أثار تصويت "سري" لرفع رواتب البرلمانيين ومساواتهم بالوزراء ومنح موظفي البرلمان زيادة بالمخصصات بنسبة 30%، غضباً عارماً في الشارع العراقي ومطالبات بتعديل قانون رواتب موظفي الدولة لتحقيق العدالة المفقودة بينهم.
التصويت السري الذي جرى منتصف الشهر الجاري كشفت عنه وثيقة مسربة لم يتم نفيها رسمياً من قبل رئاسة مجلس النواب العراقي، نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لتشعل جدلاً كبيراً وصل إلى قبة البرلمان، وسرعان ما بدأ أعضاؤه بإصدار بيانات تبرير أو براءة من التصويت.
بحسب الوثيقة المسربة فإن المجلس استهلّ عمله في جلسة السابع من أغسطس الجاري بفقرة لم تكن موجودة ضمن جدول الأعمال، عبر إضافة امتيازات ورفع رواتب أعضاء مجلس النواب.
في مراجعة لـ"ارفع صوتك" لوقائع الجلسة التي تم بثها ضمن قناة مجلس النواب على اليوتيوب، ظهر لنا أن الفقرة الاستهلالية من الجلسة تم حجبها.
وناقشت الجلسة ستة قوانين، آخرها القراءة الأولى لقانون التعديل الأول لقانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم (13 لسنة 2018) التي لم يتم التطرق فيها إلى المادة (64) المتعلقة برواتب البرلمان.
أول من أشار إلى التصويت المفاجئ في البرلمان كانت كتلة "إشراقة كانون"، حيث اعترضت على التصويت في منشور على صفحتها الرسمية في "فيسبوك" كونه "لم يتم الإبلاغ عن إضافة فقرة لجدول الأعمال من أجل قراءة تعليمات تخص مخصصات أعضاء مجلس النواب وغيرها، استنادا للمادة ٦٤ من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم ١٣ لسنة ٢٠١٨ وإحالة التفاصيل المالية إلى جدول ملحق لم يعلن عنه".
بحسب المنشور فإن القرار "لم يُقرأ على الحضور، وكانت الجلسة غير معلنة بخصوص هذه الفقرة، كما لم تُسلَّم نسخ ورقية من تلك التعليمات إلى السيدات والسادة أعضاء المجلس وقراءتها لمرة واحدة فقط، مما لم يسمح بمنح فرصة للتمعن في مضامينها".
وأضافت الكتلة أن نوابها ومجموعة من أعضاء المجلس "لم يصوتوا على إقرار تلك التعليمات، واعترضوا على تلك الإجراءات وطلبوا الوثائق من رئاسة المجلس للاطلاع على محتواها" لكن رئاسة المجلس "امتنعت" عن ذلك.
وطالب المعترضون رئاسة مجلس النواب بكشف ملابسات ما جرى في الجلسة ونشر الوثائق المتعلقة بها كافة أمام الرأي العام.
تخفيضات العبادي
تخفيض رواتب أعضاء البرلمان العراقي كان مطلباً شعبياً خلال احتجاجات جرت في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات عام 2014، بالإضافة إلى إجراء تعديلات على سلم الرواتب وتخفيض وتقليص الفروقات بين الوزارات والدرجات العليا والدنيا.
في أعقاب اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة من العراق وتراجع أسعار النفط، قام رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي بإجراءات تقشفية أقر على أثرها في يوليو 2015 حزمة إصلاحات، تضمنت تخفيض رواتب المناصب العليا والرئاسات الثلاث.
وبدأ العبادي بنفسه أولاً عندما أقر تخفيض راتب رئيس الوزراء ونوابه إلى النصف، وساوى في ما يتقاضاه مع رئيسي الجمهورية ومجلس النواب ونوابه.
كما خفّض مخصصات الوزير ومن هو بدرجته بنسبة 45%، وأقرّ راتباً لعضو مجلس النواب يساوي ما يتقاضاه الوزير بعد التخفيض.
