يؤشر خبراء اقتصاديون إلى وقوع الاقتصاد العراقي في قبضة عمليات غسيل أموال واسعة، يشارك فيها مسؤولون كبار لهم أذرع متنفذة ساهمت بتهريب العملة الأجنبية عبر مزاد البنك المركزي لسنوات، وقادت إلى ارتفاع جنوني بأسعار العقارات كونه قطاع جاذب لعمليات غسيل الأموال بسبب ضعف الرقابة في العراق.
يأتي هذا في ظل محاولات عراقية حثيثة لطمأنة العالم فيما يتعلق بموقفه من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد خروجه مؤخراً من قائمة الدول الخاضعة لعملية الرصد والمتابعة من قبل مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) إثر تقديمه ضمانات بمتابعة نشاطات الأسواق العراقية وخصوصاً العقارية منها.
ويشهد العراق عمليات افلات واسعة من تهم التورط بنشاطات مالية مشبوهة عبر سلسلة عمليات غسيل أموال معقدة تتعلق ببيع وشراء العقارات، بالاستفادة من ثغرات في القوانين العراقية تعيق التحقيق في قضايا التضخم المالي للأفراد "العاديين". ساهمت هذه النشاطات في خلق فجوة تضخمية بأسعار العقارات لتصل إلى أرقام غير طبيعية كما جاء في تقرير لمجلس القضاء الأعلى.
ويقول الباحث في الشأن المالي والاقتصادي ضياء المحسن لـ" ارفع صوتك "أن موضوع غسيل الأموال في العراق قضية متشعبة، كونه عملية لاحقة للحصول على الأموال من مصادر مالية مشبوهة كتجارة المخدرات والإتجار بالبشر والابتزاز والفساد المالي والإداري ".
ملاذات غسيل الأموال
مقابل تلك الأموال الناتجة عن النشاطات المالية المشبوهة، هناك، بحسب المحسن، "طرقاً لتهريب وغسل تلك الأموال لتبدو وكأنها أموال نظيفة يمكن أن تدخل ضمن النشاطات المصرفية والتجارية العادية ".
ويضيف الباحث العراقي أن أكثر طرق غسيل الأموال شيوعاً "تتعلق ببناء المولات التجارية واستيراد سلع وبضائع ليس لها جدوى اقتصادية، ثم بيعها بأقل من أسعار الشراء ليقال إن هذه الشخصية أو تلك حصلت على أموالها من نشاطات تجارية غير مشبوهة".
أما النشاط الأخطر لعمليات غسيل الأموال في العراق اليوم بحسب الخبير "فهو شراء الأراضي والبيوت في بغداد بشكل خاص والمحافظات بشكل عام حتى وصلت إلى أسعار خيالية ليتجاوز سعر بيع المتر الواحد بمنطقة المنصور في قلب العاصمة مبلغ 17 ألف دولار". وهو رقم "مرتفع جداً إذا اسقطناه على عقارات في مناطق مختلفة في العالم لها بنية تحتية وخدمات أفضل".
كلام المحسن يؤيده تقرير أصدره مجلس مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب التابع للبنك المركزي العراقي خلال العام الحالي، اعتبر أن قطاع العقارات هو الأعلى خطورة في العراق، لما لهذا القطاع من مميزات جاذبة لغسيل الأموال.
وعمليات غسيل الأموال هذه، تنعكس بدورها على "المواطن البسيط"، كما يقول المحسن، وتهدّد نمط حياته، "لأنه أصبح لا يجد أمامه فرصة لشراء عقار بسبب الغلاء الكبير في الأسعار".
ثغرة قانونية
شكّل قطاع العقارات ملاذاً آمناً في قضايا فساد مالي وإداري عديدة شغلت الرأي العام خلال العام الماضي أهمها وأكبرها قضية "سرقة القرن" التي تورط فيها مسؤولون كبار لم تتم محاسبتهم حتى الآن.
جرى، خلال "سرقة القرن"، الاستيلاء على ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار بين سبتمبر 2021، وأغسطس 2022 عبر 247 صكاً تم صرفها من قبل خمس شركات، ثم سحبت هذه الأموال نقداً من حساباتها.
