عراقيون يقطعون اللحم استعدادا لطبخه/وكالة الصحافة الفرنسية
كل فرد عراقي يهدر ما يعادل 120 كيلوغراماً من الطعام سنوياً- تعبيرية

يهدر العراق بحسب تقارير أممية خمسة ملايين طن من الطعام سنوياً، وهو سلوك مرتبط بالتقاليد والأعراف الاجتماعية العراقية التي تقع تحت بند الكرم في سلوك اجتماعي يومي يزداد خلال الأعياد والمناسبات.

وبحسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فقد جاء العراق في المرتبة الثانية في هدر الطعام بعد البحرين في منطقة آسيا الوسطى، حيث يهدر الفرد العراقي من الطعام سنوياً ما يبلغ 120 كيلوغراماً، في حين يبلغ الهدر العام سنوياً في بلاد الرافدين، نحو 5 ملايين طن من الطعام.

وبحسب بيان لوزارة البيئة العراقية فإن "العاصمة بغداد تنتج يومياً قرابة 8-10 آلاف طن من المخلفات، أكثر من 40 % منها عضوية وتتمثل في بقايا الطعام، كون العائلات العراقية تمتاز بالطبخ الكثير وهذا له علاقة بالأمن الغذائي".

هذا الهدر في الطعام دفع مؤسسات حكومية وأممية ومنظمات مجتمع مدني إلى مناشدة العراق للاستفادة من ذلك الكم الهائل من الطعام الفائض ومعالجته، عبر مشاريع استثمارية لتقليل نسب الفقر وسن قانون لمكافحة هدر الطعام.

كرم الضيافة

يشير عبد الزهرة الهنداوي المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية في حديثه لـ"ارفع صوتك" إلى أن "الإسراف في تقديم الطعام من سلوكيات المجتمع العراقي المرتبطة بالضيافة التي تعتبر قيمة اجتماعية يحرص عليها الفرد العراقي تحت مسمى الكرم". والهدر كممارسة، "تكاد تكون سلوكاً يومياً في وجباتنا الغذائية، كما أنها تتجلّى بشكل أوضح خلال المناسبات". هذه الحالة " تسبب هدراً سنوياً كبيراً بكميات كبيرة من الطعام يمكن أن توجه ويتم الاستفادة منها في جوانب حياتية أخرى بعضها يتعلق بمحاربة الفقر والبعض الآخر يتعلق بوجود أزمة غذاء تضرب العالم "، يتابع الهنداوي.

ولا تتوفر إحصاءات دقيقة لتحديد حجم الهدر في الغذاء على مستوى العراق بحسب الهنداوي، "إلا أن الدلائل والتقديرات تشير إلى أن أكثر من ثلث الكمية التي يستخدمها العراقيون تذهب هدرا".

على هذا الأساس، يكمل الهنداوي، "جاءت دراسة أعدتها وزارة التخطيط تتعلق بضبط استهلاك الطعام وتحديد الكميات المستهلكة منه بحسب الحاجة اليومية من السعرات الحرارية، لتحديد لحاجة الحقيقة للفرد بحسب النوع الاجتماعي ونسب الطاقة التي يتم تحقيقها من خلال استهلاك الغذاء".

وفي رده على سؤال يتعلق بإمكانية إقرار قانون لمكافحة الهدر في الطعام يوضح الهنداوي أن توجّه وزارة التخطيط في الوقت الحالي "ينصبّ على خلق بيئة تتعامل بشكل إيجابي مع عملية استهلاك الطعام واستثمار الفائض منه ".

أما عملية تشريع القانون، "فهي مهمة جداً ولكنها تحتاج إلى توطئة ونشر ثقافة اجتماعية لتهيئة قاعدة جماهيرية تتقبل مثل هذا النوع من القوانين".

في انتظار تهيئة هذه القاعدة، تعمل الوزارة، كما يشرح الهنداوي، على "التوعية بأهمية تقنين الاستهلاك عبر إشراك جميع فعاليات المجتمع سواء الدينية منها أو الثقافية والفنية والإعلامية". والهدف "إيصال رسائل تؤثر إيجاباً بالسلوك الاجتماعي من تخفيف الهدر إلى التقنين في الاستهلاك وهذا أمر مهم جداً في هذه المرحلة".

ثنائية الفقر والهدر

ويوضح الهنداوي على أنه رغم وجود نسب فقر عالية في العراق كما تشير أرقام الوزارة التخطيط إلا أن "عدد الأفراد المهددين في أمنهم الغذائي نسبتهم تكاد لا تكون ملحوظة".

