"في الجامعات، في مراكز الإيواء، في مدارس الأونروا، والمدارس الحكومية، في كل هذه الأماكن، تنتشر القمامة"، يقول سامح أبو دية وهو نازح من شمال غزة إلى الحدود مع مصر.
يحذر خلال حديثه لـ"ارفع صوتك"، من "كارثة بيئية كبيرة جداً، إذا ما استمرّ تراكم القمامة بهذه المعدلات غير المسبوقة".
منذ اندلاع الحرب غابت جهود التنظيف الحكومية في غزة بشكلٍ شبه تام. توقفت الطواقم الخدمية التابعة للبلديات عن عملها بعد نزوح أفرادها إلى المخيمات أو مقتل بعضهم في الحرب المشتعلة منذ أكتوبر ٢٠٢٣.
لكن حتى إذا ما قرّر من بقي في عمله تنظيف القطاع، فإنه لن يتمكن من ذلك، إما بسبب تدمير الآليات، أو عدم توفر وقود لتشغيلها.
يرفع السكان قدر الإمكان كميات القمامة الكبيرة جداً في مدينة رفح عن أماكن تواجد الخيام، لكنها تعود وتكبر، كما يقول أبو دية.
يكشف النازح الفلسطيني أن "النازحين يبذلون جهوداً كبيرة للاستفادة من كل ما يمكن استثماره في هذه القمامة، ليعينهم على الحياة في ظل الأوضاع الصعبة التي يعانون منها، فيطلبون من الأطفال جمع الأوراق والبلاستيك والكارتون ويستخدمونها في إشعال النار".
ومن قلب الخراب، وحتى من أكوام النفايات، يجمع أطفال غزة الأقمشة وقطع البلاستيك، ليصنعوا منها كرة يتقاذفونها بأقدامهم في الشارع. بعض آخر، يملأ زجاجات الماء الفارغة لممارسة لعبة "البولينج".
يخشى أبو دية ومن معه، من كارثة صحية، ويتخوف أيضاً من أن تؤدي إلى انتشار الأمراض المعدية، وبالفعل، بدأت بعض الإصابات بالظهور، وبعضها سُجّل داخل أسرته، على حد قوله.
إعادة تدوير
من المفارقات المؤلمة التي تتحدث عنها هدى عليان وهي نازحة إلى مدينة رفح أيضاً، أن القمامة المتراكمة تخلو من أي مخلفات أو بقايا طعام، لأن الأهالي يأكلون وجباتهم النادرة حتى آخر لقمة فيها، على حد قولها.
تضيف لـ"ارفع صوتك" أن "أغلب وجبات النازحين تكون من المعلبات، لذا فإن العلب الحديدية الفارغة هي الأكثر انتشاراً داخل أكوام القمامة، وتُجمع وتحول إلى أوان لتحضير الشاي والقهوة".
الاستثمار الأمثل للعلب الحديدية كان مُقدّمة لعمليات إعادة تدوير متعددة يجريها الغزّاويين للاستفادة من بعض القمامة، مثل الورق والكرتون لاستخدامها وقوداً لأفران الطين، أما علب البلاستيك فتستخدم لتعبئة المياه المالحة والكلور ومواد الغسيل، بحسب عليان.
داليا زيادة وهي طبيبة فرّت من الشمال إلى الزوايدة ثم لدير البلح ثم هربت مرة ثالثة إلى مدينة رفح، تقول لـ"ارفع صوتك: "في ظِل عدم وجود أي جهة ترفع كميات القمامة الهائلة المنتشرة في كل مكان، فإن بعض الأهالي لجأوا إلى حرقها في مكانها، ما تسبّب في تصاعد أعمدة الدخان في مناطق متعددة من القطاع".
تزامنت هذه الأوضاع المأساوية، بحسب زيادة، مع تحديات صحية أخرى لا تقل خطورة، مثل غياب الصرف الصحي، وانتشار المياه المبتذلة في ظِل عدم وجود آليات تصرفها أو تسحبها لمكان آخر.
وتضيف: "هذه مصيبة أخرى تضرب النازحين، وتتفاقم المشكلة مع تساقط الأمطار بغزارة على القطاع، ما يزيد من منسوب بِرك الصرف المنتشرة في كل مكان".
الأمر نفسه تؤكده أمينة مسعود، النازحة من دير البلح عندما كانت ترصد تدهور الأوضاع في القطاع بشكلٍ غير مسبوق.
تنقل لـ"ارفع صوتك" مشاهد رأتها: "في كل الشوارع تنتشر مياه المجاري، القمامة في كل مكان، كما انتشرت بين النازحين أمراض القمل والجرب والطفح الجلدي والنزلات المعوية".
كارثة صحية
يدقَّ الدكتور فادي الخضري، أخصائي القلب والقسطرة في مجمع الشفاء الطبي، ناقوس الخطر بشأن تأثير انتشار القمامة ومياه الصرف الصحي في غزة.
يقول لـ"ارفع صوتك: "هناك زيادة في حالات النزلات المعوية والأمراض الجلدية والأمراض التنفسية التي يصعب التعامل معها في ظل الانهيار الهائل في القطاع الصحي".
يحذّر الخضري من خطورة لجوء الغزّاويين إلى إشعال النيران في القمامة، أو في المواد البلاستيكية داخل الأفران، لأن الأدخنة المتصاعدة من هذه الحرائق تؤدي إلى زيادة فرص الإصابة بالأمراض التنفسية ومتاعب الرئة، فضلاً عن أثرها الخطير في التسبب بأمراض سرطانية على المدى البعيد.
مخاوف الطبيب الفلسطيني يشاركه فيها هشام مهنا، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في قطاع غزة، الذي يؤكّد لـ"ارفع صوتك" أن "جميع المناطق التي زارها ضمن عمله في القطاع، تشهد أكواماً كبيرة من النفايات المكدسة".
وينقل مهنا عن أطباء وأهالي التقاهم خلال جولاته، حقيقة انتشار العديد من الأمراض والأوبئة.
ويقول لـ "ارفع صوتك" إن "أكثر ما يثير قلقي هي الكثافة السكانية الكبيرة في أعداد السكان داخل منطقة جغرافية ضيقة للغاية، مما يجعلها بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، وهذه كارثة كبرى".
