الرئيسان العراقيان صدام حسين وأحمد حسن البكر، والرئيس المصري جمال عبد الناصر.
الرئيسان العراقيان صدام حسين وأحمد حسن البكر، والرئيس المصري جمال عبد الناصر.

علاقة معقدة جمعت  الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وحزب البعث بفرعيه في سوريا والعراق. ورغم أن الطرفين آمنا بالقومية العربية وضرورة العمل على اتحاد الدول العربية، بل وقادا سوياً أول تجربة لإقامة دولة عربية موحدة في العصر الحديث، الجمهورية العربية المتحدة، إلا أنهما لم يتفقا أبداً وتبادلا العداء لسنوات طويلة.

 

ما قبل الوحدة

في عام 1949 عرفت سوريا انقلابها العسكري الأول على يد حسني الزعيم قائد الجيش، كان فاتحة لانقلابات تتالت وخلقت حالة من الاضطراب السياسي عاشتها البلاد طيلة سنوات.

وحينما جرى الإعلان عن الانقلاب العسكري الذي أنهى الملكية في مصر، اعتبر حزب البعث السوري أنه لا يختلف كثيراً عن حركات حسني الزعيم وسامي الحناوي، فاتخذ منها موقفاً عدائياً مبدئياً. في فبراير 1952 أعلن البعث في بيان له أن هذه الحركة من صُنع "الاستعمار الغربي"، حسبما أورد مصطفى دندشلي في كتابه "حزب البعث الاشتراكي".

الرفض البعثي الحاد لحركة "الضباط الأحرار" لم يتغير حتى بعد اتخاذ مجلس قيادة الثورة عدداً من القرارات المتعاطفة مع الفقراء والمنسجمة مع أيدولوجيته الاشتراكية مثل إلغاء الألقاب الملكية وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، فظلَّ البعثيون يصفون الحُكم في مصر بـ"الديكتاتورية العسكرية".

عزّزت العلاقة الطيبة التي جمعت بين اللواء محمد نجيب، قائد حركة "الضباط الأحرار"، وبين العقيد أديب الشيشكلي ثالث عسكري ترأّس سوريا في انقلاب عسكري خلال السنوات الأخيرة، من موقف البعث السلبي تجاه الحكم الجديد في مصر. 

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

مع رحيل الشيشكلي وإزاحة نجيب من قبل جمال عبد الناصر، بدأ الأخير يُظهر بصمته في سياسات مصر الخارجية؛ فانحاز إلى التيار القومي العروبي ووثّق علاقته بالاتحاد السوفييتي بشكلٍ كبير، وعزّزها بعقد صفقة الأسلحة التشيكية التي لفتت أنظار العالم إلى مصر، بعدما كسرت احتكار الغرب لتوريد الأسلحة لجيوشها ومنحت المعسكر الشرقي قدماً في الشرق الأوسط لأول مرة.

هذه السياسات الجديدة، أدت إلى تراجع حزب البعث السوري بشدة عن مواقفه السلبية من مصر، حتى إن ميشيل عفلق مؤسس الحزب وصف النظام المصري بأنه "تقدمي إصلاحي".

بعدها، توجهت أنظار البعثيين إلى عبد الناصر كونه "القائد الذي انتظرته الأمة طويلاً لتوحيدها بعد عقود من التشتت والضياع" بحسب ما رأوه. ومع حلول العام 1956 تعددت دعوات البعثيين، وعلى رأسهم عفلق، إلى ضرورة إقامة وحدة مع مصر.

الإعجاب بناصر لم يتوقف على البعثيين وحدهم، وإنما انسحب إلى جزء كبير من الجماهير العربية التي حاز بينها الزعيم المصري شعبية كبيرة، بعد إعلانه تأميم قناة السويس وفشل الغرب في انتزاعها منه رغم شنِّ "العدوان الثلاثي" على مصر.

ارتباط البعث بعبد الناصر رفع من شعبية الأول في سوريا وبات إحدى القوى السياسية الرئيسية فيها، فتزايد عدد أنصاره من 6 آلاف إلى 30 ألفاً وأقام له فروعاً بالأردن ولبنان والعراق وحقق نتائج لافتة في الانتخابات بشكلٍ مكنه من المشاركة في الحكومة التي شكلها صبري العسلي في منتصف 1956. 

