النائب العراقي مصطفى سند، الذي أشعل الجدل بتصريحاته عبر موقع "إكس"- الصورة من صفحته الرسمية على فيسبوك
النائب العراقي مصطفى سند، الذي أشعل الجدل بتصريحاته عبر موقع "إكس"- الصورة من صفحته الرسمية على فيسبوك

من جديد تشعل تصريحات برلمانية، حول إلقاء القبض على شبكة ابتزاز تستهدف مسؤولين كبار، الجدل وسط الشارع العراقي.

نشر هذه التصريحات النائب مصطفى سند، على حسابه في موقع "إكس"، حيث أعلن عن "اعتقال محكمة الكرخ المختصة بقضايا الإرهاب شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، على رأسهم المقرب محمد جوحي وعدد من الضباط والموظفين".

واتهم سند هذه "الشبكة"  بممارسة "عدة أعمال غير نظيفة" منها "التنصّت على هواتف عدد من النواب والسياسيين" بالإضافة إلى "توجيه جيوش إلكترونية وصناعة أخبار مزيفة وانتحال صفات سياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات".

وقال أيضاً إن "الشبكة اعترفت بأعمالها، وهناك ضغوطات تُمارَس من أجل إخراجهم لكن القاضي المختص لم يخضع لتلك الطلبات".

وفي حديثه لتلفزيون محلي، قال سند إن الشبكة "كانت تتنصّت على هواتف النواب، وتستخدم أرقام هواتف مزيفة لشخصيات مؤثرة من أجل توجيه النواب أو الضغط عليهم للتصويت في مشاريع قوانين وملفات حساسة مثل اختيار مرشح رئيس البرلمان".

قضية "الابتزاز" المفترض الجديدة هاته ليست الأولى من نوعها. ففي شهر مارس الماضي أعلن المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء يحيي رسول إلقاء القبض على شبكة تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي لابتزاز المؤسسة الأمنية والضباط والمنتسبين ومساومتهم. 

وقال في بيان إن اللجنة التحقيقية قررت "إحالة الضباط المتورطين بهذا الفعل غير القانوني إلى الإمرة، واستمرار الإجراءات القانونية اللازمة وإكمال التحقيقات بحقهم".

"سحب يد"

دون أي إيضاح إذا ما كانت الشبكة التي أشار إليها النائب مصطفى سند هي المقصودة، وجه رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني بتشكيل لجنة تحقيقية بحق "أحد الموظفين" العاملين في مكتبه "لتبنيه منشوراً مسيئاً لبعض المسؤولين وعدد من أعضاء مجلس النواب، وإصدار أمر سحب يد لحين إكمال التحقيق".

وشدد مكتب رئيس الحكومة في بيان،  على أنه "يدعم كل الإجراءات القانونية بهذا الصدد".

في منشوره على "إكس" قال سند إن  المتهم برئاسة شبكة الابتزاز "هو محمد جوحي الذي تولّى منصب معاون مدير عام الدائرة الإدارية بمكتب رئيس الوزراء، كما يشغل منصب سكرتير الفريق الحكومي ومسؤول التواصل مع النواب".

ويُعتبر جوحي واحداً من المؤثرين خلال احتجاجات تشرين 2019، وهو ابن أخ رائد جوحي الذي شغل منصب رئيس فريق التحقيق مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وأركان نظامه، كما شغل منصب مدير مكتب رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي قبل أن يتحول إلى مطلوب للعدالة، ويصدر بحقه حكم غيابي بالسجن لمدة عام على خلفية اتهامه بتهريب أحد المتهمين.

بعض النواب أيدوا ما ذهب إليه سند، منهم النائبة سروة عبد الواحد التي قالت في منشور على "إكس" إن "محمد جوحي الذي زوَّر وهدَّد وأرسل أخباراً مفبركة إلى النواب ليس المتهم الوحيد بانتحال الصفة، فهناك شخص آخر يدّعي أنه مستشار رئيس مجلس الوزراء، والآن يجري التحقيق معه أيضاً بسبب استخدامه اسم السوداني وتهديده للنساء وإهانتهن". 

