الجيوش الإلكترونية تنشط لخلق أغلبية وهمية على الإنترنت
الجيوش الإلكترونية تنشط لخلق أغلبية وهمية على الإنترنت

صدرت دراسة جديدة في لبنان، تلحظ الجدل الافتراضي الذي أثارته قضية التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت وشخص المحقق العدلي المكلف بالملف طارق بيطار، على موقع تويتر، من خلال تحليل عينة ضخمة من التغريدات والحسابات، تظهر كيف خيضت واحدة من أعنف معارك التأثير على الرأي العام التي شهدها لبنان في الآونة الأخيرة، ومن شارك بها ومن أي دولة وبأي أساليب وتقنيات.

الدراسة التي أعدها رئيس قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا واستاذ استراتيجيات التسويق الرقمي وتحليل الشبكات الاجتماعية في جامعة القديس يوسف، نصري مسرة، بالشراكة مع مؤسسة سمير قصير، خلصت إلى نتائج تظهر أن الاهتمام بقضية القاضي بيطار تخطت الدائرة المحلية في لبنان وتشعباتها في محيطه، ليتحول إلى جدال إقليمي شاركت به حسابات وأشخاص من نحو ١٠٠ دولة حول العالم، واستنفرت جيوش إلكترونية بتقنيات متقدمة للتأثير على الرأي العام.

وكان مجلس القضاء الأعلى اللبناني قد عين القاضي طارق بيطار في 20 فبراير 2021، خلفًا للقاضي فادي صوّان لتولّي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 أغسطس 2020.

تحقيقات بيطار أوصلته إلى إصدار مذكرات استدعاء بحقّ شخصيات سياسية بارزة بهدف استجوابهم، بمن فيهم رئيس مجلس الوزراء السابق حسان دياب، والنواب والوزراء السابقون نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر، والوزير السابق يوسف فنيانوس وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين.

تخلّف معظم هؤلاء المسؤولين عن الحضور للاستجواب، بدعم سياسي من أحزابهم والجهات المحسوبين عليها، حيث جرى استغلال الحصانات البرلمانية أو الإدارية، لتفادي التجاوب مع التحقيق، وجرى منذ نحو عام إلى اليوم، استخدام كافة الثغرات القانونية بهدف عرقلة التحقيق وكف يد القاضي عن التحقيق.

وبلغت الضغوط حد تهديد حزب الله المباشر لبيطار بـ "قبعه" من منصبه، وتعطيل مجلس الوزراء عبر عدم المشاركة في جلساته إلى حين إيجاد حل مع القاضي، ووصلت التطورات إلى حد التصعيد في الشارع حين نظّم مناصرو "أمل" و"حزب الله" احتجاجات دعوا فيها إلى تنحية القاضي بيطار، تطورت إلى اشتباكات دامية استُخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، في بات يعرف بـ "أحداث الطيونة"، التي استغلها حزب الله أيضاً لتحميل بيطار المسؤولية والمطالبة بتنحيته.

"تدخل أجنبي"

وبتحليل 38,500 تغريدة و ردّ وإعادة تغريد، قام بها 17,771 مستخدمًا في الفترة ما بين 12 و16 أكتوبر 2021 باستخدام توليفات الكلمات التالية: "طارق والبيطار، طارق وبيطار، قاضي وبيطار، TarekوBitar، مرفأ وبيطار، مرفأ وقاضي"، يتبين أن 42% من المستخدمين الذين أضافوا بلد إقامتهم إلى حساباتهم قالوا إنهم يقيمون في بلدان غير لبنان، يزيد عددها عن المائة بلد.

الدراسة استطاعت تحديد البلدان التي يتواجد فيها 617,7 ً مستخدما، في حين أن باقي المستخدمين وعددهم 154,10 ُ لم يكتبوا موقعهم أو استخدموا معلومة مبهمة أو عديمة الصلة بالموقع. وتلحظ الدراسة في مطلعها نقطتين لافتتين، الأولى في عدد قادة النقاش غير اللبنانيين وقوة تأثيرهم، والثانية في موقع تواجدهم.

يؤكد الدكتور مسرّة في حديثه لموقع "الحرة" أن حجم ما أسماه "التدخل الخارجي" كان بالغ الوضوح والتأثير حول قضية المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، طارق البيطار، اذ كشفت الدراسة وجود مجموعات من خارج لبنان تتفاعل مع هذه القضية بشكل قوي جداً، "وهنا لا نتحدث عن لبنانيين في الخارج وإنما أفراد ومجموعات من دول أخرى، بعضهم صحفيين وبعضهم الآخر مؤثرين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي."

ويضيف مسرة "هناك مجموعة سعودية كبيرة جدا، وهي ثاني أكبر مجموعة من الحسابات بعد المجموعة اللبنانية، معظم حسابات هذه المجموعة تعود لسعوديين، كما تبين بالبحث لدينا ان هناك لبنانيين في الخارج، إضافة إلى العديد من البلدان الأخرى كالولايات المتحدة ومصر والإمارات وفرنسا، وفيما تحدد حسابات انها من فلسطين، حسابات أخرى تعلن انها في إسرائيل وتستخدم اللغة العبرية في كتاباتها."