ومثّل البعث في هذه الحكومة كل من صلاح البيطار، وزيراً للخارجية، وخليل الكلاس، وزيراً للاقتصاد، بعدما اشترط البعث أن يكون العمل على تحقيق الوحدة مع مصر جزءاً من برنامج الحكومة، بحسب رايموند هينبوش في كتابه "تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث".

إلى جانب البعث تصاعدت شعبية الشيوعيين، الذين اعتنقوا النهج العروبي أيضاً كجزءٍ من عقيدتهم السياسية، فلم تتآكل شعبيتهم مثل بقية القوى الكلاسيكية كالإخوان المسلمين والتيار اليميني المُنادِي بأمة سورية منعزلة عن محيطها العربي.

 على أثر تزايد قوة الشيوعيين وصل خالد بكداش إلى البرلمان السوري ليكون أول نائب شيوعي في تاريخ البلاد العربية، كما أصبح الضابط الشيوعي عفيف البزري رئيساً لأركان الجيش، بحسب حازم صاغية في كتابه "البعث السوري: تاريخ موجز".

في الوقت نفسه تزايدت الضغوط الغربية على سوريا لإجبارها على الانضمام إلى حلف بغداد المناهض لمصر، ضغوط وصلت إلى حدِّ التهديد بغزو سوريا عسكرياً مثلما فعلت تركيا سنة 1957.

لم يجد البعث وسيلة للتخلُّص من هذه الأوضاع المعقدة إلا بتنفيذ آماله القديمة بإقامة وحدة فورية مع مصر، وهو ما علّق عليه هينبوش في كتابه بالقول:"رأى البعث في الوحدة فرصة لاستخدام شعبية ناصر الكبيرة لهزيمة منافسيه من اليمين واليسار وتنصيب نفسه كقوة مهيمنة في سوريا".

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
حازم صاغية لـ"ارفع صوتك": حزب البعث كان أقوى جسورنا إلى الكارثة
صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

لاحقاً، سافر 22 ضابطاً بعثياً إلى مصر وقابلوا عبد الناصر وبذلوا جهوداً كبيرة لإقناعه بالموافقة على الوحدة الفورية بين البلدين تحت رئاسته.

رغم تخوفات ناصر من هذه الخطوة السابقة لأوانها إلا أنه استجاب لهم في نهاية المطاف، وكان حدثاً كبيراً لقي حفاوة كبيرة بين الكثير من الجمهور العربي.

 

البعث في زمن الوحدة

حتى يوافق على اتحاد مصر مع سوريا، اشترط عبد الناصر تعهّد ضباط الجيش بالابتعاد عن السياسة وحل جميع التنظيمات السياسية بما فيها حزب البعث. شرط صعب، ولكن وافق عليه قادة الحزب في ظل رغبتهم المحمومة في تنفيذ الوحدة تحت أي ثمن.

اعتقد البعثيون أن حل الحزب سيكون شكلياً وأنهم سيكونون القوة السياسية الأهم في عهد ناصر بسبب علاقتهم الوثيقة به وبسبب الدور المحوري الذي لعبوه في إقامة الجمهورية العربية المتحدة، إلا أن ما حدث هو العكس تماماً.

صحيح أن ناصر بدأ حُكمه عبر الاعتماد على عددٍ من البعثيين في مراكز قيادية متقدمة؛ فعيّن أكرم الحوراني نائباً وصلاح الدين البيطار وزيراً في الحكومة المركزية، إلى جانب اختياره أربعة بعثيين ليكونوا أعضاءً في المجلس التنفيذي لإدارة الإقليم السوري، إلا أن هذه المناصب بقيت حبراً على ورق بعدما بقي أغلبها بلا صلاحيات تُذكر.

يقول صاغية "في هذه الفترة كان ما وسّع شهية ناصر لاحتقار البعث أن كل واحدٍ من قادتهم راح يوغر صدره على رفاقه ويقنعه بأنه الأكثر ولاءً له"، فيما يضيف دندشلي "كان عبد الناصر حذراً من الأحزاب السياسية، ولا يرى الأشياء بهذا المنظار المثالي، ولم يكن لديه أدنى استعداد للتخلي عن السلطة لأي جهة مهما طبّلت له وزمرت" على حدّ تعبيره.

والأكثر خطورة من ذلك أن ناصر اعتبر أن شعبية البعث "ستكون أكبر خطرٍ على دولته الوليدة" خاصةً بعدما أظهروا تبرّماً من بعض سياساته الخارجية كتحسن علاقته بأميركا وفشله في منع إسرائيل من تحويل مجرى نهر الأردن.

