تحتفل أكثر من ستين دولة حول العالم باليوم العالمي للرجل في التاسع عشر من نوفمبر من كل عام، وهو اليوم الذي جرى تخصيصه لدعم وتمكين الرجال في شتى المجالات.
تأسس اليوم العالمي للرجل، بحسب داليا أحمد عبد الكريم مصطفى في كتابها "سوسيولوجيا الرجولة"، في العام 1991 كمشروع أطلقه في البدء توماس أوستر، وهو أحد دعاة حقوق الرجال ورئيس مركز دراسات الرجال في جامعة ميزوري الأميركية. وأسماه حينذاك بـ"يوم عطلة الرجال"، تقديراً لمساهمات الرجال في المجتمع.
وفي العام 1999، أعاد جيروم تيلوكسينغ، وهو أستاذ التاريخ في جامعة جزر الهند الغربية في ترينيداد، صياغة المفهوم ليتم اعتماد هذا اليوم كمناسبة رسمية لتسليط الضوء على قضايا الرجال، و"إعادة الأمل لمن يعانون منهم من الكرب المصاحب للدور الرجولي، وكسر حاجز الصمت والقضاء على التمييز والقوالب النمطية"، بحسب مصطفى.
واختار تيلوكسينغ عيد ميلاد والده، المصادف في التاسع عشر من نوفمبر ليكون اليوم العالمي للرجل، وجرى بالفعل الاحتفال بذلك اليوم فى السنوات التالية من جانب المزيد من دول العالم، ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وإيطاليا والصين وألمانيا وبريطانيا ومصر والسعودية والإمارات، والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان والعراق وغيرها..
وتقام في هذا اليوم فعاليات وأنشطة متنوعة على الصعيد العالمي تسلط الضوء على نماذج يحتذى بها من الرجال لإبراز مساهماتهم الإيجابية للعالم والبيئة ولمجتمعاتهم وأسرهم، مع التركيز، بحسب مصطفى، "على أهمية تحقيق المساواة وتحسين العلاقات بين الجنسين، والتوعية بالقضايا الخطيرة التي تؤثر على الرجال والفتيان، مثل المشاكل الوظيفية والأزمات الصحية وضعف الأداء الدراسي"، بالإضافة إلى "التمييز ضد الرجال والوصم المرتبط بالتوقعات الموروثة عن الفحولة والقوة والشرف وأزمة الرجولة السامة" على حدّ تعبير الباحثة.
ومنذ بدايته، تؤكد مصطفى، أسهم هذا اليوم "في تغيير حياة العديد من الناس حول العالم من خلال إتاحة مساحة حرّة للرجال لمناقشة قضاياهم وأزماتهم".
وبجانب الأهداف الأساسية للاحتفال بهذا اليوم، عادة ما يقترح المنسقون العالميون موضوعاً ثانوياً اختيارياً لهذا اليوم من كل عام، مثل "السلام"، و"صحة الرجال والفتيان"، و"الوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً"، و"الحد من حالات الانتحار".
وخلصت دراسة لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، تحت عنوان "مفهوم الرجولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، إلى أن "الأمل يكمن في تثقيف الرجال والنساء للتصدي للممارسات والقوالب الثقافية النمطية السلبية".
وقدمت الدراسة توصيات لاجتياز أزمات الرجولة وما يقترن بها من ممارسات ومفاهيم خاطئة، منها "ترسيخ أنماط التفكير والسلوك المنصف في الأسرة من خلال القدوة الحسنة، وتربية الأبناء على المساواة بين الجنسين، ومقاومة تسرب الفتيات من التعليم، ودعم خيار الفتيات في اختيار زوج المستقبل أو العمل في مهن غير تقليدية".
وأشارت الدراسة إلى أهمية "كسر حلقات العنف في العائلة والمدرسة والمجتمع، عبر تثقيف المعلمين حول التأديب من دون تعنيف، واستحداث سياسات لمساءلة ممارسي العنف ضد الأطفال وإطلاق حملات لتوعية الطلاب في مراحل عمرية مبكرة إلى ضرورة تقاسم الأدوار والعمل المنزلي"، كما دعت أيضا "تغيير السلوكيات غير المنصفة المرتبطة بالرجولة، عبر مناشدة وإشراك مؤسسات التنشئة والمؤثرين، كالسياسيين ورجال الدين وقادة المجتمعات المحلية في التصدي للعنف القائم على نوع الجنسي".
