الجيوش الإلكترونية تنشط لخلق أغلبية وهمية على الإنترنت
الجيوش الإلكترونية تنشط لخلق أغلبية وهمية على الإنترنت

صدرت دراسة جديدة في لبنان، تلحظ الجدل الافتراضي الذي أثارته قضية التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت وشخص المحقق العدلي المكلف بالملف طارق بيطار، على موقع تويتر، من خلال تحليل عينة ضخمة من التغريدات والحسابات، تظهر كيف خيضت واحدة من أعنف معارك التأثير على الرأي العام التي شهدها لبنان في الآونة الأخيرة، ومن شارك بها ومن أي دولة وبأي أساليب وتقنيات.

الدراسة التي أعدها رئيس قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا واستاذ استراتيجيات التسويق الرقمي وتحليل الشبكات الاجتماعية في جامعة القديس يوسف، نصري مسرة، بالشراكة مع مؤسسة سمير قصير، خلصت إلى نتائج تظهر أن الاهتمام بقضية القاضي بيطار تخطت الدائرة المحلية في لبنان وتشعباتها في محيطه، ليتحول إلى جدال إقليمي شاركت به حسابات وأشخاص من نحو ١٠٠ دولة حول العالم، واستنفرت جيوش إلكترونية بتقنيات متقدمة للتأثير على الرأي العام.

وكان مجلس القضاء الأعلى اللبناني قد عين القاضي طارق بيطار في 20 فبراير 2021، خلفًا للقاضي فادي صوّان لتولّي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 أغسطس 2020.

تحقيقات بيطار أوصلته إلى إصدار مذكرات استدعاء بحقّ شخصيات سياسية بارزة بهدف استجوابهم، بمن فيهم رئيس مجلس الوزراء السابق حسان دياب، والنواب والوزراء السابقون نهاد المشنوق وعلي حسن خليل وغازي زعيتر، والوزير السابق يوسف فنيانوس وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين.

تخلّف معظم هؤلاء المسؤولين عن الحضور للاستجواب، بدعم سياسي من أحزابهم والجهات المحسوبين عليها، حيث جرى استغلال الحصانات البرلمانية أو الإدارية، لتفادي التجاوب مع التحقيق، وجرى منذ نحو عام إلى اليوم، استخدام كافة الثغرات القانونية بهدف عرقلة التحقيق وكف يد القاضي عن التحقيق.

وبلغت الضغوط حد تهديد حزب الله المباشر لبيطار بـ "قبعه" من منصبه، وتعطيل مجلس الوزراء عبر عدم المشاركة في جلساته إلى حين إيجاد حل مع القاضي، ووصلت التطورات إلى حد التصعيد في الشارع حين نظّم مناصرو "أمل" و"حزب الله" احتجاجات دعوا فيها إلى تنحية القاضي بيطار، تطورت إلى اشتباكات دامية استُخدمت فيها الأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية، في بات يعرف بـ "أحداث الطيونة"، التي استغلها حزب الله أيضاً لتحميل بيطار المسؤولية والمطالبة بتنحيته.

"تدخل أجنبي"

وبتحليل 38,500 تغريدة و ردّ وإعادة تغريد، قام بها 17,771 مستخدمًا في الفترة ما بين 12 و16 أكتوبر 2021 باستخدام توليفات الكلمات التالية: "طارق والبيطار، طارق وبيطار، قاضي وبيطار، TarekوBitar، مرفأ وبيطار، مرفأ وقاضي"، يتبين أن 42% من المستخدمين الذين أضافوا بلد إقامتهم إلى حساباتهم قالوا إنهم يقيمون في بلدان غير لبنان، يزيد عددها عن المائة بلد.

الدراسة استطاعت تحديد البلدان التي يتواجد فيها 617,7 ً مستخدما، في حين أن باقي المستخدمين وعددهم 154,10 ُ لم يكتبوا موقعهم أو استخدموا معلومة مبهمة أو عديمة الصلة بالموقع. وتلحظ الدراسة في مطلعها نقطتين لافتتين، الأولى في عدد قادة النقاش غير اللبنانيين وقوة تأثيرهم، والثانية في موقع تواجدهم.

يؤكد الدكتور مسرّة في حديثه لموقع "الحرة" أن حجم ما أسماه "التدخل الخارجي" كان بالغ الوضوح والتأثير حول قضية المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، طارق البيطار، اذ كشفت الدراسة وجود مجموعات من خارج لبنان تتفاعل مع هذه القضية بشكل قوي جداً، "وهنا لا نتحدث عن لبنانيين في الخارج وإنما أفراد ومجموعات من دول أخرى، بعضهم صحفيين وبعضهم الآخر مؤثرين وناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي."

