أمهات لبنانيات يواجهن مصير أولادهن الغامض في العراق
أمهات لبنانيات يواجهن مصير أولادهن الغامض في العراق

"ماما أنا في العراق".. كلمات قالها الشاب، أسامة عوض، بعد حوالي شهر من اختفائه من مدينته طرابلس، لتصعق والدته كما قالت لموقع "الحرة" بكيفية وصوله إلى هناك، بعدما غادر لبنان مع عدد من الشبان، للانضمام إلى تنظيم "داعش" كما يتم التداول.

قبل أشهر بدأت حالة اختفاء عدد من شبان طرابلس تظهر إلى العلن، أغلبيتهم ما دون العشرين سنة، لتتلقى بعدها عائلاتهم اتصالاً منهم يطلعونهم من خلاله أنهم في العراق، وقبل أيام وصل خبر مقتل الشابين أحمد الكيالي وزكريا العدل هناك، وقالت والدة أسامة: "منذ ذلك الحين وأنا في حالة انهيار، فلا أعلم إن كان ابني لا يزال على قيد الحياة من عدمه".

في شهر تموز الماضي، حذرت الأمم المتحدة في تقرير من أن تهديد الجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة آخذ في التوسع والانتشار في العديد من مناطق العالم، وأشار التقرير الذي قدمه إلى مجلس الأمن فريق المراقبة التابع للأمم المتحدة، المكلف بتتبع التهديدات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، من أن تلك الجماعات الأصولية تشكل تهديداً متزايداً في معظم أنحاء أفريقيا وسوريا والعراق وأفغانستان.

"من مناطق شعبية فقيرة، وبالتحديد من القبة والتبانة والمنكوبين تم تجنيد الشبان"، بحسب ما قاله المحامي، محمد صبلوح، الذي شرح لموقع "الحرة" أنه "ما بين 35 إلى 50 شخصاً، معظهم مراهقين، اختفوا، وقد سارع بعض الأهالي إلى التبليغ وتقديم إفادتهم إلى القوى الأمنية بعد ساعتين من اكتشاف الأمر".

أما الناشط السياسي والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد الأيوبي، فأكد أنه "منذ أشهر إلى الآن غادر ما يزيد عن  150 شاباً طرابلس على دفعات، من خلال مجموعات صغيرة استخدموا السيارات والباصات الصغيرة".

السقوط في فخ "داعش"

يلجأ تنظيم داعش، كما قال الأيوبي لموقع "الحرة"، إلى "استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واتساب ومسنجر وغيرهما، في عمليات استقطاب الشباب بشكل كبير، وذلك بعد متابعة نشاط المراهقين والفتيان على صفحاتهم الاجتماعية ودراسة حالاتهم النفسية والاجتماعية، حيث يتم تحديد من هم الأكثر قابلية للتجاوب مع أفكار التطرف، بالاستناد إلى حماستهم الدينية أو وضعهم الاقتصادي المزري وحالة اليأس التي وصلوا إليها وحتى "المظلومية الأمنية" من خلال إيهامهم بأنهم مطلوبون وأن عليهم ملفات أمنية".

ويضيف "بعد تحديد المستهدفين، يبدأ عناصر من التنظيم ومنهم من أبناء طرابلس، وسوريون مقيمون فيها، بمحاورتهم وإقناعهم".

ويؤكد الأيوبي أنه "بعد الاستقطاب الفكري يأتي دور التجنيد، وهذه المرحلة لا تخلو من دفع المال للضحايا الذين يتم إعدادهم نفسياً لإبعادهم عن عائلتهم، وذلك بعد إقناعهم أن أفرادها 'عصاة' كونهم ارتضوا بهذه المنظومة الاجتماعية التي يعتبرونها كافرة".

