يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.
يُعدّ التركمان ثالث أكبر الجماعات العرقية في العراق بعد كل من العرب والأكراد. ويقدر عددهم بين مليونين إلى مليونين ونصف.

بعد اتفاق سياسي تأخر لسنوات، سينطلق التعداد العام للسكان في العراق نوفمبر المقبل دون ذكر الانتماء القومي للسكان.

اعتبر محللون عراقيون أن ذلك سيجنب البلد "المزيد من الجدل". ورغم عدم تقديم اعتراضات رسمية، إلا أن ممثلين عن الأقليات أعربوا عن قلق من استغلال النتائج.

وزارة التخطيط وعلى لسان متحدثها الرسمي عبد الزهرة الهنداوي أبلغت "ارفع صوتك" أن التعداد السكاني سينطلق بين 20 و21 نوفمبر المقبل، وسيكون تعداداً "تنموياً" لمعرفة الواقع المعيشي والاقتصادي والخدمي المقدم للعراقيين.

بموجب هذا التعداد، "سيتم وضع الخطط المستقبلية لتحقيق العدالة في توزيع الثروات"، يقول الهنداوي.

ويشير إلى أن التعداد في العراق سابقاً "كان يتضمن فقرة تتعلق بالقومية ولم يكن هناك أية أسئلة تتعلق بالمذهب". أما النسخة الحالية منه فستكون "خالية من السؤالين، كون هذه الأسئلة غير مجدية من الناحية التنموية".

ويؤكد الهنداوي أن ذكر القومية "كان أحد أسباب تأجيل الإحصاء في سنوات سابقة، نتيجة خلافات سياسية". لذلك فإن الأمم المتحدة رأت "إلغاء أي سؤال يمكن أن يعرقل التعداد".

وعن أهم الأسباب التي أدت إلى تأجيل التعداد أكثر من مرة منذ 2003، يشرح الهنداوي أنها كانت أحياناً تتعلق بالخلافات السياسية وفي أحيان أخرى بالأوضاع الأمنية أو عدم توفر التخصيصات المالية اللازمة، الإضافة إلى الأسباب الصحية التي رافقت انتشار فيروس كورونا سنة 2020.

وحالياً، تمت "معالجة الخلافات باتفاق سياسي، والوضع الأمني مستقر. بالتالي كل الظروف أصبحت مهيأة لإجراء أول تعداد سكاني في العراق منذ 27 عاماً"، بحسب الهنداوي.

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

قلق في صفوف الأقليات

على الرغم من إدراج الديانة للسكان كما تقول وزارة التخطيط، إلا أن هناك أقليات تعتبر نفسها قومية منفصلة مثل الشبك والكرد الفيلين وبعض الأيزيديين.

يوضح نائب رئيس مجلس الأقليات العراقي محمد الشبكي لـ"ارفع صوتك": "بحسب المناقشات التي سبقت التعداد السكاني في الأعوام السابقة، فقد تم تقديم مقترح لوضع سؤال يتعلق بالقومية، على أن تُترك الخانة فارغة ليقوم المواطن بكتابتها بنفسه إذا رغب".

ويقول إن التعداد السكاني في النسخ السابقة كان يتم فيه ذكر القوميات الأساسية العرب والأكراد والتركمان ثم يتم كتابة كلمة "أخرى"، لذلك فإن "أقليات قومية مثل الشبك والكرد الفيلين لم يتم تعدادهم بشكل صحيح، وكنا نعتبر الإحصاء الحالي يمكن أن ينصفهم"، وفق تعبيره.

يتركز وجود الشبك في المناطق المتنازع عليها بين الإقليم والمركز وهي مناطق صراع، يتابع الشبكي "من جهة، ترغب الحكومة المركزية بالسيطرة عليها، ومن جهة أخرى يرغب الإقليم باعتبار سكانها أكراداً. وبهذا تصبح مناطقهم تابعة للإقليم".

ويعرب الشبكي عن قلقه من "استخدام البيانات (من التعداد) لمسائل سياسية أو لتثبيت واقع حال أو تلاعب بحدود المحافظات".

في المقابل،  يرى رئيس ائتلاف الرافدين يونادم كنا أن إلغاء القومية من التعداد السكاني "أمر إيجابي لأنه يخدم النهج الوطني".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن كوتا الأقليات في البرلمان العراقي "لن تتأثر بإحصاء السكان، كونها أقرت بقانون وزعت فيه المقاعد بموجب اتفاق سياسي لم يؤخذ فيه بنظر الاعتبار عدد السكان".

