FILE - In this Jan. 24, 2004 file photo, fires flare off the gas from crude oil at Iraq's oldest oil processing plant in the…
قبل اكتشاف النفط مطلع القرن العشرين لم يكن هناك صراعات حول كركوك- تعبيرية

بعد أكثر من ثمانية أشهر من الخلافات، حَسمت صفقةٌ بين "الإطار التنسيقي" و "الاتحاد الوطني الكردستاني" عملية انتخاب محافظ لكركوك التي تتصارع فيها المكونات العرقية والأحزاب السياسية وتتداخل فيها تركيا وإيران من وراء الحدود.

لكن هذا الحسم، الذي كان يتطلع إليه أبناء كركوك من أجل إنهاء الصراع المستمر، أجج صراعاً جديداً بين بعض مكونات المدينة الرئيسية الثلاثة وحكومة المركز التي يتهمها المبعدون عن المناصب الرئيسية بالتآمر والانقلاب على العملية الانتخابية.

الاتهامات جاءت على خلفية عقد جلسة انتخاب ريبوار طه عن "الاتحاد الوطني الكردستاني" محافظاً لكركوك، وإبرراهيم الحافظ من حزب "السيادة" عن العرب رئيساً لمجلس محافظة كركوك في "فندق الرشيد" بقلب العاصمة بغداد.

هذه الجلسة عُقدت وسط تشظي مكوناتي وحزبي غير مسبوق في كركوك، ودون دعوة رئيس السن راكان الجبوري وبغياب ممثلين عن المكون التركماني الذي حضر نيابة عنهم أحد أعضاء مجلس النواب.

هذه الخلافات ليست وليدة الجلسة الحالية، بل منذ انتهاء انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في نوفمبر 2023 والتي تضمنت 16 مقعداً لمحافظة كركوك. وأفرزت نتائجها تقارباً واضحاً بين الكتل العربية التي حصدت ستة مقاعد، والحزبين الكرديين (سبعة مقاعد)، فيما حصل التركمان على مقعدين والمسيحيون على مقعد واحد ضمن كوتا الأقليات.

 

أزمة معقدة

 

يقول الصحفي والكاتب سامان نوح إن ملف كركوك "معقد جداً، فهناك صراع بين المكونات من جهة، وهناك انقسامات داخل المكونات ذاتها من جهة أخرى".

يشرح نوح لـ"ارفع صوتك" أن هناك أطرافا رئيسية ثلاثة، وهم "التركمان الذين ينقسمون إلى سنة وشيعة داخل كركوك، ولكل منهم ولاء خارجي. فالشيعة أقرب إلى الإطار التنسيقي وبالتالي إلى إيران، والتركمان السنة وهم أقرب إلى تركيا".

ويضيف: "الأمر مقارب مع الأحزاب الكردية، فالحزب الديمقراطي الكردستاني كان دائماً يطمح للوصول إلى إدارة كركوك عن طريق الاستفادة من الضغط التركي على التركمان باتجاه التحالف مع الديمقراطي، وفي النهاية فشلت الصفقة".

كان منصب المحافظ في كركوك بعد العام 2003 وحتى العام 2016 محتكراً من قبل الاتحاد الوطني الكردستاني قبل أن يفقده بدخول الجيش العراقي على عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وسيطرته على المدينة ويتسلم المنصب قياديون من العرب.

لكن العرب بدورهم، كما يشير نوح، "منقسمون. فجزء منهم حلفاء مقربون إلى أنقرة بحكم وجود جزء من قياداتهم وإعلامهم في تركيا". وبالتالي، فإن كل المكونات "منقسمة"، إلا أنها في الوقت ذاته "في كل واحد منها هناك شخص قوي يمكن أن يحسم الصفقة عن طريق الأصوات والمقاعد وبالتالي وصلنا إلى هذه المرحلة حيث تم عقد صفقة سياسية بين الأطراف الأكثر قوة".

 

قانونية الجلسة

 

الخلاف الأساسي والطرح الذي يراهن عليه الرافضون لجلسة فندق الرشيد يتعلق بمدى قانونية الجلسة التي أقيمت في بغداد وليس في كركوك.

نوح يقول إنه تمت "إقامة جلسة مشابهة من أجل قضية مجلس محافظة ديالى دون أي مشاكل قانونية بسببها"، وهي الجلسة التي "أعطى رئيس الجمهورية بموجبها مرسوماً للمحافظ الجديد. وحسب القانون يمكن عقد الجلسة خارج المحافظة إذا كانت نسبة النصف زائد واحد متوفرة".

أسباب عقد الجلسة في بغداد، بحسب نوح، "تتعلق بعدم القدرة على الوصول إلى نتيجة من خلال الجلسات التي تعقد داخل المحافظة. ولذلك اضطرت رئاسة الوزراء لحسم الموضوع عبر القيادات الرئيسية للأحزاب التي قادت الصفقة ومنهم خالد شواني (وزير العدل المنتمي للاتحاد الوطني الكردستاني) وهو شخصية مهمة في الجلسة".

