو عزل الأصول الإيرانية في الحكومة العراقية وكبح النفوذ المتزايد" لطهران.

لإيران نفوذ في العراق من خلال علاقاتها بأطراف سياسية، مثل "الإطار التنسيقي" الذي هو تحالف سياسي من أحزاب موالية لإيران، ومن خلال دعمها فصائل ومليشيات مسلحة داخل الأراضي العراقية.

من هو فائق زيدان؟

ويشغل زيدان البالغ من العمر 57 عاما منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى منذ يناير عام 2017، وهو أيضا رئيس محكمة التمييز العراقية.

وبعد دراساته العليا في مجال القانون، عمل محاميا في العراق خلال التسعينيات، قبل أن يعين قاضيا في محكمة بغداد، وفقا لمجلة "حمورابي" التي تصدرها جمعية القضاء العراقي.

وعمل زيدان في المحاكم المدنية والمحاكم الجنائية في بغداد منذ 1999 لغاية عام 2005، قبل أن يصبح رئيسا لمحكمة التحقيق المركزية المختصة بمكافحة الإرهاب والجرائم المهمة حتى 2012.

وفي ذلك العام، عين في المحكمة الاتحادية العليا في العراق ثم في 2014 نائبا لرئيس محكمة التمييز، والتي أصبح رئيسها عام 2016، قبل عام واحد من توليه رئاسة مجلس القضاء الأعلى إثر صدور قانون بتعيين رئيس محكمة التمييز لمجلس القضاء الأعلى.

وبحسب شبكة "فوكس نيوز"، فإن زيدان هو القاضي المسؤول عن إصدار مذكرة اعتقال بحق الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بسبب الغارة التي نفذتها الولايات المتحدة وأودت بحياة قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، ونائب رئيس الحشد الشعبي السابق، أبو مهدي المهندس، في يناير من عام 2020.

وكان مجلس القضاء الأعلى في العراق أصدر عام 2021 مذكرة اعتقال بحق ترامب بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار، والتي يعاقب عليها بالإعدام عند الإدانة.

وفي عام 2022، عندما كان العراق يعيش أزمة سياسية بين التيار الصدري و"الإطار التنسيقي" حول من يجب أن يتولى منصب رئيس الوزراء، كتب الزميل البارز بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، مايكل نايتس، أن "الإطار التنسيقي نفذ انقلابا قضائيا في أوائل 2022، بالشراكة مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قآني ورئيس مجلس القضائي الأعلى فائق زيدان".

وقال إن زيدان وقآني التقيا بمنزل رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، في يناير 2022 "وتلقى زيدان عندها تعليمات من المالكي والجنرال الإيراني".

وأضاف: "تضمن الانقلاب القضائي الحالي إصدار تعليمات لرئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان بتسهيل سلسلة من الأحكام في المحكمة الاتحادية العليا التابعة له، تم طرحها في تتابع سريع في أوائل العام 2022. والأهم من ذلك، ألغت المحكمة الاتحادية العليا عمليا خيار تعيين رئيس (البرلمان) بالأغلبية البسيطة إذا فشلت جهود تحقيق أغلبية الثلثين. 

وبذلك، أطاح الإطار التنسيقي فعليا بجهود مقتدى الصدر الرامية إلى تشكيل حكومة أغلبية من 165 مقعدا بمشاركة الفصائل العربية السنية والكردية".

"آفاق جديدة للنفوذ"

في تصريح لشبكة "فوكس نيوز" الأميركية، قال نايتس، وهو باحث متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج، إن زيدان "قاض ... قوي مثل رئيس وزراء العراق. كما أنه غير منتخب ومنصب من قبل إيران وليس له مدة محددة".

ومطلع العام 2023، نقلت وسائل إعلام محلية في العراق عن زيدان قوله إن عملية اغتيال سليماني والمهندس كانت "جريمة غادرة ليس لها أساس قانوني".

وفي كلمة بمناسبة الذكرى الثالثة لمقتلهما، اعتبر زيدان أن "استشهاد قادة النصر خسارة كبيرة لن تعوض"، مضيفا أن "مسؤولية القضاء في محاسبة من ارتكب الجريمة مضاعفة".

وخلال ديسمبر الماضي، كتبت سيلين أويسال، وهي زميلة زائرة بمعهد واشنطن سبق لها العمل كمستشارة سياسية بالسفارة الفرنسية لدى العراق، أن رئاسة زيدان لمجلس القضاء الأعلى "تمنحه نفوذا معينا على المحكمة الاتحادية العليا المستقلة نظريا".

وقالت إن نفوذه بلغ "آفاقا جديدة في عام 2021، عندما أُرغم منافسه الوحيد المتبقي في المناصب القضائية العليا وهو رئيس المحكمة الاتحادية العليا، مدحت المحمود، على التقاعد قسرا بموجب تعديل على القانون رقم 30 الذي فرض حدا جديدا لسن قضاة المحكمة الاتحادية العليا".

وأضافت أن المحكمة الاتحادية أصدرت سلسلة من القرارات "لصالح الإطار التنسيقي"، بما في ذلك آلية اختيار رئيس مجلس النواب.

وتابعت: "أخذت المحكمة شرطا قائما منذ فترة طويلة بالحصول على أغلبية الثلثين من الأصوات، ثم حرّفته إلى شرط نصاب الثلثين. ووفقا لهذا التفسير غير المسبوق، يجب أن يكون ثلثا المشرعين على الأقل حاضرين للتصديق على التصويت لمنصب الرئيس، وهذا القرار مكّن الكتلة الموالية لإيران من العمل كأقلية معرقلة من خلال مقاطعة جلسات مجلس النواب ذات الصلة ببساطة. وهذا بدوره مهد الطريق لاستقالة فصيل الصدر ووصول الإطار التنسيقي إلى السلطة".

وقالت إن "مواجهة النفوذ الإيراني داخل السلطة القضائية بذاتها تتطلب أن يلعب الغرب لعبة طويلة الأمد، وجزئيا من خلال تطوير التعاون الأكاديمي وتدريب الجيل القادم من القضاة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".