 ولو كان تم الأخذ بنظر الاعتبار عدد السكان "لكنّا رأينا عدد مقاعد مختلف الأقليات خصوصاً أتباع الديانة المسيحية، إذا أخذنا التعداد التقديري السابق الذي تحدث عن وجود مليون ونصف المليون مسيحي في البلد ولهم 15 مقعداً في البرلمان"، يضيف كنا.

وبحسب نظام كوتا الأقليات في البرلمان العراقي، فإن هناك خمسة مقاعد للمسيحيين موزعة على محافظات بغداد ونينوى وكركوك ودهوك وأربيل، ومقعد واحد لكل من الأيزيدين والصابئة والشبك والكرد الفيلية.

الحالة الوحيدة المثيرة للقلق، كما يقول كنا "إذا رأينا بعد التعداد وظهور النتائج نفساً قومياً عنصرياً أو دينياً متشدداً يمكن أن يؤثر سلباً إذا ما طالب بإعادة النظر بالقانون، وهو أمر إذا ساد فأقرأ السلام على الوطن" على حدّ تعبيره.


"تذويب الهويات"

يرى المحلل السياسي أحمد الشريفي أن عدم إدراج خيارات القومية والمذهب في التعداد السكاني، "يعني تذويب الهويات الفرعية إلى هوية وطنية واحدة، وهو خيار إيجابي يؤدي إلى جمع العراقيين تحت مظلة العنوان الوطني الواحد".

يقول لـ"ارفع صوتك": "في السابق كانت المذهبية غير موجودة في الإحصاء السكاني، لكن القومية كانت حاضرة منذ تسلّم حزب البعث للسلطة الذي ذهب باتجاه تعزيزها بعد تبنيه مبدأ القومية العربية فوق باقي المكونات، فضلاً عن ترسيخه للعشائرية والقبلية في نظام الحكم".

ويرجّح الشريفي أن الغاء القومية "سيكون ورقياً فقط" بينما في الواقع، بحسب كلامه "ستكون الأزمة حاضرة في الظاهرة السياسية، وأقرب مصداق لها قضية كركوك التي تتجاذبها ثلاث قوميات (الكرد والعرب والتركمان) وكل منهم يدعي أنه يمثل الأغلبية".

لكن مشكلة كركوك، يستدرك الشريفي "لم تبدأ بعد عام 2003 بل منذ عقود، عندما قرر حزب البعث تغيير الحدود الإدارية لعدد من المحافظات ومنها كركوك التي كانت تضم 36 وحدة إدارية ليتبقى منها 16 فقط".

يتابع: "لا يزال النزاع قائماً وكامناً وفاعلاً، وبسبب وجوده، فإن المحافظة الغنية بالنفط عاجزة عن اختيار محافظ لها اليوم، رغم مرور أشهر على انتخابات مجالس المحافظات".

يتفق المحلل السياسي إياد العنبر مع ما ذهب إليه الشريفي، بالقول "من الناحية السياسية نحن أمام قضيتين الأولى هي المناطق المتنازع عليها، والثانية هي كركوك. وهي من الخلافات المهمة بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان. وفي حال إجراء إحصاء يتضمن القومية فإنه يمكن أن يؤجج المشكلة أكثر من أن يقدم حلاً لها".

وتعتبر الخلافات على المناطق المتنازع عليها واحدة من أعقد المشكلات بين إقليم كردستان وبغداد، وهي تتضمن محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى. وكان الدستور أقر المادة 140 كحل لها، التي تتضمن ثلاث خطوات، إحداها تتعلق بإجراء إحصاء للسكان واستفتاء لتحديد المصير.

وزارة التخطيط نأت بنفسها عن أن تكون جزءاً من تنفيذ المادة الدستورية من خلال تقديمها سؤالاً إلى المحكمة الاتحادية عام 2010، يتعلق بالإحصاء السكاني وإذا ما كان هو ذاته المقصود في الدستور. وحينها أشارت المحكمة إلى أنه لا يوجد أي ربط بين الإحصاء العام والإحصاء المذكور ضمن المادة 140.