في المقابل، يرى المحلل السياسي عبد الغني الأسدي أن ما حصل في جلسة فندق الرشيد يمثل انقلابا على التوافقات السياسية، "لأن الحكومات المحلية حين تتشكل لا يتم الأخذ بنظر الاعتبار عدد المقاعد أو الأصوات فقط، إنما تؤخذ التوافقات السياسية المبرمة بين الأطراف المختلفة بنظر الاعتبار".

ويقول الأسدي إن جلسة انتخاب محافظ ورئيس مجلس محافظة كركوك "فيها ثلاث مخالفات، وهي أن الجلسة كان يجب أن تقام في كركوك، وبدلاً عن ذلك عقدت في فندق الرشيد" في بغداد. أما من يشيرون إلى جلسة محافظة ديالى في فندق الرشيد "فالأمر مختلف اختلافاً جذرياً. فديالى، كانت محتقنة أمنيا وكانت هناك مظاهرات عشائرية وإغلاق لدوائر حكومية وتدخل لقوى الأمن لفض الاشتباكات". أما "كركوك فهي آمنة، ولم تحصل فيها أحداث شبيهة بما حصل في محافظة ديالى"، يوضح الأسدي.

الأمر الثاني هو الدعوة التي تم تقديمها إلى الأعضاء للحضور، فهي كما يقول الأسدي، "لا بد أن تكون رسمية تقدم إلى رئيس السن وهو المحافظ السابق راكان الجبوري، الذي يقوم بدوره بدعوة كافة الأعضاء الفائزين للحضور إلى الاجتماع". لكن هذا لم يحصل.

أما الأمر الثالث، فيتمثل في "وجود إقصاء لمكون رئيسي في كركوك وهو التركمان. ولهذه الأسباب هناك سعي لتقديم دعاوي قضائية إلى المحكمة الاتحادية للبت بالجلسة".

بدوره، يقول الخبير الدستوري والقانوني مصدق عادل لـ"ارفع صوتك" إنه "في الأصل أي جلسة لمجلس المحافظة يفترض أن تعقد بمقر مجلس المحافظة. مع ذلك، بإمكان المجلس أن ينعقد في أي مكان آخر".

وبالنسبة إلى جلسة فندق الرشيد، يقول: "طالما استوفت الأغلبية المطلقة لعدد الحضور النصف زائد واحد، وطالماً تم الانتخاب للمحافظ بالأغلبية المطلقة، فإن الجلسة لا شائبة عليها ويستطيع أن يباشر المحافظ مهامه الدستورية".

ويدلل على ذلك بـ"صدور المرسوم الجمهوري بتكليفه، وبالتالي لو كانت هناك مشاكل دستورية لما صدر المرسوم".

ومع هذا، يستدرك عادل: "من يرى عكس هذا الرأي، أي هناك عدم صحة بالانتخاب بإمكانه اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري، باعتبار أن المادة السابعة من قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم قد حددت الجهة التي يحق لها الطعن، بالتالي بالإمكان الطعن بصحة الانتخاب".

 

من الذي يحكم المدينة؟

 

يرى الصحفي سامان نوح أن الجهة الحاكمة الفعلية في كركوك اليوم وبعد اتفاق فندق الرشيد هي "الإطار التنسيقي".

ويتابع: "هناك رضا من الإطار التنسيقي عن الصفقة التي حسمت مع الاتحاد الوطني الكردستاني وجزء من العرب السنة، كما أن حسم موضوع رئاسة البرلمان المتوقع قريباً سينهي أي محاولة لإعادة رسم خارطة كركوك عبر تحالف جديد وسيكون من الصعب تغيير الوضع الحالي".

على المستوى الشعبي، يقول نوح، "الناس غير مهتمة داخل كركوك بمن سيحكم المدينة، لأنهم يريدون خدمات واقتصادا، كما أن الجماهير كانت تتطلع لنوع من التغيير في الوجوه التي حكمت ولم تنجح في إدارة المدينة بشكل جيد، رغم بعض التطور الذي حصل في البنية التحتية وفي بعض المسائل الأخرى".

أما تطور المظاهرات التي خرجت يوم أمس وسيطرت عليها القوات الأمنية، "فليس من المتوقع حصول أعمال عنف أو شغب، ولا أن تتوسع التظاهرات فالأمور ستجري وفق ما هو مخطط له من قبل الإطار التنسيقي والاتحاد الوطني. أما الأطراف المتضررة فهناك مناصب عديدة شاغرة ولن يكون هناك شيء خارج عن المألوف".

يتفق المحلل السياسي عبد الغني الأسدي مع نوح فهو يرى أن موضوع كركوك "سوف يمضي. ولكن، لن يكون هناك استقرار سياسي".

ويوضح: "بمعنى أن مجلس المحافظة فيه عدد متساو تقريباً من الموافقين والرافضين للمحافظ الجديد، ولذلك يمكن أن يكون هناك تعطيل للقرارات". أما من الناحية الأمنية "فالوضع مستقر والقوات الأمنية مسيطرة، ولن يكون هناك تدهور أمني ولكن من المرجح وجود عدم استقرار سياسي".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.