أيزيديون يحتفلون برأس السنة الأيزيدية في معبد لالش قرب مدينة دهوك العراقية/ وكالة الصحافة الفرنسية

مع استمرار المجتمع الأيزيدي في التعافي بعد الإبادة الجماعية التي تعرض لها في أغسطس 2014، أعلن مجلس الوزراء العراقي الموافقة على إنشاء جامعة سنجار. وهو الأمر الذي عده مختصون رسالة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة التي ما زالت تعاني.

فكرة إنشاء جامعة في سنجار ليست حديثة العهد، كما يقول مدير "مبادرة نادية" في العراق فيصل غانم. بل بدأت في العام 2018 بعد حصول الأيزيدية الناجية نادية مراد على جائزة نوبل. "التقت برئيس الوزراء في العام ذاته (عادل عبد المهدي) وقدمت مقترحاً باستحداث جامعة في سنجار، وحصلت على موافقة أولية، ثم حصلت على دعم مالي من الإمارات العربية المتحدة لتمويل المشروع".

و"مبادرة نادية" هي منظمة غير حكومية أسستها الحائزة على جائزة نوبل نادية مراد، التي تدافع عن الناجيات من العنف الجنسي، ويركز عملها على إعادة التطوير المستدام في سنجار، موطن الأيزيديين في العراق.

فريق مبادرة نادية، كما يوضح غانم لـ"ارفع صوتك"، "عمل على إصدار الموافقات ودراسات الجدوى والتصاميم، بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات الرسمية العراقية في بغداد ونينوى وقائمقامية سنجار والتي اقترحت أربعة مواقع محتملة لإنشاء الجامعة، قبل تقديم المشروع إلى وزارة التعليم العراقية".

جرت اجتماعات عديدة بين الجهات المعنية كما يشير غانم. "وفي العام الماضي تم اختيار الأرض التي سيتم بناء الجامعة عليها وبأمر ديواني من رئيس الوزراء"، كما تم "تشكيل لجنة لمتابعة العمل في المشروع بالتنسيق مع محافظة نينوى ولجنة من التعليم بالإضافة إلى جامعة نينوى التي ستقوم بالإشراف على الأمور الإدارية حتى تكتمل الجامعة".

"المبادرة ستتكفل ومن خلال التمويل باستكمال البناء، ثم يتم تسليمها إلى الحكومة العراقية التي ستتكفل بتشغيلها وتوظيف العاملين فيها"، يقول غانم، مشيراً إلى أن المشروع" من شأنه أن يجمع العراقيين من مختلف المحافظات في بناية واحدة، وهو ما يساعد على زيادة التعرف بالمنطقة وعاداتها وتقاليدها ويسهم بنشر الوعي بالمجتمع الإيزيدي".

أكثر الأمور تعقيداً خلال الرحلة الطويلة التي سبقت الموافقة على بناء جامعة سنجار كان "تخصيص الأرض، لأنها تخضع إلى إجراءات روتينية تتطلب موافقات من 14 جهة مختلفة منها البيئة والنفط والآثار والكهرباء وغيرها، وما زلنا بانتظار الموافقة النهائية للمباشرة بالعمل".

 

رسالة اطمئنان

 

يقول معاون محافظ نينوى علي عمر لـ"ارفع صوتك" إنه من المخطط "أن يتم بناء جامعة سنجار على مساحة تتجاوز 160 دونماً في ناحية الشمال (سنوني) وهي أراض مخصصة كمراعٍ لا توجد فيها مشاكل تمليك وسيتم تحويلها من وزارة المالية مباشرة إلى أراض للجامعة".

وستتضمن الجامعة عند افتتاحها "ثلاثة كليات في بداية انطلاقها وهي الزراعة، التربية، والإدارة والاقتصاد، ثم سيتم توسيعها مستقبلاً لتستقر كجامعة عراقية مستقلة".

وبحسب عمر، فإن البناء سيتم بالتعاون مع "مبادرة نادية مراد" التي حصلت على تمويل بعشرة ملايين دولار من دولة الإمارات العربية المتحدة، فيما سيتم توفير البنى التحتية والخدمات الضرورية من قبل محافظة نينوى، على أن تكون جزءاً من جامعة نينوى إلى حين استكمال الإجراءات الرسمية.