كذلك، جرى خفض مخصصات وكلاء الوزراء والمستشارين وأصحاب الدرجات الخاصة والمدراء العامين ومن هم بدرجتهم بنسبة 40%، عوضاً عن تخفيض مخصصات الموظفين بكافة عناوينهم الوظيفية في الرئاسات الثلاث والهيئات والمديريات المرتبطة بها بنسبة 30%.
لاحقاً أصدر مجلس الوزراء لائحة بالرواتب والمخصصات التي تضمنت تحديد الرواتب الاسمية للرئاسات الثلاث بثمانية ملايين دينار عراقي، ونوابهم بستة ملايين دينار، والوزراء ومن بدرجتهم بأربعة ملايين دينار، والوكلاء 2.4 مليون دينار والمدير العام ومن يتقاضى راتبه بمليون ونصف المليون دينار.
وأوعز العبادي إلى وزارة المالية بتنفيذ القرار اعتباراً من أغسطس 2015. هذا الأمر قابله البرلمان بالتصويت على قرار لصالح حظر تمرير الحكومة لأية إصلاحات رئيسة دون موافقته.
القرار بالأغلبية
ما أن انتشرت أخبار إقرار تعديل رواتب نواب وموظفي البرلمان العراقي، حتى أعلن عدد من النواب براءتهم من التصويت على القانون عبر منصات التواصل الاجتماعي منهم النائب مصطفى سند، الذي أصدر توضيحاً حول ما حصل داخل الجلسة بقوله إن رواتب المجلس خُفّضت بموجب قرار من المحكمة الاتحادية واستلم النواب روابهم منقوصة 30% للشهر الحالي.
وأوضح سند أنه خرج من الجلسة "حتى لا يضطر إلى التصويت على قرار من شأنه إثارة الرأي العام" واعداً ناخبيه بـ"التنازل عن الزيادة رسمياً عند كاتب العدل".
عضو اللجنة القانونية النائب محمد عنوز أبلغ "ارفع صوتك" أنه كان من ضمن النواب الذين لم يصوتوا على اللائحة أو التعليمات التي أصدرتها رئاسة السلطة التشريعية، باعتبارها صاحبة الصلاحيات بحسب النظام الداخلي في إصدار القرارات المتعلقة بنواب المجلس وموظفيه.
وقال "نحن في نظام نيابي جوهره يتوزع بين أغلبية وأقلية، وحين تم التصويت على التعديل فإن هناك من صوّت لصالح القانون وهم أغلبية، أما الرافضون فهم أقليّة".
"وعلى هذا الأساس يتم تمرير القوانين في مجلس النواب، إذ أنه الأمر المعمول به في تشريع القوانين والقرارات البرلمانية. التصويت هو الحاسم وعليه يجب احترام آليات العمل النيابي"، تابع عنوز.
وبيّن النائب أنه وبحسب الإيضاح الذي صدر من رئاسة البرلمان خلال الجلسة "لم نعرف ما إذا كان هناك نقصان أو زيادة في الرواتب، باعتبار أن السلطة التشريعية مساوية أو تتماهى مع الرئاسات الأخرى مثل رئاسة الجمهورية والوزراء بما يكون لهم وعليهم بموجب الدستور الذي يتحدث عن المساواة بين الرئاسات الثلاث".
أما ما يُثار من ضجة حول الموضوع فهو برأي عنوز "يتعلق بنواب البرلمان" بالتالي "لا ينفع الحديث عن من الذي صوت أو لم يصوت، ونحن نعترف أننا أقلية إزاء الكثير من الأمور التي لا تنسجم مع طموحات الشعب".
في الوقت ذاته، رأى عنوز أن هناك "مزايدات حول الموضوع من قبل بعض النواب أسوة بما حصل خلال قراءة أو اقرار قوانين أخرى".