ولمحو أثر السرقة جرى غسل تلك الأموال عبر شراء 55 عقاراً في العاصمة بغداد وحدها، إضافة إلى شراء أسهم في أحد المراكز التجارية بالعاصمة وبقيمة تجاوزت 375 مليار دينار عراقي (256 مليون دولار أميركي).
حالات غسيل الأموال عبر شراء العقارات تحدث عنها القاضي سعدون ضمد في تقرير لمجلس القضاء الأعلى أشار فيه إلى وجود "ثغرة في المنظومة القانونية العراقية تحول دون أن يتمكن القانون من محاسبة الأفراد على تضخم الثروات المالية والعقارية".
ويتابع ضمد أن "العراق لديه قانون الكسب غير المشروع الذي يعمل على مسائلة كبار الموظفين عن مصادرهم المالية". كما أن هناك "قانون مكافحة غسل الأموال وبموجبه يتم مسائلة أي شخص ارتكب جريمة عن كيفية صرفه لتلك الأموال". لكن بحسب القاضي فإن "الشخص إذا لم يكن موظفاً فلا يمكن قانوناً محاسبته عن تضخم ثروته".
كما يفتقد العراق إلى "البنية التحتية لتعقب بيع وشراء العقارات، التي ما زالت تتم وفق أنظمة تقليدية قديمة تعمل حتى الآن وفق آليات العمل الورقي". وبالنتيجة "لا توجد آليات للإبلاغ عن تضخم الأملاك العقارية لأي شخص أو أفراد عائلته".
أذرع قوية
يقول عضو اللجنة المالية البرلمانية جمال أحمد سيدو لـ"ارفع صوتك" إن موضوع غسيل الأموال في العراق "لم يأخذ الحيز الذي يستحقه من خلال المؤسسات المعنية، لأن مشكلة غسيل الأموال مشكلة كبيرة جداً في الدولة العراقية".
وبالإضافة إلى ما سبق رصده من طرق غسيل الأموال يتحدث سيدو عن أخرى رصدتها لجنته "عن طريق العقود التي يتم أخذها من الحكومة، وعبر بعض المنظمات وخصوصاً التي يتعلق عملها بالمجتمع المدني وشركات المقاولات".
وبحسب سيدو فإن "عمليات التهريب وغسيل الأموال تقوم بها طبقة متنفذة داخل الحكومة، لها أذرع قوية ونفوذ يحميها عبر لوبي متداخل في الأجهزة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية". معتبراً أن الأمر "يشكل أكبر معضلة يواجهها العراق، فالقوة التي يمتلكها هذا اللوبي تحول دون معالجة هذه الظاهرة".
مجلس القضاء الأعلى بدوره أكد على وجود معوقات تؤثر على التحقيقات التي تجريها المحاكم في قضايا الفساد الإداري والمالي. أبرزها عدم تعاون الجهات الحكومية لتزويد المحاكم بالأوليات لإدانة مرتكبي جرائم الفساد الإداري والمالي، والادعاء بعدم وجود أضرار نتيجة تلك الجرائم المرتكبة.
كما لاحظ التقرير وجود موظفين أطلق عليهم اسم "الانتحاريين" لأنهم مستعدون لتنفيذ كل ما يطلب منهم من أجل حماية المسؤول ويتحملون المسؤولية كاملة.
"مزاد العملة"
يعتبر الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في حديث لـ"ارفع صوتك" أن "مزاد العملة والاستيرادات التي تهيئ الأرضية لعملية تهريب الدولار واحدة من طرق غسيل الأموال في العراق".
يضيف المرسومي: "حتى تبدأ عملية التهريب من جهة معينة إلى الخارج ينبغي أن يكون لديها أموالاً بالدينار، وفي العراق الفساد هو مصدر الأموال الذي لا ينضب".
ويشير المرسومي إلى "إمكانية تكوين كتلة هائلة من الدينار العراقي من خلال العقود الوهمية ومن العمولات عن العقود الحكومية والرشاوي ومن رواتب الموظفين الفضائيين ومن التجارة غير الرسمية سواء للسلع الممنوعة أو غير الممنوعة".
