تهدف مبادرة "المسرح الجوّال" للوصول إلى أطفال العراق أينما تواجدوا- تعبيرة لأطفال عراقيين يلعبون
تهدف مبادرة "المسرح الجوّال" للوصول إلى أطفال العراق أينما تواجدوا- تعبيرية لأطفال عراقيين يلعبون

أهملت الحكومات العراقية المتعاقبة ملف مسرح الطفل الذي بدأ من النشاط المدرسي في أربعينيات القرن الماضي وصولاً إلى وقتنا الحالي، حيث يحاول مسرحيون العمل بجهود فردية للنهوض بهذا الفن المعقد ومتداخل الاختصاصات.

وشهد مسرح الطفل نقصاً حاداً وخطيراً في ثقافة الطفل عامة، على الرغم من وجود بعض الأنشطة الفردية والإصدارات والبرامج المحدودة هنا وهناك، التي تفتقر في معظمها إلى تخطيط وأسس علمية مدروسة وموضوعية وفقاً لأهداف المجتمع والدولة.

لهذه الأسباب "تلكأت تجربة مسرح الطفل في العراق" بحسب بحث حمل عنوان "نظرة تاريخية في مراحل تطور تجربة مسرح الطفل في العراق" للدكتور حسين علي هارف.

وتعرض لتاريخ مسرح الطفل بالقول إن الرحلة بدأت خلال أربعينيات القرن الماضي من خلال النشاط المدرسي، ولم تبدأ المحاولات الأولى إلا مع مطلع العقد الخامس من القرن العشرين. حين ظهرت بوادر ومحاولات جادة لإخراج المسرح المدرسي من محيطها الضيق إلى الصالات العامة ومحاولة الاقتراب من مسرح الطفل وتلمس الطريق نحوه.

من هذه المبادرات ما قام به الفنان عبد القادر رحيم الذي استمد مواده الدرامية من قصص ألف ليلة وليلة وقصص التراث العربي وقدمها في عروض مسرحية موجهة للأطفال، التي اعتبرت مرحلة تمهيدية لمسرح الطفل في العراق.

ولم يشهد مسرح الطفل في العراق تطوراً خلال عقد الستينيات، إذ اقتصر الأمر على اجتهادات ومبادرات فردية شحيحة. ولم يسجل الباحثون سوى ثلاث محاولات مسرحية متباعدة ومتناثرة.

في نهاية الستينيات دعت وزارة الثقافة العراقية لتأسيس مسرح للأطفال.

 

الانطلاقة والانحسار

توافرت الأرضية المناسبة في عقد السبعينيات للشروع في تجربة التأسيس الحقيقي لمسرح الطفل وزيادة الوعي الثقافي والفني والتخطيطي لدى القائمين عليها والعاملين من كتاب ومخرجين وممثلين وفنيين.

وشرعت الفرقة القومية للتمثيل في ولوج ميدان مسرح الطفل، لتقدم عام 1970 مسرحية "طيور السعد" التي اعتُبرت الانطلاقة الحقيقية للمسرح.

 وسرعان ما انتشر مسرح الطفل في المحافظات لتتكون فرق مسرحية تابعة لمجلتي "المزمار" و"مجلتي" وفرقة الإذاعة والتلفزيون، كما تأسست فرق في المحافظات منها فرقة النجف للتمثيل وفرقة كربلاء وفرقة ديالى وعدة فرق في البصرة.

وفي الثمانينيات، شهد مسرح الطفل انحساراً كبيراً بفعل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي ألقت بظلالها على المشهد الثقافي عامة، فشحت العروض في بغداد وبقية المحافظات.

استمر هذا الانحسار في التسعينيات، فتراجعت عروض مسرح الطفل بمحافظة بغداد، لتشهد 30 عرضاً مسرحياً فقط، كان لدائرة السينما والمسرح والفرقة القومية للتمثيل الحصة الأكبر منها، أما نصيب المحافظات الأخرى فكان سبعة عروض.

صورة من إحدى المسرحيات العراقية، المصدر: صفحة الممثل المسرحي علاء قحطان
بعد سنوات من الركود.. هل تنجح خطة إحياء المسرح العراقي؟
أورد كتاب "الحياة المسرحية في العراق" لأحمد فياض المفرجي، أن بداية ظهور المسرح في العراق كانت من مدينة الموصل. وطبع أول كتاب مسرحي عام 1893، متضمناً مسرحية "لطيف وخوشابا"، التي تولى نعوم فتح الله سحار، ترجمة نصها عن اللغة الفرنسية وإسقاط موضوعها على واقع المجتمع العراقي وصوغ حوارها بلغة دارجة.

غياب الدعم وابتعاد المسرحيين

تمتد تجربة الفنان المسرحي محمود أبو العباس في مسرح الطفل منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، حين بدأ بتقديم المسرحيات في المدارس الحكومية العراقية.

يقول لـ"ارفع صوتك": "كشباب يدرسون الفنون الجميلة كنا مهتمين جداً بمسرح الطفل، لأنه كان فناً مهمشاً ومجالاً من الصعب الخوض فيه".

ويُنظر لمسرح الطفل على أنه "سهل"، يضيف أبو العباس، مبيناً  "في الحقيقة هو معقد جداً وفيه الكثير من الاختصاصات المتداخلة. تبدأ من علم النفس حتى علم الاجتماع، يتم من خلاله تقديم فن لأعمار بدأت للتو بإدراك ما حولها".