مع ذلك يرى العنبر أن قضية الأرقام المتعلقة بالمذاهب والقوميات "واضحة في أغلب المناطق لأن أغلبها معروف من يسكنها، لكن البعض يحاول استثمار الموضوع للتجاذبات السياسية والدخول في جدل سياسي جديد. وربما يتم الطعن في بعض النتائج باعتبارها تغيير ديمغرافي إذا ما تم ذكر القومية والمذهب وهو أمر لسنا بحاجة له على الإطلاق".

لماذا عجز العراق عن إجراء تعداد سكاني منذ ربع قرن؟
عام 1997م أجرى العراق تعداده السكاني الأخير. عملية شابتها الكثير من المشاكل، فلم يُجرَ الاستطلاع إلا في 15 محافظة بعد استبعاد محافظات إقليم كردستان، الأمر الذي دفع بعض الباحثين لعدم الاعتراف بنتائجه والاكتفاء ببيانات الإحصاء الذي سبقه بعشر سنوات وشمل جميع محافظات العراق.

مقاعد

في السياق نفسه، يقول رئيس مركز "المورد" للدراسات والإعلام نجم القصاب، إن عدم ذكر القومية والمذهب في التعداد معناه أن "الحكومة تتعامل مع المواطن كونه عراقياً فقط، وليس على أساس المكونات". 

والمكون، برأيه "يقسم المجتمع أولاً، والدولة العراقية ثانياً" مردفاً "لهذا علينا أن نغادر هذه المسميات وهذه الأسماء".

ولكن، ما تأثير ذلك على التعداد السكاني؟ يقول القصّاب إنه "يتعلق بالفروقات السكانية التي يمكن أن تظهر بين محافظة وأخرى، وهو أمر من شأنه إحداث تغييرات في التمثيل البرلماني للمحافظات".

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "إذا ما حصل وكانت الأرقام الحقيقية خلال التعداد السكاني مختلفة عن التقديرات في المحافظات، فمن يظهر وجود نسبة سكان أعلى لن تتضرر بل ستستفيد لأن تمثيلها السكاني سيرتفع. أما المحافظات التي تتراجع بها النسبة السكانية بشكل ملحوظ ستتراجع نسبة تمثيلها البرلماني وتصبح مقاعدها أقل".

تغيير نسب السكان معناه كما يقول المحلل السياسي علي الحبيب لـ"ارفع صوتك" أن هناك إمكانية لـ"زيادة مقاعد بعض المحافظات التي سيرتفع عدد سكانها، كما سترتفع حصتها المالية التي تعتمد على عدد السكان وتتغير الخطط التنموية المتعلقة بها"، وإذا تراجع عدد السكان "سيحصل العكس، أي أن تتراجع أعداد المقاعد وتنخفض تخصيصاتها المالية".

هذه العوامل، بحسب الحبيب "تثير المخاوف لدى المراقبين من إمكانية حصول تدخلات لتحقيق مكاسب سياسية ومالية عبر التأثير على عملية التعداد، التي تؤدي إلى تحقيق نتائج غير دقيقة، خصوصاً أن لدينا تغيرات ديمغرافية قبل وبعد عام 2003، ووجود عدد كبير من النازحين في المخيمات".

جزء من هذه المخاوف تأتي "لعدم توفر البنية التحتية الضرورية مثل التقنية والموارد البشرية المدربة بشكل كافٍ، وعدم تنمية الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية ليُدلي ببياناته بشكل دقيق"، يتابع الحبيب، مضيفاً "كل هذه المعوقات من شأنها أن تؤثر سلبياً على نتائج الإحصاء".

والحل، أن يبذل العراق "جهوداً كبيرة لتطوير البنية التحتية، وحل أزمة الثقة بين المواطن والحكومة للوصول إلى نتائج حقيقية للإحصاء السكاني"، يقول الحبيب.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المروحية تُستخدم في مهام البحث والإنقاذ والنقل والهجوم أو حتى القوات الخاصة
المروحية تُستخدم في مهام البحث والإنقاذ والنقل والهجوم أو حتى القوات الخاصة

سيحصل العراق على 14 مروحية من "إيرباص" بينها 12 مقاتلة متعددة المهام من طراز "كاراكال  H225M" بعدما وقعت بغداد والشركة، الخميس، اتفاقا يعكس عزم العراق على تعزيز قدراته الدفاعية في وجه الخلايا المتشددة التي لا تزال نشطة.