من جانبه اعتبر الخبير الاستراتيجي الدكتور، أحمد الشريفي، أن "داعش يستثمر الخلافات داخل المجتمعات والحالة النفسية للشبان، وكون هناك انقسام كبير جداً في لبنان فضلاً عن الأزمة المعيشية وما يعانيه الشباب اللبناني من بطالة وإحباط وانكسار، حيث تجذب كل هذه العوامل مجتمعة، تنظيم داعش للتحرك إما طائفياً، عرقياً أو إثنياً،  لتعبئة الشباب أيديولوجياً ليصار بعدها  إلى تجنيدهم وتسويقهم بحسب ما يرتئيه هذا التنظيم". 

وأضاف الشريفي في حديث لموقع "الحرة" "يمتلك داعش قدرة كسر الحدود بين الدول، وهو يناور بالموارد التي تتشكل لديه عبر حدود المنطقة، لذلك قد نجد لبنانيين يحملون أفكار داعش متواجدين في كل من سوريا والعراق، فالاعتماد على شباب بهذه الثقافة وهذه اللهجة يجعلهم أكثر مرونة في التحرك في ميدان لم يعد يقبل الوافدين من جنسيات أجنبية، وهذا سيرفع من منسوب التحدي والتهديد في كل من سوريا والعراق، أي بمعنى العودة مجدداً إلى حالة اللااستقرار أو إلى بؤرة لتهديد الأمن والسلم الدوليين".

وبحسب الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب "لا يزال تنظيم داعش يستخدم ذات الوسائل في استقطاب الشباب منذ إعلان قيام 'الدولة الاسلامية' في عام 2014 وذلك عبر التفسير غير الصحيح للآيات القرآنية لاسيما آيات الجهاد والقتال في سبيل الله، يحركهم عبر عاطفة دينية غير واعية بهذه النصوص، هو يصور العنف والقتل على أنهما جهاد، من هنا نسأل أين المؤسسات الدينية والمجمعات الفقهية في العالم العربي التي ترد وتفكك مثل هذه الأفكار؟"

وعن التغرير المادي أجاب أديب "طبعاً المادة تلعب دورها لكنها ليست الأساس، فاستخدام العاطفة الدينية هو النموذج الأهم والأبرز. فعندما يتمتع الشباب بالوعي وتتكون لديهم مفاهيم إسلامية صحيحة لن يستطيع الإغراء المادي أن يؤتي أكله". 

واعتبر أديب أن "المجتمع الدولي حارب التنظيم من السماء عبر الضربات الجوية، بينما فشل في مواجهته على الأرض، ولم يبذل أي جهد لمحاربة أفكاره وخلاياه النائمة، الخاملة وحتى النشطة، ولذلك عاد التنظيم إلى ترتيب صفوفه وتجنيد الشباب".

أما أحد المطلعين على الموضوع في طرابلس (رفض ذكر اسمه كونه يدخل في مفاوضات مع بعض المغرر بهم للعودة إلى لبنان) فاعتبر أن عوامل عدة تدفع الشباب إلى السقوط في فخ "داعش" منها "الوضع الاقتصادي السيء في البلد، البطالة، عدم وجود أفق للشاب اللبناني وخاصة الطرابلسي في بناء أسرة، إضافة إلى الفكر المغلوط الذي يحمله هؤلاء عن الدين".

مشاعر متناقضة

من داخل غرفة مظلمة، تحدث أسامة (19 سنة) مع والدته عبر الهاتف، كان متوتراً كما قالت، وجهه متعب (لاحظت ذلك على الرغم من أنها بالكاد كانت تراه) سألته أسئلة كثيرة إلا أنه لم يجب إلا على عدد قليل منها، ومما قاله لها: "أنا بخير، اطمئني واحمدي الله فما مررت به ليس سهلاً" وعن سبب تركه عائلته، قال: "قمت بذلك بعدما وردني اتصال من شخص غريب أطلعني خلاله أن اسمي مذكور في ملف إرهابي وعليّ الهرب".