جنبة مالية
من جهته، انتقد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي "الاستجابة السريعة من مجلس النواب لطلب موظفيه بتشريع سلم رواتب جديد" فالأجدر بالبرلمان وفق رأيه "تخفيض رواتب الوزراء لكي تتساوى مع رواتب أعضاء البرلمان ليحافظ على أموال الشعب، لكنه فعل العكس".
وقال لـ"ارفع صوتك": "من الناحية القانونية هذه الزيادة ولأنها ذات جنبة مالية كان يجب أن تحظى بموافقة الحكومة، مثلما يتحجج النواب على سلم الرواتب الجديد للموظفين الفقراء".
هذا السؤال توجه به "ارفع صوتك" للنائب محمد عنوز، وكان ردّه أن "ما يتعلق برواتب بقية الموظفين في العراق إجراء يتعلق بالحكومة، لأن به جنبة مالية ولا يتعلق الأمر بمجلس النواب، أي أننا لا يمكن أن نكتب رواتب معينة فالحكومة لديها إيرادات البلد وهي المسؤولة عن توزيعها".
وشرح عنوز أن سلم الرواتب لموظفي الدولة "يتم توزيعه بشكل باطل منذ إنشاء الدولة العراقية إلى اليوم، لأن الإيرادات هي للشعب ويُفترض أن يتم توزيعها بشكل عادل ومنصف. لكن، التوزيع تاريخياً فيه تباين طبقي واضح ومرفوض" على حدّ تعبيره.
وأكمل "أما مجلس النواب، فهو سلطة مستقلة لها ميزانيتها وسلطتها من الناحية المالية والإدارية ولها استقلالية، أي أن موظفيها ليسوا موظفين في السلطة التنفيذية وعلى المستوى الشخصي".
ختم النائب حديثه بالقول أنا ضد عدم المساواة والتمايز ويجب أن تعُم المساواة بين موظفي الدولة وبين الوزارات".
مساواة
في السياق ذاته، انتقد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني سُلم الموظفين في العراق وسرعة استجابة البرلمان العراقي لتعديلات تخفيض رواتب البرلمان، مبيناً لـ"ارفع صوتك" أن "جميع موظفي العراق مستاؤون مما يحصل في ما يتعلق برواتبهم، مع ذلك لم يتم البت في هذا الأمر منذ سنوات وهو مرفوع أمام أنظار البرلمان دون أي قرار تحت حجة الجنبة المالية".
ويتجاوز عدد موظفي العراق وفق موازنة عام 2023 الأربعة ملايين موظف، ومن المتوقع أن يزيد هذا العدد ليقترب من الخمسة ملايين بعد موجة تعيينات هائلة أقرتها الحكومة خلال عامي 2023 و2024.
هذا العدد الكبير من الموظفين "لا يتم التعامل معه بموجب قانون موحد لسلم الرواتب بل هناك فروقات هائلة بين المؤسسات المختلفة. مثلاً وزارات ذات رواتب عالية كالنفط والكهرباء، مقابل رواتب متدنية جداً في وزارات مثل الثقافة والبلديات ودوائر العدل لا يتوفر لديهم سوى الراتب الاسمي ومخصصات الزوجية والأطفال" أوضح المشهداني.
وأضاف "الرواتب في دول العالم تخضع لمقاييس الخبرة وعدد سنوات العمل وغيرها، بينما في العراق تخضع لتسلسل مكاني، أي يمكن لموظف في وزارة معينة استلام راتب يوازي راتب موظف يعمل 20 عاماً في وزارة أخرى، وهذا خلل كبير وغير منطقي".
وقال المشهداني "يجب على البرلمان العراقي أن يبرر سبب هذه الزيادات بشكل رسمي، فهو لم يقدم للعراقيين خلال فترة شغلهم لمناصبهم سوى الجدل في ما يتعلق بقوانين كثيرة ومهمة للاقتصاد ولحياة العراقيين".
