في عام 1946 بدأت محكمة العدل الدولية مهام عملها كجهاز قضائي رئيسي تابع للأمم المتحدة، ومقرها في قصر السلام داخل مدينة لاهاي في هولندا، لتستكمل عمل الهيئة القضائية الدولية السابقة التي جرى إنشاؤها في 1922 في قصر السلام أيضاً.

وبحسب النظام الأساسي الذي حدّد اختصاصات المحكمة، فإن دورها الرئيس هو حل النزاعات القانونية بين الدول، وإصدار فتاوى بشأن مسائل قانونية محددة تُحال إليها من أجهزة الأمم المتحدة.

خلال تاريخ عملها الطويل تعرّضت المحكمة لعددٍ من القضايا العربية، نستعرض أبرزها في هذا التقرير.

 

1- فرنسا تقاضي أميركا بسبب المغرب

 

في أغسطس 1952 احتدم الخلاف بين الولايات المتحدة وفرنسا حول جباية بعض الضرائب من الرعايا الأميركيين المقيمين في المغرب، وحينها كان المغرب واقعاً تحت سيطرة فرنسية إسبانية مشتركة ولم ينل استقلاله إلا في 1956.

في ديسمبر 1948 صدر مرسوم يمنح الحق للسلطات المحلية في المغرب، الخاضعة للسيطرة الفرنسية، في جمع رسوم على الواردات الآتية من الولايات المتحدة، بينما أعفت باريس نفسها من هذه الضريبة.

رفضت واشنطن تطبيق هذه المراسيم وأعلنت أن رعاياها لن يخضعوا لأي قوانين مغربية\فرنسية لم توافق عليها مسبقاً، وطالبت بمنح مواطنيها "حصانة مالية".

بعدما أن تخاصمتا، لجأتا إلى المحكمة الدولية التي اعتبرت الإجراءات الفرنسية "تمييزاً لا ينسجم من القانون" وفي المقابل أدانت المحكمة التصرف الأميركي القاضي بعدم الالتزام بالقوانين المغربية، لأنها لم توقّع مع الرباط أي معاهدة تعطيها هذا الحق ولا تمنحها "الحصانة المالية" التي طالبت واشنطن بمنحها لمواطنيها.

 

2- ليبيا وتونس تتنازعان على حقل نفط

 

حينما بلغ الخلاف الحدودي مداه بين ليبيا وتونس بشأن المنطقة المسماة بـ"الجرف القاري" لجأتا إلى المحكمة الدولية.

في فبراير 1982، قضت المحكمة بتقرير دقيق للحدود البحرية بين الدولتين، ووضع حقل "البوري" النفطي ضمن حدود ليبيا بأغلبية 10 أصوات مقابل 4 عارضت القرار. ويعدُّ هذا الحقل واحداً من أهم منابع النفط في البحر المتوسط بطاقة إنتاج بلغت 45 ألف برميل يومياً في عام 2019.

خلال جلسات هذه القضية، قدّمت إيطاليا "طلباً بالتدخل" بعدما اعتبرت نفسها جزءاً من أطرافها، لظنّها أن هذا النزاع يؤثّر عليها بحُكم قُربها من الدولتين المتصارعتين، إلا أن قضاة المحكمة رفضوا الطلب.

في مارس 2023 تجدّد الحديث عن الخلاف، بعدما أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد رغبته في مقاسمة إنتاج حقل "البوري" النفطي الواقع في المنطقة المتنازع عليها.

في عام 1985 انتصرت المحكمة الدولية لليبيا مرة أخرى، في نزاعٍ بحري مماثل مع مالطا هذه المرة، بعدما كاد ينشب اشتباك عسكري داخل "جرف قاري" بينها ومالطا، بسبب إعلان فاليتا (عاصمة مالطا) منح شركات أجنبية حق التنقيب في منطقة بحرية متنازع عليها، هدّد القذافي بتدمير أي منصة نفط تُقام في "الجرف القاري".

انتهى الخلاف بإحالة القضية إلى المحكمة التي انتصرت لوجهة النظر الليبية بأغلبية 14 صوتاً مقابل 3.