وعن الساعات الأخيرة التي سبقت الاختفاء الطويل، منذ 27 أكتوبر الماضي، قالت والدة أسامة: "يدرس ابني في مهنية، وكونها لم تفتح أبوابها بعد، كان يعمل منذ العاشرة صباحاً حتى العاشرة ليلاً في محل لبيع الهواتف، في ذلك اليوم عاد من عمله، كان طبيعياً جداً، سهرنا جميعاً، وعند الساعة الواحدة والنصف من بعد منتصف الليل رنّ هاتفه، خرج إلى الشرفة، بعدها بدأ التوتر يظهر عليه من خلال تنقله من غرفة إلى أخرى، سألته ما به أجابني: لا شيء، فتوجهت معه إلى سريره وقمت بتغطيته".

عند آذان الفجر، دخلت والدة أسامة إلى غرفة ابنها كي توقظه للصلاة، لكنها لم تجده وقالت: "اعتقدتُ أنه في المسجد أسفل منزلنا في منطقة القبة، حيث اعتاد أن يصلي فيه، وعندما تأخر ظننت أنه في حلقة تعليم قرآن، وإذ بي أتلقى اتصالاً من والده الذي كان في المقهى حيث يعمل، سألني عن أسامة، وطلب مني أن نبحث عنه في المسجد وذلك كونه علم من عائلة صديق ابني إبراهيم مرعب اختفاءه"، وعن مدى التزام أسامة الديني قالت: "نحن مسلمون وملتزمون دينياً، لكن ليست لدينا أفكار متطرفة".

لم يعثَر على أسامة وابراهيم، لكن شخصا يعرفهما أطلع عائلتهما أنه شاهدهما عند الساعة السابعة والنصف صباحاً في منطقة أبي سمراء، سألهما إن كانا يريدان إيصالهما إلى مكان محدد، لكنهما رفضا بحجة أنهما متوجهان عند صديق لهما، لتتكشف بعدها الحقيقة بأن القضية أكبر من ذلك بكثير.

رافق ابراهيم (18 سنة) صديقه أسامة في الرحلة إلى المجهول، وكما قالت لموقع "الحرة" والدته أم يوسف مرعب الذي هاتفها هو الآخر بعد 23 يوماً من اختفائه، كان متوتراً ويتمنى العودة في أسرع وقت، قال إنه يحبني كثيراً، وبرر توجهه إلى العراق بأن شخصاً اتصل به وأخبره أن اسمه ذكر في تحقيق وعليه الهرب".

قبل يوم من اختفائه أطلع ابراهيم والدته أن ناظرة المهنية أبلغته حصوله على منحة دراسية حيث كان يدرس التكييف والتبريد، ويعمل في ذات المصلحة مع والده، وعند الساعة الخامسة والنصف من فجر اليوم التالي لم تجده في السرير، اتصلت على هاتفه لكن كان مغلقاً في حين بقي هاتف أسامة شغالاً لنحو 24 ساعة من دون أن يجيب.

لم يأخذ إبراهيم وأسامة أيا من أغراضهم من المنزل، ولم يعاودا الاتصال بعائلتيهما اللتان تنتظران بفارغ الصبر خبراً يطمئنهما عنهما.

سقطت "الدولة" وبقي التنظيم

"عام 2019 أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سقوط الدولة الاسلامية جغرافياً لكن التنظيم ما زال قوياً وقادراً على تنفيذ عمليات نوعية في العراق وخارجه، وقادراً أيضاً من خلال فكرته الملهمة والجاذبة لقطاع كبير من الشباب العربي على استقطابهم وتجنيدهم ومن ثم تنفيذ عمليات مسلحة"، بحسب ما قاله أديب.

واعتبر أديب أن "نجاح التنظيم في استقطاب شباب من لبنان إلى العراق وسوريا وتنفيذه عمليات نوعية، رسالة منه في نهاية عام 2021 فحواها أنه سوف يطل برأسه مرة أخرى لإعادة إحياء دولة الخلافة التي أقامها أبو بكر البغدادي".

يقوم التنظيم كما قال الأيوبي: "بتوزيع الشبان الذين يجندهم بين سوريا والعراق، حسب الحاجة وما تقتضيه الظروف الميدانية".