تقنيات غير تقليدية

أما ثاني أبرز الاستنتاجات التي خلصت إليها الدراسة، كانت رصد أدوات غير تقليدية استخدمت في إدارة حملات منظمة للتأثير على الرأي العام عبر موقع تويتر. ويؤكد المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، جاد شحرور، أن الدراسة أظهرت أن "التغريدات لم تكن مجرد آراء لأصحابها، وإنما حملات منظمة بالتوقيت والمواد المستخدمة والأدوات وحتى المضمون وتحريره."

والمقصود بهذه الأدوات، بحسب مسرّة، هي برامج النشر والجدولة وتقنيات التحكم والمراقبة للحسابات والتغريدات، وإمكانية استخدام اكثر من حساب للتغريد والنشر والتفاعل، و"بالتالي كل ما هو غير الهاتف المحمول والحواسيب التي تستخدم تويتر مباشرةً"، وهذه الأدوات عادة ما تستخدم في الحملات المنظمة من قبل الشركات ومجموعات الضغط والأحزاب والحكومات.

3.13% من التغريدات نُشرت باستخدام أدوات احترافية، وفقاً للدراسة التي رأت أن استخدام الأدوات الاحترافية غير مستغرَب على الإطلاق، نظرًا إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من استراتيجيات التواصل، "إلا أن هذا الاستنتاج يُثبت أن التغريدات ليست جميعها تصريحات حقيقية، بل إن بعضًا منها مُعدّ بشكل مدروس من حيث المحتوى، وخصائص المرسل، والنشر."

325 حساباً تستخدم Tweet Deck وهي أداة مجانية للرصد والنشر من تطوير تويتر، تُتيح للمستخدمين مراقبة عدة حسابات، أو قوائم، أو هاشتاغات، أو القيام بالبحث والنشر بشكل لحظي من حساب واحد أو أكثر وكذلك استُخدم 129 حسابا للتغريد بواسطة Studio Media Twitter، وهي منصة لإدارة محتوى تويتر، وقياسه، وتحقيق الأرباح منه.

وتشمل الأدوات الأخرى خيارات مثل Tweetbot، وSpringlr، والنشر المباشر من WordPress، و inc. Hootsuite، وio.Publr ، و SocialFlo ، ً وأدوات أخرى مملوكة فقط لمؤسسات إعلامية.

وكان لافتاً في الدراسة، وفقاً لمعدها، أن الجزء الأكبر الذي استخدم هذه الأدوات، محسوب على المجموعة المعترضة على البيطار، أي المحسوبة على حزب الله، "وهذا ما يشير إلى أن هذه المجموعة كانت الأكثر تنظيما وامتلاكاً للقدرات التقنية."
حيث وجدت الدراسة أن 1.58% من تغريدات مجموعة المجتمع المدني نُشرت بواسطة أدوات احترافية، مقارنة بـ3.84% من تغريدات مجموعة المملكة العربية السعودية، وتقفز هذه النسبة إلى 13.62% في مجموعة مناصري "حزب الله".

"حزب الله" يستنفر جيشه الإلكتروني

بحسب ما يؤكد شحرور، "هناك دوراً أساسيا باتت تلعبه الجيوش الإلكترونية التابعة لحزب الله والدائرة في فلك محور الممانعة"، ويضيف أنه خلال العام الماضي، ومروراً بأكثر من قضية، باتت هذه الجيوش تستخدم كأداة أساسية في الحرب على الرأي الآخر ومعارك الرأي العام، "وتقوم بمهمات وأمور مؤذية فعلاً، على سبيل المثال سبق أن قمنا بدراسة حول التفاعل مع قضية اغتيال الناشط لقمان سليم، وكان واضحا الدور الذي لعبته هذه الجيوش الإلكترونية في تدوير الأفكار وتبرير فعل الاغتيال، وعادة ما يستخدم حزب الله جيوشه الالكترونية في سبيل إما تبرير أفعاله أو قراراته السياسية."

شحرور يلفت أيضاً إلى أنه وعقب كل خطاب لزعيم حزب الله حسن نصر الله تناول فيه القاضي طارق بيطار، كان يتم استخدام أدوات الجيوش الالكترونية بشكل كبير، وسرعان ما يتم السيطرة على "الترند" في لبنان، حيث يستخدم حجم كبير من التغريدات المنسوخة، ويجري استنهاض كافة المؤثرين والشخصيات الإعلامية والسياسية المحسوبة على حزب الله، "وفي هذا السياق تعمل هذه المجموعات على شكل بلوكات موحدة تغرد كل منها حول تفصيل معين ضمن القضية المطروحة، أو رسائل محددة يراد تعميمها ونشرها."