إنشاء الجامعة، كما يرى عمر، بحد ذاته "رسالة اطمئنان قوية إلى الأهالي على أن الوضع الأمني مستتب وسيتطور، فأي صرح ثقافي وعلمي حين يتم إنشاؤه معناه أن المنطقة مستقرة ويمكنها تقديم الخدمات ليس لسكانها فحسب، بل لأي طالب علم من كافة انحاء العراق".

لإقامة الجامعة في المنطقة، كما يقول عضو مجلس محافظة نينوى عيدان الشيخ كالو لـ"ارفع صوتك"، "أهمية كبيرة فهي اللبنة الاساسية لتقديم أهم الخدمات في المنطقة التي يتخرج سكانها كل عام من مختلف الجامعات العراقية وبمختلف الاختصاصات، وفي مناطق بعيدة من مناطق سكنهم في إقليم كردستان ونينوى".

كما أنها، يضيف عيدان الشيخ كالو، ستسهم "في إعادة الاستقرار، وتشجيع النازحين إلى العودة، وتشغيل العديد من المواطنين سواء خلال العمل بإنشاء الجامعة أو عند استقبالها للطلبة والأساتذة. كما أنها ستكون قريبة لطلبة تلك المناطق بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية، وتجمعهم في بناء واحد مما يزيد من التعايش السلمي بين السكان".

أما موعد البدء بإنشاء الجامعة، "فهناك توجه حكومي واهتمام بالغ نتأمل أن يترجم على أرض الواقع قريباً من خلال تنفيذ إنشاء الجامعة". ويقول كالو: "هناك بعض الأمور العالقة تتعلق باستحصال موافقات لبعض الدوائر الرسمية، بالإضافة لتوفير تخصيصات في ميزانية الحكومة العراقية، ومتى ما توفرت سيتم المباشرة بالبناء".

 

مردود اجتماعي

 

إنشاء جامعة في مدينة سنجار له آثار كبيرة لدى أبناء المنطقة، كما يقول طالب الدكتوراه الأيزيدي في جامعة الموصل راشد داود جندي: "فهي صرح حضاري وعلمي له مردودات اجتماعية هائلة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "منطقة سنجار لديها عدد كبير جداً من الطلاب للدراسات الأولية والعليا، ويضطرون لترك مناطقهم والتوجه لجامعات إقليم كردستان ونينوى وبغداد، وهي بعيدة عن مناطق سكنهم.  هذا البعد الجغرافي له مردودات سلبية على الطلبة كونه يتطلب وقتا طويل للتنقل، كما أن بعضهم يضطرون لأخذ العائلة إلى منطقة أخرى قريبة للجامعة التي يدرس فيها".

هذا الأمر "شكل ضغطاً اقتصادياً على الكثير من الطلبة من ذوي الدخل المحدود، وربما يتركون الدراسة". أما في حال وجود جامعة قريبة فإنه "سيقلل الضغوط الاقتصادية على المواطنين، بالإضافة إلى التأثير الايجابي حيث سيكون طلبة الجامعات من مختلف المناطق والتوجهات الدينية والفكرية في مكان واحد".

وعن الوضع الأمني في المنطقة يرى جندي أن "المنطقة تعيش بوضع أمني أفضل ربما من بعض الدول في الشرق الأوسط، وهي مستقرة على خلاف ما يتم تداوله إعلامياً في بعض الأحيان لغايات سياسية ليس أكثر". كما أن مشروع الجامعة "سيكون عامل مساهم في الاستقرار وتوفير فرص العمل".

من جانبه، يعتبر مدير الإكاديمية الأيزيدية للتعليم مراد اسماعيل أن بناء جامعة سنجار "ضرورة قصوى للمنطقة، إذ ستوفر الجامعة فرص التعليم للآلاف من الطلبة في هذه المنطقة المنكوبة، وتساهم في إعادة الحياة إليها. فكلما ازدادت فرص التعليم والعمل، كلما ابتعد الناس عن المجاميع المسلحة وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "أتأمل أن يتم تنفيذ المشروع في أقرب فرصة، ولا يكون كغيره من المشاريع المعلنة مجرد حبر على ورق".

 

 

 

 

 

 


 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.