وبعض ممن اختفوا من لبنان كما قال المصدر: "حطوا رحالهم في سوريا ومنهم من توجه إلى العراق، لكن يوجد أيضاً منهم من لا يزال في لبنان".

وعما يتم تداوله من أنه جرى تخويفهم من ملفات أمنية وتهم تتعلق بالإرهاب، شدد المصدر على أن "هذه مجرد خدعة لدفعهم إلى الالتحاق بالتنظيم، فلا ملفات أمنية بحقهم".

وعن خروج هؤلاء من طرابلس بمساعدة شبان طرابلسيين، قال المصدر: "لا يمكن الجزم، فلا معلومات مؤكدة لدى الأجهزة الأمنية فيما إن كان ذلك بحكم التواصل عبر الإنترنت مع أشخاص من داخل أو خارج لبنان".

منذ لحظة اختفاء الشبان، طلب المحامي محمد صبلوح من بعض الأهالي كما قال: "تقديم أخبار للنيابة العامة للضغط على القضاء ومعرفة تفاصيل استدراج أولادهم ومن ساعد في ذلك من داخل طرابلس، لكنهم يخشون الإقدام على هذه الخطوة، وهم يتكلون على مخابرات الجيش التي وعدتهم  بمتابعة القضية".

أصابع الاتهام

علامات استفهام كثيرة تشوب رحلة هروب الشبان من لبنان، حيث تساءل الأيوبي: "كيف يمكن تهريب هذه الأعداد عبر الحدود الواقعة تحت سيطرة النظام السوري وحزب الله؟ وكيف يمكن لهم اختراق عمق الأراضي السورية وصولاً إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة"؟ محذراً من أنّ "معبر حكر الضاهر غير الشرعي، يشكل أحد أبواب التهريب للبشر والممنوعات بلا حسيب ولا رقيب".

كذلك تساءل صبلوح: "كيف يمكن لمجموعة كبيرة من الشبان مغادرة لبنان بهذه السهولة من دون أن يكون لدى الأجهزة الأمنية علم، ولماذا لا تتم متابعة داتا (بيانات) الاتصالات لمعرفة المحرض على ذلك".

كما اعتبر المصدر أنه "لا يمكن تجاوز الحدود اللبنانية والأراضي السورية من دون غض النظر من بعض الأطراف في سوريا"، وعن سبب اختيار الشباب العراق وجهة لهم،  أجاب "لأن هناك طرفا خسر الانتخابات ويريد إحياء 'داعش' وتوجيه رسالة للغرب".

الملف خطير وعلى الدولة اللبنانية كما قال صبلوح: "تحمل مسؤوليتها في مكافحة التطرف سواء من خلال القيام بكل ما في وسعها لتوقيف الشبكات التي تستقطب وتجنّد الشباب أو من خلال إيلاء الاهتمام لحملات توعية المراهقين".

لكن الأيوبي شدد على أن "مخابرات الجيش تقوم بجهد كبير لضبط الوضع في طرابلس، وقد ألقت القبض على عدد من الشبان الذين يستقطبون المراهقين والفتيان، كما تعاونت مع دار الفتوى ومشايخ وهيئات لاحتواء هذه الحالة، ولولا هذا الجهد لكنا شهدنا حالات متفجرة في المدينة منذ زمن".

كلام الأيوبي أكده المصدر الذي قال إن "كل الأجهزة الأمنية تصب اهتمامها على هذا الملف وبالدرجة الأولى مخابرات الجيش، التي تمكنت من توقيف خمسة أشخاص قبل لحظات من انطلاقهم إلى المجهول"، لكن هذا وحده غير كاف بحسب الأيوبي "فانفلات الحدود بهذا الشكل يجعل عمليات تهريب البشر والاتجار بهم مستمرة على مدار الساعة، وهذا يشمل أيضاً عكار التي تنزف شباباً ينزلق نحو المجهول".