هذه السلوكيات جرى رصدها من خلال المنهجية المعتمدة بالدراسة والتي ترتكز، بحسب الدكتور مسرّة، على مبادئ علم الاجتماع، حيث تدرس كيفية تفاعل الحسابات عبر تويتر مع بعضها البعض وتأثير كل شخصية على مجموعة متابعيها، وهذا ما يظهره "السوشال غراف ثيوري" لتواصل هذه الحسابات مع بعضها البعض، وطبيعة العلاقة فيما بينها، وبالتالي بين الجهات التي تعمل عليها.

ووفقا لهذه المعايير، قسمت الدراسة الحسابات المختارة إلى مجموعات بحسب طريقة تفاعلهم مع بعضهم البعض، وهذا المعيار في التحليل يظهر هوية هذه المجموعات وآلية عملها ونمط سلوكهم بين التأثير والتأثُر، حيث تبين وجود 540 مجموعة مختلفة وغالبيتها تضم أقلّ من عشرة مستخدمين، إلا أن التحليل في الدراسة ركّز على المجموعات التي تضم أكثر من 100 مستخدم.

توزيع أنظمة التشغيل المستخدمة في إدارة الجيوش الإلكترونية

كما استعرضت الدراسة أبرز الشخصيات المؤثرة في هذه القضية والتي نالت تغريداتها أكبر نسبة تفاعل، وضمن اللائحة إعلاميين وناشطين بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية وشخصيات سياسية، على كلا الجانبين المؤيد والمعارض لبيطار.

وفي دلالات ذلك، يرى شحرور أن المعارك السياسية تتطور في لبنان وتتطور ادواتها، فالمواجهات التي كانت تدور في الشارع وعبر الخطابات والبرامج الحوارية، تطورت وانتقلت اليوم إلى مواقع التواصل، "الأمر الذي يمنح وصولاً لهذه الجيوش الإلكترونية إلى كل فرد في كل بيت وفي أي مكان بهدف التلاعب بالرأي العام."

في الوقت نفسه فٌن هذا الأسلوب يعبر عن افلاس لدى حزب الله، "فهذه المعركة لا تشهد نقاشاً سياسياً جدياً ولا تجد لدى هذا الجمهور رأياً حقيقياً، وإنما خطاب كراهية وتخوين وتحريض، صادر عن حسابات وهمية وبرمجة مسبقة، ويظهر هذا الأمر مع كل حملة تشنها هذه الحسابات على شخص ما، كما جرى مع الممثل الكوميدي حسين قاووق منذ مدة، أو مع الإعلامية داليا أحمد مؤخراً، اللغة نفسها والتقنيات نفسها وبالأسلوب المعتمد، تخوين وشتم وتحريض وعنصرية دون أي نقاش حقيقي أو رأي سياسي أو فكري."

أكثرية وهمية

تخلص الدراسة إلى أن أغلبية واضحة من الشخصيات المؤثّرة والأطراف الفاعلة المحلية والدولية تُصوّر القاضي بيطار على أنه رمز العدالة، وتتّهم “حزب الله” بمحاولة وقف التحقيق. ومن جهة أخرى، فإن 12.75% فقط من العيّنة المدروسة تؤيد اتهامات “حزب الله” بحقّ القاضي بيطار، إلّا أنّ العدد الكبير للناشرين البارزين في المجموعة المؤيدة لـ "حزب الله” يقود مستخدم تويتر العادي إلى الاعتقاد بأن هذه المجموعة أكبر بكثير وأكثر تأثيرًا مما هي عليه فعليًا.

وحول هذه الخلاصة يشرح مسرّة نظرية في علم الاجتماع تسمى "ماجوريتي إلوجن" (وهم الأكثرية)، ومبدؤها يقوم على فكرة أنه يمكن لأقلية في المجتمع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أن توحي بأنها أكثرية، من خلال توزعها على أكثر من فقاعة وفئة اجتماعية، وقد أظهرت أكثر من دراسة على هذه المجموعة، المعارضة للبيطار، في أكثر من محطة وجدل، أنها فعلا أقلية، ولكن موزعة بشكل مدروس وذكي على كل الشرائح الاجتماعية والمناطق والبيئات وحتى مجالات العمل، مما يوحي بأن جميع الفئات تفكر بهذه الطريقة وبأنهم أكثرية.

لذا لا تجد في هذه المجموعة مؤثر واحد ومتابعين له، بل قد تجد ٢٠ مؤثراً كل في شريحته الاجتماعية يبث الخطاب نفسه، بحسب معد الدراسة، بعكس المجموعة المحسوبة مثلا على رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، التي تضم مؤثرا أو ٢ والباقي يتفاعل ويعيد كلامهم، كذلك مجموعة المجتمع المدني، فهذه المجموعات عادة ما تترابط مع بعضها وتتفاعل مع بعضها ويبقى تأثيرها منحصر فيها، رغم أن مجموعة المجتمع المدني كانت الأكبر في لبنان

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.