الفقر الذي نتحدث عنه في العراق، بحسب الهنداوي، "متعدد الأبعاد وهو لا يقاس بالجانب الغذائي بل يمكن إيجاد أثره في التعليم والصحة والسكن، حيث لدينا مشكلة في هذه الجوانب".

وصنفت دراسة أعدتها منظمتا Welthungerhilfe و Worldwide Concern الألمانيتين في يوليو 2023 العراق من الدول المعتدلة في مؤشر الجوع. حيث احتل المرتبة 66 بحصوله على 13.7 نقطة من أصل 212 دولة.

وبحسب الدراسة فإن العراق انخفض فيه مؤشر الجوع بعد أن وصل في عام 2000 إلى 23.8 نقطة لينخفض في عام 2008 إلى 20.8 نقطة، ومن ثم انخفض عام 2014 إلى 16.6 نقطة، وإلى 13.7 نقطة في عام 2022.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي في العراق وجهت النداء لكل من حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان، لتشجيع التعاون ما بين سلاسل التوريد الهادف إلى تقليل هدر الأغذية خلال مراحل الإنتاج والمعالجة والخزن. بالإضافة إلى دعم تغيير السلوكيات من أجل إحداث نقلة نوعية والتقليل من هدر الأغذية لدى المستهلكين.

"زاد الخير"

حين عرضت القنوات الفضائية صور النازحين العراقيين وهم يفرون من هجوم تنظيم "داعش" الإرهابي في فترة اجتياحه لمناطق واسعة من العراق قبل سنوات، تاركين وراءهم مصادر أرزاقهم وكل ما يمتلكونه ليسكنوا المخيمات على أطراف العاصمة بغداد، كانت عذراء عبد الأمير الأستاذة المتقاعدة ورئيسة جمعية "زاد الخير" الخيرية تفكر في طريقة لمساعدة تلك العوائل.

وعلى الرغم من تواضع إمكانياتها وجدت الجمعية ضالتها عند مطاعم منطقة المنصور الراقية في جانب الكرخ من بغداد كونها تمتلك ميزة أنها لا تقدم الأطعمة الفائضة في اليوم التالي وكثيراً ما يتم إلقاؤها في النفايات. ومن هنا جاءت مبادرة عبد الأمير، وقامت جمعيتها بجمع فوائض الطعام غير المستخدمة وتوصيلها إلى مقر المنظمة حيث يتم فرزها كوجبات منفصلة، وتستخدم الجمعية سيارة نقل مبردة للمحافظة على الطعام خلال نقله، بمساعدة من متطوعين".

مع الترويج للمبادرة على مواقع التواصل، "بدأ بعض أصحاب المطاعم والمحال والمخابز بالتواصل ومنحنا كل ما يفيض من إنتاجهم اليومي، بحسب عبد الأمير التي تضيف: "وسرعان ما تطور العمل وبدأت مصادر الطعام بالتنوع حتى بلغ حجم الوجبات الموزعة ما بين 1000-1500 وجبة يومياً".

لاحقاً :"توسعت المبادرة وأنضم للعمل التطوعي العديد من العراقيين من مختلف الأعمار والطبقات حتى وصل عدد المستفيدين إلى 199 ألف شخص". هذا الأمر يشعر عبد الأمير بالفخر كما تقول، كما كان هناك "شعور إنساني يصعب وصفه فقد كنا نساعد عوائل بأكملها فقدت مصدر رزقها عبر فائض الطعام".

استمرت المبادرة الخيرية حتى انتشار فيروس كورونا وفرض حظر التجول في بغداد والمحافظات حين أغلقت المطاعم أبوابها ليتوقف عمل المنظمة في هذا المجال.

عبد الأمير تفكر حالياً في مشروع جديد لعرضه على مجلس النواب، بهدف "إطلاق مبادرة وطنية لتثقيف الشعب فيما يتعلق بأهمية الحفاظ على الغذاء وعدم الهدر"، بالإضافة إلى "إقرار قانون لمكافحة هدر الطعام يتم من خلاله إلزام المطاعم بالتصرف بفائض الطعام بطريقة صحيحة وعدم رميه في النفايات"، بحسب عبد الأمير.

"مبادرة الأربعينية"

يتفرغ عباس عامر وهو طالب بالمرحلة الرابعة في كلية التربية للخدمة في أحد مواكب تقديم الطعام للزوار خلال إحياء مراسيم الزيارة الأربعينية(الحسينية) في منطقة الطليعة في محافظة بابل.