وقد ترتّب عن تطور الحركات النسوية والدراسات النسائية والجندرية، خاصة في الأوساط الأنجلوسكسونية الغربية، "نشأة الدراسات الذكورية والدراسات الرجولية منذ السبعينات، وانصبت عناية المتخصصين في هذا الحقل المعرفي على تفكيك بنية الذكورة وبيان تعدّد أشكالها وأنماطها والتأكيد على أن مسارات تشكل الذكورة متنوعة وتختلف من ثقافة إلى أخرى"، كما تلاحظ آمال قرامي في الكتاب الذي أعدّته تحت عنوان "أنماط الرجولة" بمشاركة مجموعة من الكتّاب والباحثين.
في الكتاب، يقول الباحث خالد عبداوي إن الرجولة "لم تعد مسلّمة ومعطى طبيعياً وحتمية بيولوجية، بل هي مسار". ويتابع أن "الرجال أنفسهم قد يكونون ضحايا للنظام الأبوي، وقد يتساوى بعض الرجال مع النساء المقهورات ويعاني بعضهم من التمييز والقهر السياسي وغيرها من العوائق التي تحول دون الالتحاق بالذكورة المهيمنة".
ويؤكد عبداوي أن "الهيمنة الذكورية لا تقتصر على الهيمنة على النساء فحسب، وإنما تتعداها إلى الهيمنة ضمن الجندر الواحد، مثل الهيمنة على المثليين الذي يقبعون في أسفل التسلسل الهرمي وقد يقصى بعض الرجال والأطفال العابرين جنسياً من دائرة الشرعة البطريكية".
ويضيف الباحث: "إذا نظرنا إلى الذكورة المتواطئة، نجد أنها تنشأ من خلال حرص أغلب الرجال على الإفادة من الهيمنة التي يحتكرها عدد قليل من الرجال الذين يجنون منافع بطريركية ولهم علاقة بالمشروع الهيمني".
وتلاحظ مي غصوب في كتابها المشترك مع إيما سنكليرويب، "الذكورة المتخيلة- الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط الحديث"، أن "الرجل كان حاضراً حضوراً ضمنياً في غالبية الدراسات التي تتناول وضع المرأة في الحركة الإسلاموية والحركات السياسية الأخرى"، وأنه "نادراً ما كان موضوعاً مباشراً للدرس في هذه الأبحاث"، ولهذا خصصت الكتاب الذي جمع أبحاثاً ونصوصاً عن الرجولة والذكورية والرجال، نشر باللغتين الإنجليزية والعربية.
وتقول جولي بيتيت، التي شاركت في كتاب غصوب، "إن الرجولة العربية تكتسب ويجري التحقق منها وتمارس في الفعل الشجاع وفي المجازفة، كما في تعبيرات من الجسارة والإباء. وهي تتحقق بيقظة واستعداد دائمين للدفاع عن الشرف وذوي القربى والأهل ضد العدوان الخارجي وصون الموضوعات الثقافية للياقة المحددة جنسياً وحمايتها". وأن الرجولة مرتبطة بـ"مجموعة فضفاضة من الطقوس التي تؤشر إلى معالم الطريق إليها (الرجولة)"، ويجب على هذه الرجولة النمطية العربية، بحسب بيتيت، أن "تقترن بأفعال أدائية لإقناع المجتمع ونيل استحسانه".
ومن التنميط الذي يطال الرجل ودوره في المجتمع الذكوري أن "عليه أن يخاطر بحياته وأن يقتل في الحروب أو أن يموت فيها، وعليه أن يهيمن وأن يُخضع وأن يكون ذا نفوذ وصاحب سلطة القرار، وعليه أن يثبت بـ"الملموس" فحولته حتى في أكثر لحظاته حميمية"، بحسب أستاذة علم النفس الاجتماعي عزة شرارة بيضون في كتابها "الجندر... ماذا تقولين؟/ الشائع والواقع في أحوال النساء".
لذا، تتابع بيضون: "وجب على الرجل مواجهة هزائمه الخاصة والعام في حال فشله في كونه كل هذا، أو بعضه". ومن هنا، "كل ما كان ينبغي أن يكون امتيازاً، يصير مدعاة للقهر". وهذا القهر هو ما يؤسس ، برأي بعض علماء النفس، العنف والتدمير السائدين في المجتمعات الإنسانية، بحسب بيضون.
