لم تسمح إسرائيل للصحفيين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى منشآت سدي تيمان
لم تسمح إسرائيل للصحفيين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى منشآت سدي تيمان

قالت وكالة "أسوشيتد برس"، السبت، إن اتهامات بالمعاملة اللاإنسانية تتزايد ضد المستشفى الإسرائيلي الوحيد المخصص لعلاج الفلسطينيين المحتجزين لدى الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.

ونقلت الوكالة عن ثلاثة أشخاص عملوا في المستشفى القول إن المرضى يرقدون هناك مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، فيما يتم إجراء العمليات الجراحية بدون مسكنات ألم كافية، وهي روايات أكدها أيضا عاملون في مجال حقوق الإنسان. 

وبينما تقول إسرائيل إنها تحتجز فقط النشطاء الفلسطينيين المشتبه بهم، تقول الوكالة إنه تبين أن العديد من المرضى هم من غير المسلحين الذين تم أسرهم خلال المداهمات، واحتجازهم دون محاكمة، ثم جرت إعادتهم في نهاية المطاف إلى غزة.

وتشير الوكالة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تتعرض لضغوط متزايدة لإغلاق المستشفى الميداني العسكري في قاعدة سدي تيمان.

وتقول جماعات حقوق الإنسان ومنتقدون آخرون إن "ما بدأ كمكان مؤقت لاحتجاز وعلاج المتشددين بعد السابع من أكتوبر تحول إلى مركز احتجاز قاس لا يخضع إلا لقليل من المساءلة".

الحكومة الإسرائيلية تتعرض لضغوط متزايدة لإغلاق المستشفى الميداني العسكري في قاعدة سدي تيمان

وينفي الجيش الإسرائيلي مزاعم المعاملة غير الإنسانية ويقول إن جميع المعتقلين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية يتلقونها.

يقع المستشفى بالقرب من مدينة بئر السبع جنوبي إسرائيل، وجرى افتتاحه بجوار مركز احتجاز في قاعدة عسكرية بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، لأن بعض المستشفيات المدنية رفضت علاج المسلحين المصابين. 

ومن بين العمال الثلاثة الذين أجرت وكالة أسوشيتد برس مقابلات معهم، تحدث اثنان بشرط عدم الكشف عن هويتهما لأنهما يخشيان انتقام الحكومة والسخط الشعبي.

يقول الدكتور يوئيل دونشين، طبيب التخدير الذي عمل في مستشفى سدي تيمان منذ أيامه الأولى وما زال يعمل هناك: "لقد أداننا اليساريون لأننا لا نفي بالقضايا الأخلاقية، وكذلك نحن مدانون من قبل اليمينيين لأنهم يعتقدون أننا مجرمون لأننا نعالج الإرهابيين".

وقال الجيش هذا الأسبوع إنه شكل لجنة للتحقيق في ظروف مركز الاحتجاز، لكن لم يكن من الواضح ما إذا كانت اللجنة تشمل المستشفى، بحسب الوكالة. 

ومن المقرر أن تستمع أعلى محكمة في إسرائيل الأسبوع المقبل إلى حجج جماعات حقوق الإنسان التي تسعى إلى إغلاق المستشفى الميداني.

ولم تسمح إسرائيل للصحفيين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى منشآت سدي تيمان.

واعتقلت إسرائيل حوالي 4000 فلسطيني منذ 7 أكتوبر، وفقا للأرقام الرسمية، على الرغم من إطلاق سراح حوالي 1500 بعد أن قرر الجيش أنهم لا ينتمون إلى حماس. 

وتقول جماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية إن غالبية المعتقلين مروا في مرحلة ما عبر سدي تيمان، أكبر مركز اعتقال في البلاد.

وبحسب الوكالة فإن العديد من الأطباء هناك يقولون إنهم عالجوا العديد ممن بدا أنهم غير مسلحين.

وروى جندي كان يعمل في المستشفى كيف أن رجلا مسنا خضع لعملية جراحية في ساقه دون تناول مسكنات الألم. وقال الجندي: "كان يصرخ ويرتجف".

وأضاف الجندي أن المرضى تم إيواؤهم في مركز الاحتجاز، حيث تعرضوا لظروف مزرية وكثيرا ما أصيبت جروحهم بالالتهابات. 

وأشار إلى وجود منطقة منفصلة ينام فيها كبار السن على مراتب رقيقة تحت الأضواء الكاشفة، فيما الروائح الكريهة تنتشر في المكان.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن جميع المعتقلين "يشتبه بشكل معقول في تورطهم في نشاط إرهابي"، مضيفا أنهم يتلقون فحوصات عند وصولهم ويتم نقلهم إلى المستشفى عندما يحتاجون إلى العلاج.

وذكر طبيب التخدير دونشين، الذي دافع إلى حد كبير عن المنشأة ضد مزاعم سوء المعاملة لكنه انتقد بعض ممارساتها، أن معظم المرضى يرتدون الحفاضات ولا يُسمح لهم باستخدام الحمام، ومقيدون حول أذرعهم وأرجلهم ومعصوبي الأعين، "أعينهم مغطاة طوال الوقت.. لا أعرف ما هو السبب الأمني في ذلك".

شكك الجيش في الروايات المقدمة إلى وكالة أسوشييتد برس، قائلا إن المرضى تم تقييد أيديهم "في الحالات التي تتطلب فيها المخاطر الأمنية ذلك" ويجري فك قيودهم عندما يتسبب ذلك في إصابتهم. وقال أيضا إن المرضى نادرا ما يرتدون الحفاضات.

وشكك الدكتور مايكل باريلان، الأستاذ في كلية الطب بجامعة تل أبيب، الذي قال إنه تحدث مع أكثر من 15 من العاملين في المستشفى، في روايات الإهمال الطبي. 

وقال إن الأطباء يبذلون قصارى جهدهم في ظل ظروف صعبة، وأن عصب العينين جاء بسبب "الخوف من انتقام المرضى ممن يعتنون بهم".

ووفقا للوكالة فقد اشتبك حوالي 100 إسرائيلي مع الشرطة خارج أحد المستشفيات الرئيسية في البلاد بعد أيام من هجوم السابع من أكتوبر بعد تداول شائعات كاذبة مفادها أن أحد المسلحين الفلسطينيين يعالج في المستشفى.

وفي أعقاب ذلك، رفضت بعض المستشفيات علاج المحتجزين، خشية أن يؤدي ذلك إلى تعريض الموظفين للخطر. 

وقال الجيش الإسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس إن 36 شخصا من غزة لقوا حتفهم في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر، بعضهم بسبب أمراض أو جروح أصيبوا بها أثناء الحرب. 

لكن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان زعمت أن البعض ماتوا بسبب الإهمال الطبي.

وأمضى خالد حمودة، وهو جراح من غزة، 22 يوما في أحد مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، ولا يعرف إلى أين تم نقله لأنه كان معصوب العينين أثناء نقله. 

لكنه قال إنه تعرف على صورة سدي تيمان وقال إنه رأى معتقلا واحدا على الأقل، وهو طبيب بارز في غزة يعتقد أنه كان هناك.

ويتذكر حمودة سؤاله لأحد الجنود عما إذا كان من الممكن نقل شاب شاحب يبلغ من العمر 18 عاما ويبدو أنه يعاني من نزيف داخلي إلى الطبيب. 

أخذ الجندي الفتى بعيدًا، وأعطاه سوائل عن طريق الوريد لعدة ساعات ثم أعاده.

قال حمودة: "قلت لهم: يمكن أن يموت، لكنهم ردوا أن هذا هو أقصى ما يمكن فعله".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.