ويقول لـ"ارفع صوتك": "فكرت بطريقة للاستفادة مما يفيض من طعام في محيط المنطقة وذلك عبر توزيع أكياس ملونة تختلف عن الأكياس السوداء المعتادة لجمع النفايات، وطلب من أصحاب المواكب جمع فوائض الخبز بشكل منفصل عن فوائض الطعام وتجميعها في تلك الأكياس".

وبعد أن ينتهي يوم الخدمة، يقوم عامر بالتنقل بين تلك المواكب لجمع الأكياس ثم توزيعها على مربي الحيوانات من المواشي والأسماك والدواجن للاستفادة منها، "وتجنّب تكدسها وتعفنها في الشوارع وإيذاء المواطنين"، على حدّ قوله.

نجاح التجربة التي أطلقها عبر صفحته على الفيسبوك، يشرح عامر "شجعني على نشر الفكرة بشكل أوسع العام المقبل، نظراً لحجم الفوائض الكبيرة وحجم الاستفادة التي يمكن أن يتلقاها مربو الحيوانات مع ارتفاع كلف غذاء المواشي عالمياً".

ويؤيد عامر فكرة رئيسة منظمة "زاد الخير" في إطلاق حملة وطنية وإقرار قانون لمكافحة هدر الطعام: "هناك منافذ كثيرة يمكن من خلالها تثقيف العراقيين حول أهمية حفظ النعمة والاستفادة منها عبر تحويلها إلى عناصر مفيدة للمجتمع".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري
تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري

الحرة- ضياء عودة- منذ تاريخ انعقادها الأول في القاهرة، في أغسطس 2023، تسلطت الأضواء كثيرا على لجنة الاتصال العربية الخاصة بسوريا وعلى الدور المناط وأعمالها، وما إذا كانت ستنجح في إحداث خرق عام على المشهد الداخلي البلاد، ولاسيما السياسي منه.

ومع اجتماع أطرافها الستة للمرة الثانية في العاصمة المصرية، الثلاثاء، تثور تساؤلات عما قدمه النظام السوري للدول المعنية بالتواصل معه، سواء على صعيد عملية "خطوة مقابل خطوة"، أو فيما يتعلق بالملفات التي ارتبطت به داخليا، وكان لها ارتدادات واسعة في الخارج

اجتماع اللجنة جاء على هامش جلسة القمة العربية لبحث التطورات المتعلقة بغزة، شارك فيه وزير خارجية النظام، فيصل المقداد ونظرائه في العراق والأردن والسعودية ولبنان ومصر، وبحضور الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط.

وقال بيان نشرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إن "لجنة الاتصال قررت تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الموضوعات التي تتابعها مع سوريا"، وأضاف أيضا أنه "تم التوافق أيضا على أن يكون الاجتماع المقبل في بغداد"، دون تحديد موعد محدد.

وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع الثاني للجنة الاتصال في وقت لاحق من العام الحالي، لكن فشل النظام في الرد على الأسئلة المتعلقة بتهريب حبوب "الكبتاغون" وقضايا أخرى دفع أطرافها إلى تأجيل موعد الانعقاد، كما ورد في تقرير تحليلي نشره "معهد واشنطن"، شهر مايو الماضي.

وأوضح تقرير المعهد الأميركي، قبل 4 أشهر، أن عملية التأجيل لم تكن لمرة واحدة فقط خلال الأشهر الماضية، بل تم اتخاذ قرارها لأكثر من مرة (آخرها في مايو الماضي)، ورغم ذلك "فشل النظام في تقديم رد مكتوب على الأسئلة الموجهة له".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي السوري، عمر كوش، أن اجتماع الثلاثاء يعتبر "روتينيا" كونه انعقد على هامش الجلسة المخصصة لبحث التطورات في غزة، ويرى أنه "لم يسفر عن شيء.. وربما عقد لكي يقال إن اللجنة مازالت حيّة".

ويعتبر كوش في حديثه لموقع "الحرة" أن "لجنة الاتصال دفنت منذ الاجتماع الأول، عندما تبين أن النظام لم يقدم أي شيء على المستوى السياسي أو بخصوص مشكلة اللاجئين وتهريب حبوب الكبتاغون إلى الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن".

ويضيف أن "اجتماع اللجنة السابق كان مقررا في بغداد لكنه ألغي"، وأن "الاجتماع الثاني لا يدخل في أي مسار لعمل لجنة الاتصال بحد ذاتها".

لكن، ومن جهته، يقول المحلل الجيوسياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة إنه "مازالت هناك قناعة واضحة حول رغبة الدول العربية بإعادة دمشق إلى المعسكر العربي".