"قنابل بشرية متنقلة"

لا يزال تهديد داعش، بحسب تقرير الأمم المتحدة، ماثلا في العراق وسوريا، حيث حصل التنظيم  على تمويل يقدر بـ 25 مليون دولار إلى 50 مليون دولار، وهو ما شدد عليه الشريفي، الذي قال إن "العمليات التي يقوم بها داعش في العراق نوعية وتثير القلق والاضطراب وتهدد أمن المواطنين وخطوط النقل الاستراتيجية في البلد، فضلاً عن أنها تهدد أمن القطعات العسكرية في المناطقة المفتوحة من خلال عمليات الإغارة والكمائن".

واعتبر الشريفي أن التصعيد الأخير لداعش في العراق "لا يخلو من أبعاد ومن بصمات سياسية، فهذا التنظيم يستثمر المرحلة الانتقالية وحالة الإرباك التي تمر بها المؤسسات الأمنية والعسكرية، على اعتبار أن هناك خطأ استراتيجيا يقع فيه المنتظم السياسي في العراق، والمتمثل بإخضاعه منظومة القيادة والسيطرة في المؤسسة الأمنية إلى المحاصصة، الأمر الذي يولد حالة إرباك وتراخ وقلق لديها لا سيما في المرحلة الانتقالية خشية من أن تفقد هذه القيادات وظائفها أو يجري استبدالها".

 هذا الانشغال السياسي يقلل بحسب الشريفي "من كفاءة المؤسسة العسكرية في إدارة دورها الوظيفي في حماية الميدان، سواء كان ذلك في الجبهة الداخلية أو الخارجية"، في حين اعتبر أديب أنه "عندما تريد الحكومات والمجتمع الدولي القضاء على داعش، عليها تصويب الخطاب الديني لتفكيك أفكاره، فعندها فقط يمكن بناء عائق بين الشباب وبين محاولة استقطابهم".

وعن الخشية من توسع رقعة جذب الشباب في لبنان أجاب المصدر "دائماً نحذر من ضرورة وضع حد للأزمات، فكما يعلم الجميع يعاني اللبنانيون من انقطاع الكهرباء، الماء، الأدوية، عدم القدرة على الاستشفاء وتأمين قوت يومهم وغيرها الكثير، لذلك نجد من الشباب من يقرر مغادرة البلد، حتى لو خاطروا بأنفسهم عن طريق البحر، حيث تكون الوجهة إما تركيا للعمل أو الهجرة إلى أوروبا، لكن من الشبان من يسلك الطريق الخطأ وينضم إلى داعش وغيره".

ما يجري في طرابلس بحسب الأيوبي "جزء من خطة تنفذها إيران وحزب الله والنظام السوري لاستهداف الشباب السني، حيث يخشى أن يتحولوا إلى قنابل بشرية متنقلة بين سوريا والعراق ولبنان، حسب مشاريع المشغلين والخشية الأكبر من أن يكون هناك مخطط داعشي لتفجير الوضع في لبنان من خلال إعادة إرسال الشبان بعد تدريبهم واكتسابهم قدرات قتالية، وهذا الأمر يجب أخذه بعين الاعتبار".

وختم الأيوبي داعياً "دار الفتوى والهيئات الإسلامية إلى التعاون لتحديد الموقف من حالات استغلال أبناء طرابلس والشمال، وإلى إعلان موقف واضح من الإرهاب فكراً وتنظيمات، لأنّ الصمت على ما يجري يفتح أبواب الفتنة على مصاريعها التي ستطال الجميع ولن تستثني أحداً".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري
تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري

الحرة- ضياء عودة- منذ تاريخ انعقادها الأول في القاهرة، في أغسطس 2023، تسلطت الأضواء كثيرا على لجنة الاتصال العربية الخاصة بسوريا وعلى الدور المناط وأعمالها، وما إذا كانت ستنجح في إحداث خرق عام على المشهد الداخلي البلاد، ولاسيما السياسي منه.