يتابع "سن الإدراك يعني تقديم أعمال لأطفال من بداية عمر الإدراك (عامين) من خلال مسرح الدمى، ثم نتطور بالتدريج لتقدم مسرحيات حياتية وتاريخية وفلكلورية، لنوصل أفكاراً ومفاهيم تتناسب مع قدرات الأطفال".

اهتمام أبو العباس بمسرح الطفل قاده إلى تأسيس "رابطة فنون مسرح الطفل" لإنشاء فرق مسرحية في جميع المحافظات تحمل أسماء الأخيرة لتقديم عروضها. يقول "نتمنى أن نتمكن عبر هذه الرابطة التي يتعلق هدفها بتقديم أعمال مسرحية للأطفال، دافعها رفع الظلم والتهميش عن الطفولة".

ويوضح أن أهم أسباب عدم النهوض بمسرح الطفل بعد عام 2003 كان "عدم وجود اهتمام من قبل الحكومات المتعاقبة بتثقيف الأطفال، وشحّة التمويل اللازم لتصوير فنون الطفل، بالإضافة إلى ابتعاد بعض الفنانين الذين قلبوا المعادلة إلى جانب مادي بحت، وابتعد المسرحيون أنفسهم عن تقديم العروض بسبب عدم توفر الدعم الحكومي".

ما الذي يحتاجه مسرح الطفل اليوم؟ يقول أبو العباس "تقديم الدعم الكافي لتكوين بنية تحتية مناسبة لإعادة الروح إلى النص المسرحي، وأن تكون هناك صناعة حقيقية لمسرح الطفل تواكب التقنيات الحديثة، فقد غادرنا مرحلة استخدام الأخشاب فقط، ووصلنا إلى تقديم صورة بالغرافيكس والصور المركبة وغيرها".

كل ذلك "يحتاج إلى أن تضع مديريات النشاط المدرسي يدها بيد الفنانين المسرحيين الجادّين لتقديم العروض في المدارس، وبأسعار رمزية بمتناول الجميع بعيداً عن الأهداف المادية البحتة"، يضيف أبو العباس.

أزمة النصوص

مستمداً خبرته من مسرحيتين قام بتأليفها وإخراجها، يرى المخرج المسرحي جوزيف الفارس أن مسرح الطفل  العراقي "بحاجة لدعم المعنيين به كالإشراف التربوي أو الفرقة القومية للتمثيل".

يقول لـ"ارفع صوتك" إن معيقات العمل في العراق "بالإضافة إلى التمويل تتعلق بإنتاج النصوص الجيدة والمحبوكة، التي تتضمن عناصر التشويق والإبهار"، إضافة إلى "الفكرة التي يستوعبها الأطفال، وإلى كادر من  الممثلين الجيدين، ودعم إعلامي، وغيرها من عناصر الإنتاج المسرحي المخصص للأطفال".

والمسرح العراقي اليوم عموماً، وفق الفارس "يشهد رواجاً للمسرح الجماهيري ذي الواقع"، وهو "رديء" على حدّ تعبيره.

ويضيف "الطرح بحد ذاته حساس ورغم عدم رغبتي بتثبيط العزيمة في ما يتعلق بمسرح الطفل،  إلا أن ما نراه هو شحة النصوص المسرحية الجيدة اللائقة بمستوى الأطفال".

مسرح جوّال

قبل نحو عشر سنوات بدأ المخرج حسين علي صالح بإنشاء "المسرح الجوال"، الذي يذهب للطفل أينما تواجد بدلا من أن يأتي الطفل إلى المسرح.

هذه الفكرة كما يقول عنها المخرج لـ"ارفع صوتك" جاءت في محاولة لتعويض الطفل العراقي المحروم من ملذات الحياة لتقديم رسالة تربوية هادفة.

المسرح الذي يتم استخدامه "هو عبارة عن سيارة تم تصميم حوضها الخلفي بطريقة معينة ليتحول إلى منصة مسرح لتقديم العروض، ويحمل في داخله كل متطلبات العرض من ديكورات وملابس وأنظمة صوت"، يوضح صالح.

ويعتبر أن مسرح الطفل "مغيّب تماماً في العراق" وأن والجهات الرسمية المعنية "لا تعير اهتماماً لذلك" مضيفاً "حاولتُ التعاون مع الجهات المختصة، إلا أنني لم أجد اليد التي تساعد في هذا المشروع".

ويشير صالح إلى أن المسرح الجوال قام بتقديم العروض في المدارس الأهلية ودور الأيتام ومراكز ذوي الاحتياجات الخاصة وفي مخيمات النزوح، مبيناً "أشعر بالفرح حين أتوجه إلى تلك الأماكن وأقدم عرضاً مسرحياً وأرى البهجة على وجوه الأطفال، خصوصا حين يتفاعلون معنا بطريقة لا نتوقعها أحياناً".

ويختم حديثه بالقول إن "الغرض من المسرح الجوال إنساني بحت، فالمسرح مدرسة بحد ذاته وهو مربٍ كبير. ونحاول إحياء مسرح الطفل عبر تأليف المسرحيات وكتابة الأغاني والاستعراضات التي تجذب الطفل وتنمي قدراته".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".