وبالتالي يضيف السبايلة لموقع "الحرة" أن "كل ما يجري الآن (بما فيها اجتماع لجنة الاتصال) هو عبارة عن استمرار لهذه العملية".

وحتى لو كان المسار العربي مع دمشق بطيئا يشير في المقابل إلى أن "القناعات العربية لم تتبدل ولم تتحول إلى حالات عداء ولم تتحول لقطع علاقات أو تصعيد"، وفق الخبير الأردني.

"خطوة دون خطوات"

وكانت المبادرة التي أدت لعودة النظام السوري "للحضن العربي" تضمنت خمس أولويات أساسية يتعين إنجازها من خلال لجنة الاتصال الخاصة بمواصلة الحوار مع النظام السوري.

وتشمل النقاط الخمس زيادة وتوسيع نطاق تسليم المساعدات الإنسانية في سوريا، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين على نطاق واسع، وإنهاء إنتاج وتصدير المخدرات غير المشروعة من سوريا.

ويضاف إليها ضرورة استئناف عمل اللجنة الدستورية والتوصل لحل سياسي بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فضلا عن إنشاء هيئة أمنية دولية لتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا.

ولم يقدم النظام أي بادرة حتى الآن على صعيد عودة اللاجئين وتهيئة الظروف في البلاد لاستقبالهم بصورة آمنة. ورغم أن وتيرة عمليات تهريب "الكبتاغون" انخفضت نسبيا لا يزال الجيش الأردني يعترض شحنات من الجو والأرض.

وعلى الصعيد السياسي كان النظام اتجه مؤخرا لتنظيم "انتخابات برلمانية"، متجاهلا أصوات ملايين السوريين النازحين في البلاد، واللاجئين في الخارج.

وفي غضون ذلك لم يبد منذ تاريخ اجتماع اللجنة الأول، وحتى الآن، أي موقف إيجابي على صعيد استئناف أعمال اللجنة الدستورية، فيما يصر على ضرورة انعقادها خارج جنيف، بزعم أنها "غير حيادية"، مؤيدا بذلك نظرة موسكو.

ويعتقد الكاتب والصحفي، المقيم في دمشق، عبد الحميد توفيق، أن "الجانب السوري لم يقدم حتى الآن استجابة لما يعلن من متطلبات أو شروط عربية، على كل الصعد".

ويوضح لموقع "الحرة" أن سبب ذلك "ذاتي"، ويتمثل بأن "السلطة السورية لا ترى أنها ملزمة في تقديم مثل هذه القضايا ولا تعتبر أنها الوحيدة المطلوب منها".

كما لا يريد النظام السوري أن يوحي بناء على واقع الحال في سوريا بأنه "ضعيف"، وفق توفيق.

ويشير الكاتب، من جانب آخر، إلى أن "ما يتحدث به بشار الأسد في كثير من الأحيان يؤكد على أن علاقات دمشق الأنجح والأفضل مع الدول العربية يجب أن تكون ذات طابع ثنائي وليس علاقات على مستوى جامعة الدول العربية".

ويبدو أن النظام يدرك هذا الأمر، ووفقا لتوفيق "يريد الأسد أن يحاكي مصالح كل دولة عربية على حدى وبما ترغب به".

"عامل عدم استقرار"

وقبل الاجتماع الثاني للجنة الاتصال العربية أعادت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في المقر الرئيسي بالعاصمة السورية دمشق.

لكن، وفي مقابل ذلك، لم يكن الزخم السعودي منسحبا على بقية الأطراف العربية التي يتولى وزرائها تنفيذ مهمة الحوار الخاصة باللجنة، كالأردن ومصر.

وفي حين أن ذلك يشي بتباين مواقف كل دولة على حدى مع النظام السوري وكما يؤكده الكاتب السوري توفيق سابقا يعتقد الخبير الأردني السبايلة أن المشهد يذهب باتجاه مغاير.

ويقول السبايلة إن "السعودية هي البلد الأهم في السياسة العربية والأثقل والأكبر، والقادرة على توجيه البوصلة"، وإن مشهد افتتاح سفارتها قبل أيام يشير إلى أن "فكرة ضم سوريا للمعسكر العربي ما تزال قائمة".

ومع ذلك يوضح أن "إحداث تغيير حقيقي عربي في العلاقة مع سوريا يظل صعبا اليوم، ولاسيما في ظل المناخ الموجود ومرحلة الحرب التي تعتبر البلاد أحد جبهاتها".