هاجس ناصر الأكبر لم يكن المدنيون، وإنما الجيش السوري، لذا سعَى للسيطرة عليه. فأمر بنقل المئات من الضباط البعثيين إلى القاهرة، وتعمّد تعيين قادة مصريين لأغلب الوحدات العسكرية الرئيسة.

 يقول جلال السيد في كتابه "حزب البعث العربي": "أصيب كثير من ضباط الحزب بخيبة أمل عندما لمسوا أن زملاءهم في الجيش من ضباط الكُتل السياسية الأخرى يتمتعون بمكانة أعلى من مكانتهم لدى الرئيس جمال عبد الناصر".

"القشة التي قسمت ظهر البعير" بين الطرفين هي انتخابات الاتحاد الوطني، التنظيم السياسي الوحيد في الجمهورية العربية المتحدة. لعب أنصار ناصر دوراً كبيراً في الهجوم على البعثيين الذين لم يحصلوا إلا على 2.6% فقط من المقاعد، يقول دندشلي "خلّفت الانتخابات قطيعة كاملة مع نظام عبد الناصر الذي كافأهم بطعنة في الظهر بعدما بذلوا من أجله كل غالٍ ونفيس".

وعن ذلك يكتب حازم صاغية "أحسّ البعثيون، مدنيين وعسكريين، أنهم باتوا في الزمن الوحدوي الذي ناضلوا لأجل قدومه، بلا قيمة، وأن حزبهم المنحل بات أكبر ضحايا الوحدة".

في نهاية عام 1959، استقال الحوراني والبيطار وجميع الوزراء البعثيين في المجلس الإقليمي، فشنَّ عبد الناصر هجوماً عنيفاً عليهم في أحد خطاباته واصفاً إياهم بأنهم "أقلية وُصولية انتهازية".

علاقة شائكة بين الرجلين
صراع طاغيتين.. كيف بدأ وكيف انتهى؟
"كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز"، بهذه العبارة لخّص عبدالسلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

ومع بداية 1960 عقد البعث مؤتمراً سرياً في بيروت انتهى بطرد جميع المتعاطفين مع عبدالناصر داخل الحزب، وعلى رأسهم فؤاد الركابي قائد فرع حزب البعث في العراق والذي نفّذ محاولة فاشلة لاغتيال عبدالكريم قاسم زعيم العراق آنذاك، وقيل إن الركابي تلقى دعماً من عبدالمجيد فريد الملحق العسكري المصري في بغداد وقتها، بحسب دندشلي.

بعد خسارته تأييد البعث، فقدَ الزعيم المصري قاعدة جماهيرية متماسكة كان يمكنها تعطيل مشاعر العداء المتزايدة ضد سياساته القمعية في سوريا. وأفسح غياب الضباط البعثيين عن سوريا المجال لمجموعة أخرى من الضباط للسيطرة على الجيش وتدبير انقلاب الانفصال في العام 1961، بحسب هينبوش.

حينما قاد عبد الكريم النحلاوي الانفصال، لم يكن البعث من المشاركين فيه لكنه لم يمنع قيامه، ورحّب الحوراني والبيطار به فور وقوعه، بينما تحفظ عفلق على هذه القطيعة.

 

ما بعد الانفصال: كراهية مستمرة

اعتبر عبد الناصر أن حزب البعث هو المسؤول الأول عن فشل الوحدة وهو ما لم يغفره له أبداً. يقول دندشلي "عبد الناصر وصل في كرهه لحزب البعث وحقده عليه ما يتجاوز كل مقياس".

على الجانب الآخر، أحدث فشل دولة الوحدة شقاقاً كبيراً بين قادة البعث بعدما عارض عفلق الانفصال ورحّب به الحوراني والبيطار، أما أكبر النتائج التي ألمّت بالبعث بسبب هذه الأحداث، ظهور قوة صغيرة من الضباط الشباب الذين نفاهم ناصر إلى مصر، هناك اجتمعوا كثيراً واتفقوا على أن قيادة البعث التاريخية الحالية لم تعد تصلح لقيادتهم، فشكلوا تنظيماً مصغراً عُرف بِاسم "اللجنة العسكرية" بقيادة الضباط محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد.

