الحكومة العراقية استعادت جزءا من مبالغ الأمانات الضريبية. أرشيفية
الحكومة العراقية استعادت جزءا من مبالغ الأمانات الضريبية. أرشيفية

على الرغم من مرور وقت طويل على اعتقال المتهم الأول بما سُمّي "سرقة القرن" في أكتوبر 2022، إلا أنه، حتى الآن، لم تعلن الجهات الرسمية عن استعادة 2.5 مليار دولار "نهبت من حسابات الأمانات الضريبية" كما لم يُعلن بشكل رسمي عن الشبكة الكبيرة من المتورطين فيها.

 وكانت قضية سرقة القرن أثارت جدلاً واسعاً في العراق الذي يحتل المرتبة 157 عالمياً في مؤشر منظمة الشفافية، بعد إلقاء القبض على المتهم الرئيس فيها المدعو نور زهير، خلال محاولته الفرار من العراق بطائرته الخاصة عبر مطار بغداد الدولي، ثم إطلاق سراحه بكفالة.

 واحد من أسباب اهتمام المجتمع العراقي بالقضية هو "عدم الإعلان عن استعادة إلا مبلغ ضئيل من المال، بالإضافة إلى عدم الإعلان عن صدور أحكام ضد أي من المتهمين فيها" كما يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني لـ "ارفع صوتك".

 ومن الملاحظ، بحسب المشهداني أن "كثير من قضايا الفساد المالي والإداري يتم الحكم فيها بشكل مخفف لا يتناسب مع الجرم المرتكب بحق الاقتصاد والمجتمع، وهو ما ينعكس سلباً على جهود مكافحة الفساد في العراق".

 

 ضرر اقتصادي

 يشرح المشهداني كيفية الكشف عن القضية والذي تم عبر وزير النفط في الحكومة السابقة إحسان عبد الجبار الذي تسلم مسؤولية إدارة وزارة المالية بالوكالة عقب استقالة وزير المالية علي علاوي.

 وكان علاوي قدم استقالته في أغسطس 2022، ملقياً باللائمة على الفساد الذي يسري في مفاصل الدولة، حيث "تعمل شبكات سرية واسعة من كبار المسؤولين ورجال الأعمال والسياسيين وموظفي الدولة الفاسدين في الظل للسيطرة على قطاعات كاملة من الاقتصاد وتسحب مليارات الدولارات من الخزانة العامة"، على حدّ تعبير الوزير في رسالة استقالته.

يفنّد المشهداني ما حدث: "قبل تسلم عبد الجبار ملف وزارة المالية كانت هناك مطالبات من الشركات النفطية التي أودعت أموالها في حساب الضرائب لاستعادة ما تبقى من حساباتها. لكن، لم تتم الاستجابة للمطالب، وحين وصل وزير النفط إلى وزارة المالية طالب بملف الأموال الضريبية ليكتشف عدم وجود الأموال".

 كانت ردة فعل وزير النفط هي تقديم استقالته هو الآخر في أكتوبر العام 2022 وقد نشر تغريدة على موقع "أكس"، أعلن فيها عن نتائج تحقيق أجري خلال وجوده في المنصب أظهرت أن 3.7 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل 2.5 مليار دولار "سرقت" من أموال الضرائب المودعة في مصرف الرافدين التابع لوزارة المالية العراقية.

 ينظر المشهداني إلى قضية سرقة القرن من ناحية حجم الضرر الكبير الذي أصاب الاقتصاد العراقي في الموازنة وفي قدرته على جذب المستثمرين، كما يقول. من ناحية الضرر المالي "فإن الحكومة العراقية ملزمة بدفع مبالغ الأمانات الضريبية للشركات النفطية التي وضعت ملايين الدولارات وكان يفترض استعادتها بعد التسويات الضريبية". وحين سرقت تلك الأموال "فإن من حق تلك الشركات استعادة أموالها بغض النظرعن قدرة العراق على استردادها ممن سرقها أو لا، لأن هذا يعتبر مشكلة العراق وليس الشركات".

 الموضوع أيضاُ أضر بسمعة البلد، بحسب المشهداني، إذ إن "هناك قضية لم يتم حسمها رغم مرور مدة زمنية كبيرة تتعلق بسرقة أموال شركات عالمية نفطية، وهو أمر يؤثر على المستثمرين الجدد الراغبين بدخول السوق العراقية".

 لدينا أيضا، يتابع المشهداني، "استجابة بطيئة في الحكم بالقضية أو القبض على المتهمين وغيرها من الأمور التي ينظر لها المستثمر الأجنبي بعين التدقيق".

محكمة الكرخ
"سرقة القرن".. القصة الكاملة لقضية "أموال الضرائب" المنهوبة في العراق
في يوم أمس الثلاثاء، حوالي الساعة السابعة مساء، اقتحم رجلا أمن طائرة خاصة في مطار بغداد بغية الوصول إلى "رجل أعمال" استقر لتوه على كرسيه. حاولت مضيفة أجنبية إيقافهما لخرقهما قوانين الطيران، لكنهما لم يأبها لاعتراضاتها ووصلا إلى الرجل. جادلهما الرجل حول عدم قانونية الإجراء. رفع أحدهما مذكرة إلقاء القبض أمام وجهه واقتاده الشرطيان إلى خارج الطائرة.