ويجري تبييض تلك الأموال "من خلال تعاملات الأسواق المالية ومزاد العملة وتحويلها إلى الجهات المستفيدة، عبر مؤسسات مالية ومصارف ومكاتب للصيرفة ترتبط بالشبكة المالية للدول الأخرى".
"كما أن نسبة كبير مما يستورده العراق لسنوات طويلة كان وهمياً"، يستدرك المرسومي، مبيناً أن الأرقام المتضاربة بين واردات العراق وحجم مبيعات البنك المركزي بمزاد العملة من الدولار تبين ذلك، "فقد أوضحت وزارة التخطيط في تقريرها السنوي عام 2019 أن الاستيرادات الكلية للعراق بلغت 20.9 مليار دولار، وهي أقل من نصف الاعتمادات المستندية لتغطية قيمة الاستيرادات التي بلغت 44 مليار دولار".
هذه الفروقات في الأرقام والمبالغ كما يشير المرسومي "جزء لا يستهان به منها يمثل غسيلاً للأموال".
وكان مجلس القضاء الأعلى أعلن في فبراير 2021 عن نتائج تحقيق يتعلق بمزاد بيع العملة توصل إلى الكشف عن عمليات غير قانونية وتحايل وتزوير للاشتراك في مزاد بيع العملة.
وكشف عن اتخاذ محكمة تحقيق الرصافة "إجراءات قانونية بحق ثلاثة عشر مصرفاً أهلياً بتهم المشاركة في مزاد العملة من خلال زبائنها دون تقديم تصاريح جمركية تؤيد دخول البضائع ودون محاسبتهم ضريبياً". وأن تلك الأموال صرفت بهدف "أن تدخل البلد بضائع لقاءها لكنها حولت مبالغ للخارج دون تلقي أية بضائع".
وربما تأتي عمليات غسيل الأموال فيه كأحد أوجه الفساد، بالإضافة إلى التهريب والاختلاس والابتزاز و
"من أين لك هذا؟"
الحسن يرى أن الحل لمعالجة الفساد المالي والإداري وغسيل الأموال في العراق "يكمن في قيام الحكومة بمعاضدة السلطة التشريعية لسن قانون من أين لك هذا". مشدداً على أهمية "أن لا يكون هناك اعتبار لموقع الشخص الوظيفي. وعدم البقاء ضمن حلقة مفرغة لكشف الذمة المالية لكبار المسؤولين والمديرين العامين في دوائر الدولة فحسب". معتبراً أنها "مجرد عملية لذر الرماد في العيون".
موضحاً أن: "أي مسؤول حكومي سواء أكان مدنياً أو عسكرياً حين يتسلّم منصبه فإنه يقوم بكشف للذمة المالية الخاصة به، ولا يتم الأخذ بعين الاعتبار الأموال التي يقوم بوهبها أو الأموال التي تتضخم لدى أفراد أسرته حتى الدرجة الرابعة والتي غالباً تكون مكتسبة بطريقة شرعية".
ويشير الحسن إلى وجود "أشخاص تضخمت ثرواتهم بشكل غير طبيعي خلال سنتين أو ثلاث فقط، مع ذلك لا يتم مساءلة أي منهم عن مصدر أمواله على الإطلاق".
ويعتبر الخبير أن إقرار القانون "يجب أن يمضي جنباً إلى جنب مع تفعيل هيئة الادعاء العام لأنه حالياً غير مفعل بشكل حقيقي رغم أنه المسؤول عن الحفاظ على المال العام العراقي".
وعليه، يتابع الحسن، فإننا بحاجة إلى "منح الادعاء العام السلطة التنفيذية وموقف قوي من الحكومة إلى جانبه واسناده، لمحاسبة مسؤولين كبار تحميهم مليشيات وكتل سياسية. وفي هذه الحالة فقط سنجد فرصة للحد من عمليات غسيل الأموال التي تجري على قدم وساق في العراق".