وطالبت عبد الواحد مكتب رئيس الوزراء بـ"متابعة الإجراءات وعدم التنازل عن حقه، ليكون هؤلاء عبرة لكل مبتز يمارس ابتزازه باسم السلطات" على حدّ تعبيرها.

تواصل فريق "ارفع صوتك" مع المكتب الإعلامي للسوداني للحصول على إيضاحات، لكنّه رفض التعليق على الموضوع. واكتفى الناطق باسم الحكومة باسم العوادي بالقول لـ"ارفع صوتك" إن "القضية تتعلق بشكوى قُدمت من عضو في مجلس النواب ضد أحد الموظفين في مكتب رئيس الوزراء وهي قيد التحقيق".

من جهته، قال مجلس القضاء الأعلى لـ"ارفع صوتك" إن القضية "واحدة من قضايا عديدة يتم النظر فيها من قبل القضاء وهي في طور التحقيق، ولا يمكن التصريح حولها إلا بعد الانتهاء من التحقيق".

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

"تصفية حسابات"؟

في السياق ذاته، يقول المحلل السياسي أحمد الشريفي لـ"ارفع صوتك" إن "ما يحصل من حالات الابتزاز بين مسؤولين كبار سببه أن عنصر الضبط غير متحقق في مؤسسات الدولة، فالذي يأتي للمنصب عن طريق حزب لا يلتزم بالقوانين واللوائح الناظمة للمؤسسة، فضلاً عن أنه ينقل فيروس الأيديولوجية الحزبية التي يمتلكها إلى قلب المؤسسة وبالتحديد الأمنية والعسكرية" وفق تعبيره.

ويضيف أن ترشيح المسؤولين في تلك المناصب بهذه الطريقة "يؤدي إلى عدم التزامهم بالأوامر المرجعية" مردفاً: "كما أن المسؤول لا يخشى المحاسبة لأنه يعرف أن حزبه أو من قام بترشيحه يدعمه بشكل كامل ويجعله في موقع قوي لا يستطيع حتى الأعلى منه رتبة محاسبته".

لهذه الأسباب، يتابع الشريفي: "نرى شخصيات تقوم بمهام مشبوهة ومنها ما يتعلق بقضايا التجسس لمصالحه الشخصية أو لمصالح حزبية، لذلك نرى في كثير من الأحيان يكون المبتز أدنى رتبة أو موقع ممن يتم ابتزازهم. وهذا كله بسبب الخلل في القوانين واللوائح الناظمة لعمل المؤسسات".

ويقول: "نخضع لتوازنات إقليمية ودولية تزرع حلفاء في قلب المؤسسات للسيطرة على شخصيات سواء كانت برلمانية أو عسكرية أو أمنية، وهؤلاء إذا توفرت لديهم أوراق ابتزاز فمعنى ذلك أن هناك حالة ترويض، يليها التجنيد لصالح مشاريع خارجية".

ويعني هذا بحسب الشريفي أن العراق "بحاجة لعملية تطهير للمؤسسات، شرط أن تقوم بها جهات وطنية تكون القيادات فيها غير خاضعة وقادرة على مواجهة أي جهة حزبية تحاول فرض يعض الشخصيات لتحقيق أجندات معينة تصب في مصلحتها".

وفي معرض إجابته عن الاعتقالات التي تحصل ضد شبكات ابتزاز رفيعة المناصب الحكومية ومدى كونها مؤشراً إيجابياً، يقول الشريفي "علينا أن نتساءل: هل هي هذه العملية تصحيحية لتنقية المؤسسات من الفاسدين، أم أن حقيقتها هي تصفية حسابات بين الفاسدين؟".

من وجهة نظره، فإن "التفاؤل يحصل عندما تهدف هذه الممارسات إلى تصحيح الوضع الحالي، أما إن كانت لتصفية الحسابات، فهي أكثر خطورة من ممارسة عملية الابتزاز". 

يقول الشريفي: "بالتالي، لا يوجد ضامن بوجود مبتزين آخرين قريبين إلى المنظومة السياسية الحاكمة يجري غض النظر عنهم، والدليل أن الشخصيات التي تتعرض للابتزاز هي أيضاً جزء من صراع سياسي لطرف آخر"، بحسب تعبيره.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.