أين وصلت القضية؟

 حاول فريق "ارفع صوتك" الحصول على إجابات عن الأسئلة المتعلقة بمصير الأموال وحجم ما تم استرداده من الجهات المعنية بالقضية، وهي هيئة النزاهة ولجنة النزاهة البرلمانية ووزارة المالية ومجلس القضاء الأعلى. ولكن، كل الجهود التي بذلت لم تؤد إلى الحصول على أي تعليق مرتبط بالقضية، بسبب تحفّظ الجهات الرسمية عن إجراء لقاء، كون القضية ما زالت منظورة أمام القضاء ولم يبت بها حتى الآن.

 أما النتائج التي تم الإعلان عنها إعلامياً فبدأت في نوفمبر 2022 عندما ظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني محاطاً بمبلغ 182 مليار دينار عراقي (أكثر من 121 مليون دولار) وأعلن عن تمكن الحكومة العراقية من استرجاعها من أصل مبلغ 1.6 تريليون دينار سرقت من قبل رجل الأعمال نور زهير.

 كما كشف عن التوصل إلى تسوية يمنح زهير من خلالها إفراجاً بكفالة "مصفى يمتلكه" مقابل إرجاعه المبلغ المسروق "خلال مدة أسبوعين". وقال إن القضاء سيشرف على بيع أصول مالية يمتلكها زهير يفترض أن قيمتها "أكبر من المبلغ".

 ولم تظهر أي أخبار أخرى عن استرجاع الأموال، حتى مارس 2023 عندما كشف رئيس هيئة النزاهة العراقية حيدر حنونا لوكالة الأنباء الرسمية عن استعادة 400 مليار دينار عراقي من الأموال المسروقة. وأكد على أن الهيئة تعمل على تتبع بقية الأموال، مشيرا إلى أن قائمة المتهمين "سوف تطول". هذه القائمة التي قال عنها لاحقا إنها وصلت إلى 48 متهماً.

 

 أداة بيد نافذين

 المحلل السياسي غني الغضبان يقول لـ "ارفع صوتك" إن سرقة القرن "شهدت اشتراك مجموعة كبيرة من الفاسدين سواء من السياسيين أو الموظفين الفاسدين". مع ذلك لم يُسلّط الضوء إلا على شخصية واحدة (نور زهير) و"لكن الحقيقة أن هذا الرجل ما هو إلا أداة من قبل بعض الأحزاب والنافذين والذين قاموا باستمالة الرجل ورسم الخطة له على تلك السرقة"، بحسب الغضبان الذي يضيف: "هناك مع المتهم الأساسي الكثير من الشخصيات قسم منه كان ظاهراً للعيان، وقسم آخر لم يخرج على الساحة ولم يسلط الضوء عليه ". -والدليل على ذلك- أنه" سرعان ما تم إطلاق سراحه وهو حر طليق ويتمتع بالأموال بحجة أن خروجه من خلف القضبان يساعده على بيع الممتلكات التي استحوذ عليها من الصفقة وإعادة المبالغ للحكومة".

 لكن المدة الزمنية الطويلة وعدم الإعلان عن استرداد الأموال يعني، بحسب الغضبان، أن "هناك جهة أو بعض الأشخاص هم داعمون لهذا الرجل ويحاولون عرقلة كل الإجراءات القانونية بحق الرجل ومن معه "، بحسب تعبيره.

 لكن المشكلة الحقيقية التي يواجهها العراقيون الآن كما يرى الغضبان تكمن في أن هذه الصفقة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فقد ظهرت بعدها العديد من الصفقات، بالإضافة إلى السرقات غير المعلنة والأموال التي تذهب في مشاريع وهمية وُضع لها حجر الأساس وصرفت لها أموال ولم يتم تنفيذها أو معاقبة مرتكبيها رغم مطالبات شعبية بالكشف عن المتسببين بهدر المال العام".

 "أحكام مخففة"؟

 ويقول المحامي صفاء اللامي لـ" ارفع صوتك "، إن "إطلاق سراح المتهم بكفالة أمر ممكن وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهو من صلاحية قاضي التحقيق ولا يعني إيقاف القضية لأنها مستمرة وفقا للإجراءات القانونية".

 ويعتقد اللامي أن "هذا الإجراء ينطبق مع السياسة الجنائية التي تروم تحقيق المصلحة العامة. فالمحكمة كانت أمام خيارين الأول سجن المتهم والثاني إطلاقه وبيع الأصول لاستعادة الأموال، وهو ما فضلته المحكمة لأنها رأت أن الفائدة أكبر باستعادة الأموال لتعود إلى خزانة الدولة ".

 أما عن اسباب خروج المحكومين بقضايا سرقة المال العام دون تسديدها، فيشير اللامي الى إن السبب وراء ذلك، "يعود إلى إلغاء قانون مجلس قيادة الثورة المنحل الذي كان ينص على أن من يحكم بسرقة أموال الدولة لا يخرج من التوقيف إلا بإعادة الأموال".

 ويوضح اللامي أن "إحدى الشخصيات قامت برفع دعوى أمام المحكمة الاتحادية ضد القرار باعتباره يخالف مبادئ حقوق الإنسان، فألغته المحكمة وأصبح من يتم الحكم عليه لسرقة أموال الدولة يحكم لفترة اقصاها سبع سنوات، و ينهي مدة السجن ويخرج حتى لو لم يتم تسديد المبالغ المسروقة بالكامل".

 أما مرور وقت طويل من دون البت بالقضية أو استعادة كامل الأموال المنهوبة، فيعتبر، بحسب اللامي، "أمراً طبيعياً في هذه القضية، بسبب تداخل الأطراف السياسية فيها، ووجود عدد كبير جداً من المتهمين وكثير منهم فارّون خارج البلد ولم يتم استعادتهم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".