أكثر أنواع المخدرات انتشارا في العراق هو الميثامفيتامين أو الكريستال وكذلك الكبتاغون
أكثر أنواع المخدرات انتشارا في العراق هو الميثامفيتامين أو الكريستال وكذلك الكبتاغون

في السنوات الأخيرة تزايدت تجارة المخدرات وتعاطيها في العراق، خصوصا في جنوب ووسط البلد الذي بات طريقا أساسيا لتهريبها والاتجار بها على الرغم من تعزيز القوات الأمنية عملياتها في ملاحقة تجار المخدرات في الآونة الأخيرة والإعلان بشكل شبه يومي وضع اليد على كميات من المخدرات وتوقيف العديد من المهربين.  

يوم الخميس، أعلنت وزارة الداخلية العراقية أن العام الحالي شهد ضبط 230 شبكة تتاجر بالمخدرات من ضمنها 27 دولية بالإضافة لأكثر من 150 تاجرا دوليا وضبط كميات من المواد المخدرة.

كان العراق يعدّ في زمن النظام السابق قبل 2003 معبرا للمواد المخدرة المصنعة في إيران أو أفغانستان باتجاه أوروبا، إلا أنه شهد ارتفاعا في نسبة استهلاك المخدرات، بشكل كبير في السنوات الماضية.

أكثر أنواع المخدرات انتشارا في العراق، هو الميثامفيتامين أو الكريستال، الذي يأتي عموما من أفغانستان أو إيران. 

ويوجد كذلك الكبتاغون وهو من نوع الأمفيتامين يجري إنتاجه على نطاق صناعي في سوريا، قبل أن يعبر الحدود إلى العراق ويغرق أسواق الدول الخليجية الثرية، لا سيما السعودية التي تعد سوق الاستهلاك الرئيسية في الشرق الأوسط.

وتعلن القوات الأمنية العراقية حاليا وبشكل شبه يومي عن عمليات مداهمة وتوقيفات مرتبطة بالمخدرات، لكن مع ذلك فهذا غير كاف للحد من الظاهرة.

تقول رئيسة مؤسسة "عراق خالٍ من المخدرات" إيناس كريم إن "العمليات الأمنية التي تقوم بها وزارة الداخلية مهمة وضرورية مقارنة بالسنوات السابقة التي لم تشهد السيطرة على شبكات تجارة المخدرات، لكن هذا لوحده غير كافٍ".

وتضيف كريم في حديثها لموقع "الحرة" أن "العراق بحاجة اليوم لضبط الحدود مع دول الجوار حيث تدخل كميات كبيرة من المواد المخدرة، بالإضافة لضرورة توفير أجهزة متطورة للكشف عن المخدرات".

بالنسبة لكريم، الباحثة النفسية التي تصفها وسائل إعلام محلية بأنها أول امرأة عراقية تؤسس منظمة لعلاج الإدمان، فإن قياس مدى نجاح السلطات في مواجهة انتشار لمخدرات لا يكمن في أعداد المعتقلين، بل المدمنين.

وتشير كريم قائلة: "نحن لا نقيس الأمر من خلال عدد شبكات الملقى القبض عليها، بل من خلال أرقام ضحاياهم من المتعاطين الذين يستقبلهم مركزنا".

"على سبيل المثال نحن كمركز معالجة إدمان، خلال النصف الأول من هذا العام استقبلنا ما يقرب من 700 حالة بينهم 45 فتاة، وهو رقم كبير جدا مقارنة بالعام الماضي الذي شهد بأكمله استقبال نحو 820 حالة إدمان".

أواخر العام 2021، أعلنت وحدة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية أن محافظتي البصرة وميسان في جنوب العراق تحتلان الصدارة بين محافظات البلاد على صعيد تجارة المخدرات وتعاطيها.

ويتفق مقرر لجنة المخدرات في دائرة صحة البصرة عقيل الصباغ مع أهمية ضبط الحدود للحد من دخول المواد المخدرة وانتشارها في أوساط الشباب.

ويقول الصباغ لموقع "الحرة" إن "البصرة ونتيجة لأنها منطقة حدودية أصبحت من أكثر مناطق العراق التي تنتشر فيها المخدرات وبات تعتبر ممرا لدخول هذه المواد ومنطقة استهلاك وتجارة في الوقت ذاته".

ويؤكد الصباغ أن "المشكلة الرئيسية لانتشار المخدرات تتعلق بالإجراءات الحكومية، غير الكافية في الوقت الحاضر للحد منها، وهي مجرد إجراءات خجولة لا تفي بالغرض".

ويضيف الصباغ أن العراق بحاجة "لضبط حدوده أمنيا وكذلك يجب أن تكون هناك أدوار لسلطات الجمارك للكشف عن هذه المواد وكذلك لقوات الشرطة في اعتقال أوكار وبؤر المخدرات".

بالإضافة لذلك يؤشر الصباغ إلى ضعف في إجراءات التوعية بمخاطر هذه الظاهرة ووصفها بأنها "لا ترتقي لمستوى وحجم وخطورة معدلات انتشار المخدرات" في العراق.

ولم يتسن لموقع "الحرة" الحصول على تعليق من وزارة الداخلية، لكن المتحدث باسمها مقداد الموسوي كان أكد للحرة في وقت سابق أن الوزارة أعلنت منذ نهاية عام 2022 أن أداء الأجهزة الأمنية لا يتوازى مع معدلات انتشار المخدرات في البلاد.

وأضاف في مداخلة مع برنامج بالعراقي أن أوامر صدرت في ذلك الحين تقضي بربط المديرية العامة لمكافحة المخدرات بمكتب وزير الداخلية مباشرة، حيث رصد لها دعم مادي ضخم من قبل القائد العام للقوات المسلحة وكذلك بالأعداد والمركبات والأسلحة وجرى تسخير كل مصادر وزرة الداخلية الاستخباراتية لخدمتها".

"ونتيجة لذلك كان العام الماضي استثنائيا بالنسبة لعمل هذه المديرية، بعد أن تمكنت من اعتقال 19 ألف متهم في مجال المتاجرة والترويج والتعاطي وقتل 17 تاجر مخدرات وضبط 8 طن من المواد المخدرة و18 طنا من المؤثرات العقلية" وفقا للموسوي.

وذكر الموسوي أنه "لأول مرة في تاريخ العراق جرى اعتقال أكثر من 144 تاجر دولي وكان هناك تنسيق عالي مع دول الجوار لضبط الحدود".

"كل هذه التحركات زادت من سعر غرام الكريستال حيث ارتفع من ستة دولارات إلى سبعين دولارا بسبب هذه الجهود"، بحسب الموسوي."

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.