ومع اجتماع أطرافها الستة للمرة الثانية في العاصمة المصرية، الثلاثاء، تثور تساؤلات عما قدمه النظام السوري للدول المعنية بالتواصل معه، سواء على صعيد عملية "خطوة مقابل خطوة"، أو فيما يتعلق بالملفات التي ارتبطت به داخليا، وكان لها ارتدادات واسعة في الخارج

اجتماع اللجنة جاء على هامش جلسة القمة العربية لبحث التطورات المتعلقة بغزة، شارك فيه وزير خارجية النظام، فيصل المقداد ونظرائه في العراق والأردن والسعودية ولبنان ومصر، وبحضور الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط.

وقال بيان نشرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إن "لجنة الاتصال قررت تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الموضوعات التي تتابعها مع سوريا"، وأضاف أيضا أنه "تم التوافق أيضا على أن يكون الاجتماع المقبل في بغداد"، دون تحديد موعد محدد.

وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع الثاني للجنة الاتصال في وقت لاحق من العام الحالي، لكن فشل النظام في الرد على الأسئلة المتعلقة بتهريب حبوب "الكبتاغون" وقضايا أخرى دفع أطرافها إلى تأجيل موعد الانعقاد، كما ورد في تقرير تحليلي نشره "معهد واشنطن"، شهر مايو الماضي.

وأوضح تقرير المعهد الأميركي، قبل 4 أشهر، أن عملية التأجيل لم تكن لمرة واحدة فقط خلال الأشهر الماضية، بل تم اتخاذ قرارها لأكثر من مرة (آخرها في مايو الماضي)، ورغم ذلك "فشل النظام في تقديم رد مكتوب على الأسئلة الموجهة له".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي السوري، عمر كوش، أن اجتماع الثلاثاء يعتبر "روتينيا" كونه انعقد على هامش الجلسة المخصصة لبحث التطورات في غزة، ويرى أنه "لم يسفر عن شيء.. وربما عقد لكي يقال إن اللجنة مازالت حيّة".

ويعتبر كوش في حديثه لموقع "الحرة" أن "لجنة الاتصال دفنت منذ الاجتماع الأول، عندما تبين أن النظام لم يقدم أي شيء على المستوى السياسي أو بخصوص مشكلة اللاجئين وتهريب حبوب الكبتاغون إلى الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن".

ويضيف أن "اجتماع اللجنة السابق كان مقررا في بغداد لكنه ألغي"، وأن "الاجتماع الثاني لا يدخل في أي مسار لعمل لجنة الاتصال بحد ذاتها".

لكن، ومن جهته، يقول المحلل الجيوسياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة إنه "مازالت هناك قناعة واضحة حول رغبة الدول العربية بإعادة دمشق إلى المعسكر العربي".

وبالتالي يضيف السبايلة لموقع "الحرة" أن "كل ما يجري الآن (بما فيها اجتماع لجنة الاتصال) هو عبارة عن استمرار لهذه العملية".

وحتى لو كان المسار العربي مع دمشق بطيئا يشير في المقابل إلى أن "القناعات العربية لم تتبدل ولم تتحول إلى حالات عداء ولم تتحول لقطع علاقات أو تصعيد"، وفق الخبير الأردني.

"خطوة دون خطوات"

وكانت المبادرة التي أدت لعودة النظام السوري "للحضن العربي" تضمنت خمس أولويات أساسية يتعين إنجازها من خلال لجنة الاتصال الخاصة بمواصلة الحوار مع النظام السوري.

وتشمل النقاط الخمس زيادة وتوسيع نطاق تسليم المساعدات الإنسانية في سوريا، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين على نطاق واسع، وإنهاء إنتاج وتصدير المخدرات غير المشروعة من سوريا.

ويضاف إليها ضرورة استئناف عمل اللجنة الدستورية والتوصل لحل سياسي بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فضلا عن إنشاء هيئة أمنية دولية لتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا.