ومن الواضح، حتى الآن، أن النظام السوري وفي الجانب غير المعلن "استطاع إبقاء خطوط التواصل مع الجميع، وأن يقدم شيئا غير منظور، مما يعزز الإيمان لدى البعض من الدول العربية، في موضوع إخراج سوريا من عزلتها"، وفق السبايلة.

لكن الخبير الأردني يضيف أن "المسار سيكون تدريجيا، نظرا لظروف الحرب القائمة في المنطقة".

وتختلف وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي كوش عما أشار إليه السبايلة.

ويعتبر الكاتب أن "النظام يحاول أن يستثمر ويفتح بازار وهمّه الدائم البحث عن منقذ لإخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرته".

وفي ذات الوقت فإن النظام "ليس مستعدا لأن ينخرط بأي حل، باعتبار أن تهريب الكبتاغون يؤمن له ولأزلامه ورموزه وحاشيته مبالغ خيالية"، بحسب كوش.

ويتابع: "بمعنى آخر.. النظام عامل عدم استقرار في المنطقة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لأنه سينتهي وبالتالي هو لا يريد إنهاء نفسه بنفسه".

3 عوامل تُحكم مسار الاتصال

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حضر القمة العربية التي نظمت بشكل استثنائي في الرياض في نوفمبر الماضي، وألقى كلمة حينها أمام الزعماء العرب، أكد فيها أن الانتقال "من حضن لآخر" لا يعني تغيير "انتماء" الإنسان.

وبعدما شكك بفعالية جامعة الدول العربية، آنذاك، شدد على ضرورة تطوير آلية عماها ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها "تماشيا مع العصر"، على حد تعبيره.

ورغم حضوره مجددا في المنامة، مايو الماضي، لم يخصص له وقت لإلقاء الكلمة أمام الزعماء العرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي توفيق أن الواقع يشير إلى أن مجريات العلاقة السورية العربية محكومة بـ3 عوامل.

ويوضح أن الأول "سوري ذاتي داخلي مرتبط بالسلطة السورية والدولة والقيادة".

ويتمثل الثاني، وهو "موضوعي"، بعدم قدرة أي طرف عربي على اتخاذ موقف مشترك، باستثناء الذي تم التعبير عنه شكليا عندما عادت دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

ويتابع توفيق، من نقطة ثالثة، أنه يوجد "عامل آخر حقيقي وواقعي ويحرك كل ما سبق، ويرتبط بالولايات المتحدة  وصراعها القائم مع روسيا في كل ساحات العالم".

وفيما يتعلق بخطوة فتح السفارة السعودية، يعتقد توفيق، المقيم في دمشق، أنه دليل على أن "العلاقات السياسية تنمو وتطرد".

لكنه في المقابل يقول إن الخطوة أمام "سؤال كبير.. ماذا بعد؟ وهل يمكن للسعودية أن تقدم احتياجات تراها سوريا مهمة".

وبالإضافة إلى ما سبق، يبرز سؤال أكبر بحسب تعبير الكاتب السوري هو: هل تستطيع الرياض أن تقدم لدمشق أو تتبنى مواقف قادرة على محاكاة الأميركيين وتليين موقف واشنطن؟

ولا يرى المتحدث "آفاقا كبيرة وواعدة في الاتجاه المذكور، باستثناء احتمال وجود علاقات ثنائية لن تصل لمراحل متقدمة يتمناها الشعب السوري ويبنى عليها أو أن تكون نقطة تحول على الساحة السورية".

"تكتيك"

ومن جهته يوضح الخبير الأردني السبايلة أن ما يفعله النظام عبارة عن "تكتيك".

ويقول إن (الأسد) "يعلم أن إيران لا تستطيع أن تقدمه للمجتمع الدولي وترفع عنه العقوبات، بل تعمّق أزمته".

وبالتالي فإن النظام السوري "بحاجة لنوع من التوازن، لأن الدول العربية وعودته للجامعة جعلت له مساحة لفكرة الانتقال للحديث مع المجتمع الدولي وإزالة العقوبات".

ويضيف السبايلة: "النظام يعلم أن مصلحته الحقيقة في فك العزلة مع الدول العربية وليس مع إيران غير القادرة على مساعدته، ويمارس أيضا ذات السياسة مع تركيا لكن وفقا لشروطه ومصالحه".

والموقف السوري المتعلق بإيران سواء قبل 2011 وما بعد هذا العام ما يزال على حاله، وفق حديث الكاتب توفيق.

ويوضح الكاتب أن "دمشق الآن ما زالت على ثوابتها، ولا تبد أي مرونة في التوجه العربي بالابتعاد عن إيران، لأنها تعتبر ذلك جزءا أساسيا من قرارها السيادي والسياسي".