ووقع العقد مدير فرع "إيرباص هيليكوبترز" في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أرنو مونتالفو ومدير المديرية العامة للتسليح والتجهيز في وزارة الدفاع العراقية اللواء محمد حسين مولى، بحضور وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي والسفير الفرنسي لدى العراق باتريك دوريل، حسبما أفاد مراسل وكالة فرانس برس.

وأوضحت السفارة الفرنسية في بغداد لفرانس برس أن الاتفاق يشمل ما مجموعه 14 مروحية بينها 12 مقاتلة من طراز "كاراكال H225M".

ويبدأ التسليم اعتبارا من مطلع العام 2025 على أن يستغرق عدة أشهر، حسبما قال مونتالفو لوكالة فرانس برس.

ولم تُكشف قيمة العقد.

وقال دوريل في كلمة مقتضبة في ختام المراسم "إن توقيع اليوم هو ثمرة مناقشات طويلة الأمد بين رئيس الجمهورية الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني"، مضيفا "نفتخر اليوم بأننا حققنا هذه النتيجة التي ستمكّن العراق من تعزيز قدراته وسيادته".

من جهته، أكد العباسي أن هدف الاتفاق هو "تعزيز قدرات الجيش العراقي وطيرانه".

وتُستخدم مروحية "كاراكال H225M" الثقيلة (11 طنا) في مهام البحث والإنقاذ والنقل والهجوم أو حتى القوات الخاصة.

ولطالما تؤكد بغداد وباريس رغبتهما في تعزيز تعاونهما الثنائي في مجال الدفاع. وتنشر فرنسا في العراق قوات منضوية في التحالف الدولي الذي أنشأته واشنطن في العام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات في شأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق، من دون إعلان موعد رسمي لإنهاء مهمتها.

وتابع دوريل أن "قواتنا حاربت سويا الإرهاب وتنظيم الدولة الإسلامية"، مضيفا "يمكنكم الاعتماد على فرنسا للمساهمة في تعزيز سيادة البلد وأمنه (...) وعلى قواتنا المسلحة ومختلف الصناعيين لدينا (...) من أجل تعزيز هذه العلاقة في كل المجالات".

وفي يناير 2023، أجرى السوداني مباحثات في باريس مع ممثلين عن مجموعتَي "تاليس" و"داسو" الفرنسيتين وكذلك مع مجموعة "إيرباص" الأوروبية المصنعة للطائرات، بشأن إمكان اقتناء بغداد رادارات ومقاتلات من طراز رافال ومروحيات عسكرية.

وأعلنت بغداد في أواخر 2017 "الانتصار" على تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف الذي سيطر على مساحات واسعة في العراق وسوريا قبل ذلك بثلاثة أعوام. غير أن بعض خلاياه لا تزال تنشط في مناطق عدة وتشن هجمات تستهدف القوات الأمنية خصوصا في مناطق نائية.

وتؤكد السلطات العراقية أن أجهزتها الأمنية باتت قادرة على قيادة المعركة بمفردها ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي لم يعد يشكّل التهديد نفسه الذي كان يشكله من قبل.

وأكد مونتالفو لفرانس برس أن هدف "إيرباص" هو تسليم المروحيات "في أسرع وقت ممكن لأن ذلك حاجة عملياتية ملحة بالنسبة للجيش (العراقي)، لذلك هدفنا هو تلبية هذه الحاجة".

وذكّر بأن الجيش العراقي يستخدم بالفعل منتجات من صنع "إيرباص"، لافتا إلى أن مقاتلات كاراكال H225M "تشبه المروحيات التي يشغلها سلاح الجو الفرنسي، ما يُعد رمزًا للتعاون بين بلدينا".

وخلال زيارة لبغداد في يوليو 2023، رحب وزير الجيوش الفرنسية سيباستيان لوكورنو بـ"خارطة طريق ثنائية يجب تعزيزها وتوطيدها" مع العراق.

وتحدث آنذاك عن "دورة تدريب فريدة مقبلة (...) باسم +كتيبة الصحراء+" تمتد لعامين وتضم 80 مدربا فرنسيا يتناوبون "على تدريب ما يعادل 5 كتائب، أي 2100 عسكري عراقي".