ولم يقدم النظام أي بادرة حتى الآن على صعيد عودة اللاجئين وتهيئة الظروف في البلاد لاستقبالهم بصورة آمنة. ورغم أن وتيرة عمليات تهريب "الكبتاغون" انخفضت نسبيا لا يزال الجيش الأردني يعترض شحنات من الجو والأرض.

وعلى الصعيد السياسي كان النظام اتجه مؤخرا لتنظيم "انتخابات برلمانية"، متجاهلا أصوات ملايين السوريين النازحين في البلاد، واللاجئين في الخارج.

وفي غضون ذلك لم يبد منذ تاريخ اجتماع اللجنة الأول، وحتى الآن، أي موقف إيجابي على صعيد استئناف أعمال اللجنة الدستورية، فيما يصر على ضرورة انعقادها خارج جنيف، بزعم أنها "غير حيادية"، مؤيدا بذلك نظرة موسكو.

ويعتقد الكاتب والصحفي، المقيم في دمشق، عبد الحميد توفيق، أن "الجانب السوري لم يقدم حتى الآن استجابة لما يعلن من متطلبات أو شروط عربية، على كل الصعد".

ويوضح لموقع "الحرة" أن سبب ذلك "ذاتي"، ويتمثل بأن "السلطة السورية لا ترى أنها ملزمة في تقديم مثل هذه القضايا ولا تعتبر أنها الوحيدة المطلوب منها".

كما لا يريد النظام السوري أن يوحي بناء على واقع الحال في سوريا بأنه "ضعيف"، وفق توفيق.

ويشير الكاتب، من جانب آخر، إلى أن "ما يتحدث به بشار الأسد في كثير من الأحيان يؤكد على أن علاقات دمشق الأنجح والأفضل مع الدول العربية يجب أن تكون ذات طابع ثنائي وليس علاقات على مستوى جامعة الدول العربية".

ويبدو أن النظام يدرك هذا الأمر، ووفقا لتوفيق "يريد الأسد أن يحاكي مصالح كل دولة عربية على حدى وبما ترغب به".

"عامل عدم استقرار"

وقبل الاجتماع الثاني للجنة الاتصال العربية أعادت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في المقر الرئيسي بالعاصمة السورية دمشق.

لكن، وفي مقابل ذلك، لم يكن الزخم السعودي منسحبا على بقية الأطراف العربية التي يتولى وزرائها تنفيذ مهمة الحوار الخاصة باللجنة، كالأردن ومصر.

وفي حين أن ذلك يشي بتباين مواقف كل دولة على حدى مع النظام السوري وكما يؤكده الكاتب السوري توفيق سابقا يعتقد الخبير الأردني السبايلة أن المشهد يذهب باتجاه مغاير.

ويقول السبايلة إن "السعودية هي البلد الأهم في السياسة العربية والأثقل والأكبر، والقادرة على توجيه البوصلة"، وإن مشهد افتتاح سفارتها قبل أيام يشير إلى أن "فكرة ضم سوريا للمعسكر العربي ما تزال قائمة".

ومع ذلك يوضح أن "إحداث تغيير حقيقي عربي في العلاقة مع سوريا يظل صعبا اليوم، ولاسيما في ظل المناخ الموجود ومرحلة الحرب التي تعتبر البلاد أحد جبهاتها".

ومن الواضح، حتى الآن، أن النظام السوري وفي الجانب غير المعلن "استطاع إبقاء خطوط التواصل مع الجميع، وأن يقدم شيئا غير منظور، مما يعزز الإيمان لدى البعض من الدول العربية، في موضوع إخراج سوريا من عزلتها"، وفق السبايلة.

لكن الخبير الأردني يضيف أن "المسار سيكون تدريجيا، نظرا لظروف الحرب القائمة في المنطقة".

وتختلف وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي كوش عما أشار إليه السبايلة.

ويعتبر الكاتب أن "النظام يحاول أن يستثمر ويفتح بازار وهمّه الدائم البحث عن منقذ لإخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرته".