 

3- نزاع حدودي بين قطر والبحرين

 

في يوليو 1991 قرّرت قطر تصعيد خلافها الحدودي مع جارتها البحرين، فقدّمت إلى المحكمة طلباً لحل مشكلة التنازع على 3 جزر، هي: فشت الدبيل، وحوار، وجرادة.

في المقابل طلبت البحرين من المحكمة ضم منطقة الزبارة القطرية إليها، بدعوى أنها كانت تابعة لها خلال الوجود البريطاني في المنطقة.

استمر النظر في هذه القضية نحو 10 سنوات، وفي عام 2001، أصدرت المحكمة حُكمها بأحقية قطر في منطقة زبارة وجزيرة فشت الدبيل، بينما أقرّت بسيادة البحرين على جزر حوار وقطعة جرادة.

4- تمنح "شريط أوزو" لتشاد على حساب ليبيا

 

وفقاً لما ذكره برنارلان في دراسته "شريط أوزو: دراسة لتطوّر الحدود السياسية بين ليبيا وتشاد"، فإنه في عام 1898 وقعت حادثة فاشودة التي حاولت فيها فرنسا السيطرة على منابع النيل، فتصدّت لها قوة إنجليزية وكادت أن تشتعل حرباً بين الطرفين، انتهت بانسحاب الفرنسيين وإبقاء هيمنة بريطانيا على وادي النيل.

نتيجة لهذا الحادث اتفقت الدولتان على تعيين الحدود بين ليبيا وتشاد بشكلٍ "فلكي"، من خلال الاستناد إلى خطٍ يمتد من نقطة تقاطع مدار السرطان طول 16 درجة شرقاً متجهاً نحو الجنوب الشرقي، حتى يلتقي مع خط طول 24 درجة شرقاً.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سيطرت إيطاليا على ليبيا وزاحمت فرنسا على النفوذ في هذه المنطقة، حتى وقعتا "معاهدة روما" 1935 التي أقرّت ضم مساحة 114 ألف كيلومتر إلى ليبيا، ستُعرف هذه المنطقة لاحقاً بـ"شريط أوزو".

اضطرت إيطاليا عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى توقيع اتفاقية باريس عام 1947، التي نصّت على التنازل عن جميع أراضيها في أفريقيا وإلغاء معاهدة روما.

في عام 1951، نالت ليبيا استقلالها كمملكة متحدة، بينما ظلّت تشاد تحت السيطرة الفرنسية، وكان تعيين الحدود تحدياً كبيراً أمام المملكة الجديدة، خاضت على إثره مفاوضات مع فرنسا، طالبت المملكة الليبية بالعودة لمعاهدة روما، فيما أصرّت فرنسا على الالتزام بخط الحدود المعين منذ عام 1899، وظلَّ الخلاف بين الطرفين قائماً رغم توقيعهما معاهدة حُسن جوار.

منذ عام 1969، تولّى العقيد القذافي حُكم ليبيا، فاستغلّ الاقتتال الأهلي الذي شهدته تشاد، ليدخلها بجيشه ويعلن ضمها إلى أراضيه. عقب احتدام الأزمة بين الطرفين، اعتبر مسؤولون تشاديون أن محكمة العدل الدولية هي الجهة المناسبة لنزع الخلاف، فتوجهوا إليها بدعواهم القضائية.

في فبراير عام 1994، انتصرت المحكمة لتشاد، وحكمت بضم الشريط المتنازع عليه إليها بأغلبية 16 صوتاً مقابل صوتاً واحداً.

 

5- جدار إسرائيل العازل

 

في يوليو 2004 أصدرت المحكمة فتوى بشأن الآثار المترتبة عن بناء الجدار العازل الذي أقامته إسرائيل على مناطق فلسطينية محتلة، رداً على سؤالٍ توجّهت إليها به الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الشأن.

في حكمها اعتبرت المحكمة، أن الجدار الإسرائيلي "مخالف للقانون الدولي"، وبأغلبية 14 صوتاً مقابل صوتٍ معارض واحد. أكدت المحكمة أن إسرائيل "ملزمة بإيقاف أعمال تشييد الجدار الذي تقوم ببنائه"، كذلك فإن على إسرائيل تعويض الفلسطينيين عن "الأضرار الناتجة عن تشييد الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة". 

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".