عام 1963، وصل حزب البعث العراقي إلى السُلطة، بعدما شارك في انقلابٍ عسكري أطاح بعبد الكريم قاسم وعيّن عبد السلام عارف رئيساً بدلاً منه، فيما أسندت رئاسة الحكومة إلى القيادي البعثي أحمد حسن البكر.

بعد شهرٍ واحد من الانقلاب العراقي، لحق بهم ضباط "اللجنة العسكرية" فقضوا على "النظام الانفصالي" دون أن يشركوا عفلق في مخططاتهم إلا في اللحظات الأخيرة.

وعقب ستة أيامٍ من الانقلاب السوري، خاضت مصر وسوريا والعراق مباحثات شاقة لتشكيل دولة اتحادية، ليوقع قادة الدول الثلاثة في أبريل 1963 اتفاقاً لتأسيس دولة عربية كونفدرالية جديدة.

فرحت الكثير من الجماهير العربية بهذا القرار وتظاهرت في الشوارع دعماً له لكن لم يُكتب له التنفيذ أبداً.

مرت ثلاثة أشهر على توقيع الاتفاقية، ليقود بعدها الضابط السوري الناصري جاسم علوان محاولة لإسقاط النظام في سوريا، فشل فيها، وتم اعتقاله.

استغلت سلطة دمشق هذه الواقعة للتخلص من جميع الضباط الناصريين في الجيش، الأمر الذي أغضب الزعيم المصري، معتبراً أنه موجّه ضده شخصياً، فأعلن إلغاء اتفاق الوحدة الثلاثي.

في نوفمبر من العام نفسه، أقصى عبد السلام عارف البعثيين عن السُلطة وانفرد بالحكم، ما اعتبره البعثيون "نقطة سوداء" في تاريخ العراق وأطلقوا عليها "الردة التشرينية" وكانوا على يقين من تورط عبد الناصر بها.

علاقة شائكة بين الرجلين
صراع طاغيتين.. كيف بدأ وكيف انتهى؟
"كان من الصعب قيام علاقة بينهما حتى ولو كانا في النهاية من عقلية الاستبداد نفسها، الحقيقة أن تصرف كل منهما مقزز"، بهذه العبارة لخّص عبدالسلام جلود رئيس الوزراء الليبي الأسبق، شكل العلاقة المعقدة التي جمعت بين صدام حسين رئيس العراق الأسبق ونظيره الليبي معمر القذافي.

بعدها وقع الشقاق التاريخي بين البعثيين سنة 1966 إثر احتدام الخلافات بين عفلق وضباط "اللجنة العسكرية"، فأقالوه من قيادة الحزب، ليهرب إلى العراق الذي احتضنه ونصّبه رئيساً للفرع العراقي من الحزب.

اختلف بعثيو سوريا والعراق في كل شيء إلا عداوتهم لعبد الناصر، بحسب محمد حافظ إسماعيل في كتابه "أمن  مصر القومي في عصر التحديات". يقول اسماعيل إن ناصر لم يكن يثق بحافظ الأسد أبداً لذا ما إن أٌعلن تعيينه وزيراً للدفاع حتى أمر بسحب الضباط المصريين من القواعد السورية وتجميد التعاون العسكري مع دمشق.

وفي 1968 عاد البعث إلى السُلطة في العراق عبر انقلاب قاده أحمد حسن البكر وصدام حسين، وهي خطوة لم تقابلها القاهرة بحماس كبير، وسادت الريبة علاقة البلدين منذ اللحظة الأولى. 

يحكي جواد هاشم في كتابه "مذكرات وزير عراقي"، أن البكر قال له عن ناصر إنه "رجل كذاب ولا يهدأ له بال إلا بالتآمر"، وأمر البكر بإخضاع السفارة المصرية لرقابة محكمة.

وفي القاهرة كان الشعور متبادلاً. بحسب ما ذكره إسماعيل في كتابه فإن ناصر قضى عامه الأخير في الحُكم يسيطر عليه القلق من أي أنشطة للبعث في مصر حتى أنه أمر المخابرات المصرية بفرض رقابة لصيقة على الدبلوماسيين العراقيين وأي وفود رسمية قادمة من العراق، فضلاً عن ذلك أمرت القاهرة بإغلاق بيت الطلبة العراقيين.

وفي سبتمبر 1970 تُوفي عبد الناصر فرفض البكر الذهاب إلى السفارة المصرية للتعزية. يقول جواد هاشم إن البكر لم يذهب إلا في اليوم التالي استجابةً لضغط مساعديه عليه.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.