وفي ذات الوقت فإن النظام "ليس مستعدا لأن ينخرط بأي حل، باعتبار أن تهريب الكبتاغون يؤمن له ولأزلامه ورموزه وحاشيته مبالغ خيالية"، بحسب كوش.

ويتابع: "بمعنى آخر.. النظام عامل عدم استقرار في المنطقة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لأنه سينتهي وبالتالي هو لا يريد إنهاء نفسه بنفسه".

3 عوامل تُحكم مسار الاتصال

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حضر القمة العربية التي نظمت بشكل استثنائي في الرياض في نوفمبر الماضي، وألقى كلمة حينها أمام الزعماء العرب، أكد فيها أن الانتقال "من حضن لآخر" لا يعني تغيير "انتماء" الإنسان.

وبعدما شكك بفعالية جامعة الدول العربية، آنذاك، شدد على ضرورة تطوير آلية عماها ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها "تماشيا مع العصر"، على حد تعبيره.

ورغم حضوره مجددا في المنامة، مايو الماضي، لم يخصص له وقت لإلقاء الكلمة أمام الزعماء العرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي توفيق أن الواقع يشير إلى أن مجريات العلاقة السورية العربية محكومة بـ3 عوامل.

ويوضح أن الأول "سوري ذاتي داخلي مرتبط بالسلطة السورية والدولة والقيادة".

ويتمثل الثاني، وهو "موضوعي"، بعدم قدرة أي طرف عربي على اتخاذ موقف مشترك، باستثناء الذي تم التعبير عنه شكليا عندما عادت دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

ويتابع توفيق، من نقطة ثالثة، أنه يوجد "عامل آخر حقيقي وواقعي ويحرك كل ما سبق، ويرتبط بالولايات المتحدة  وصراعها القائم مع روسيا في كل ساحات العالم".

وفيما يتعلق بخطوة فتح السفارة السعودية، يعتقد توفيق، المقيم في دمشق، أنه دليل على أن "العلاقات السياسية تنمو وتطرد".

لكنه في المقابل يقول إن الخطوة أمام "سؤال كبير.. ماذا بعد؟ وهل يمكن للسعودية أن تقدم احتياجات تراها سوريا مهمة".

وبالإضافة إلى ما سبق، يبرز سؤال أكبر بحسب تعبير الكاتب السوري هو: هل تستطيع الرياض أن تقدم لدمشق أو تتبنى مواقف قادرة على محاكاة الأميركيين وتليين موقف واشنطن؟

ولا يرى المتحدث "آفاقا كبيرة وواعدة في الاتجاه المذكور، باستثناء احتمال وجود علاقات ثنائية لن تصل لمراحل متقدمة يتمناها الشعب السوري ويبنى عليها أو أن تكون نقطة تحول على الساحة السورية".

"تكتيك"

ومن جهته يوضح الخبير الأردني السبايلة أن ما يفعله النظام عبارة عن "تكتيك".

ويقول إن (الأسد) "يعلم أن إيران لا تستطيع أن تقدمه للمجتمع الدولي وترفع عنه العقوبات، بل تعمّق أزمته".

وبالتالي فإن النظام السوري "بحاجة لنوع من التوازن، لأن الدول العربية وعودته للجامعة جعلت له مساحة لفكرة الانتقال للحديث مع المجتمع الدولي وإزالة العقوبات".

ويضيف السبايلة: "النظام يعلم أن مصلحته الحقيقة في فك العزلة مع الدول العربية وليس مع إيران غير القادرة على مساعدته، ويمارس أيضا ذات السياسة مع تركيا لكن وفقا لشروطه ومصالحه".

والموقف السوري المتعلق بإيران سواء قبل 2011 وما بعد هذا العام ما يزال على حاله، وفق حديث الكاتب توفيق.

ويوضح الكاتب أن "دمشق الآن ما زالت على ثوابتها، ولا تبد أي مرونة في التوجه العربي بالابتعاد عن إيران، لأنها تعتبر ذلك جزءا أساسيا من قرارها السيادي والسياسي".