ويضيف مسرة "هناك مجموعة سعودية كبيرة جدا، وهي ثاني أكبر مجموعة من الحسابات بعد المجموعة اللبنانية، معظم حسابات هذه المجموعة تعود لسعوديين، كما تبين بالبحث لدينا ان هناك لبنانيين في الخارج، إضافة إلى العديد من البلدان الأخرى كالولايات المتحدة ومصر والإمارات وفرنسا، وفيما تحدد حسابات انها من فلسطين، حسابات أخرى تعلن انها في إسرائيل وتستخدم اللغة العبرية في كتاباتها."

تقنيات غير تقليدية

أما ثاني أبرز الاستنتاجات التي خلصت إليها الدراسة، كانت رصد أدوات غير تقليدية استخدمت في إدارة حملات منظمة للتأثير على الرأي العام عبر موقع تويتر. ويؤكد المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، جاد شحرور، أن الدراسة أظهرت أن "التغريدات لم تكن مجرد آراء لأصحابها، وإنما حملات منظمة بالتوقيت والمواد المستخدمة والأدوات وحتى المضمون وتحريره."

والمقصود بهذه الأدوات، بحسب مسرّة، هي برامج النشر والجدولة وتقنيات التحكم والمراقبة للحسابات والتغريدات، وإمكانية استخدام اكثر من حساب للتغريد والنشر والتفاعل، و"بالتالي كل ما هو غير الهاتف المحمول والحواسيب التي تستخدم تويتر مباشرةً"، وهذه الأدوات عادة ما تستخدم في الحملات المنظمة من قبل الشركات ومجموعات الضغط والأحزاب والحكومات.

3.13% من التغريدات نُشرت باستخدام أدوات احترافية، وفقاً للدراسة التي رأت أن استخدام الأدوات الاحترافية غير مستغرَب على الإطلاق، نظرًا إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا من استراتيجيات التواصل، "إلا أن هذا الاستنتاج يُثبت أن التغريدات ليست جميعها تصريحات حقيقية، بل إن بعضًا منها مُعدّ بشكل مدروس من حيث المحتوى، وخصائص المرسل، والنشر."

325 حساباً تستخدم Tweet Deck وهي أداة مجانية للرصد والنشر من تطوير تويتر، تُتيح للمستخدمين مراقبة عدة حسابات، أو قوائم، أو هاشتاغات، أو القيام بالبحث والنشر بشكل لحظي من حساب واحد أو أكثر وكذلك استُخدم 129 حسابا للتغريد بواسطة Studio Media Twitter، وهي منصة لإدارة محتوى تويتر، وقياسه، وتحقيق الأرباح منه.

وتشمل الأدوات الأخرى خيارات مثل Tweetbot، وSpringlr، والنشر المباشر من WordPress، و inc. Hootsuite، وio.Publr ، و SocialFlo ، ً وأدوات أخرى مملوكة فقط لمؤسسات إعلامية.

وكان لافتاً في الدراسة، وفقاً لمعدها، أن الجزء الأكبر الذي استخدم هذه الأدوات، محسوب على المجموعة المعترضة على البيطار، أي المحسوبة على حزب الله، "وهذا ما يشير إلى أن هذه المجموعة كانت الأكثر تنظيما وامتلاكاً للقدرات التقنية."
حيث وجدت الدراسة أن 1.58% من تغريدات مجموعة المجتمع المدني نُشرت بواسطة أدوات احترافية، مقارنة بـ3.84% من تغريدات مجموعة المملكة العربية السعودية، وتقفز هذه النسبة إلى 13.62% في مجموعة مناصري "حزب الله".

"حزب الله" يستنفر جيشه الإلكتروني

بحسب ما يؤكد شحرور، "هناك دوراً أساسيا باتت تلعبه الجيوش الإلكترونية التابعة لحزب الله والدائرة في فلك محور الممانعة"، ويضيف أنه خلال العام الماضي، ومروراً بأكثر من قضية، باتت هذه الجيوش تستخدم كأداة أساسية في الحرب على الرأي الآخر ومعارك الرأي العام، "وتقوم بمهمات وأمور مؤذية فعلاً، على سبيل المثال سبق أن قمنا بدراسة حول التفاعل مع قضية اغتيال الناشط لقمان سليم، وكان واضحا الدور الذي لعبته هذه الجيوش الإلكترونية في تدوير الأفكار وتبرير فعل الاغتيال، وعادة ما يستخدم حزب الله جيوشه الالكترونية في سبيل إما تبرير أفعاله أو قراراته السياسية."

شحرور يلفت أيضاً إلى أنه وعقب كل خطاب لزعيم حزب الله حسن نصر الله تناول فيه القاضي طارق بيطار، كان يتم استخدام أدوات الجيوش الالكترونية بشكل كبير، وسرعان ما يتم السيطرة على "الترند" في لبنان، حيث يستخدم حجم كبير من التغريدات المنسوخة، ويجري استنهاض كافة المؤثرين والشخصيات الإعلامية والسياسية المحسوبة على حزب الله، "وفي هذا السياق تعمل هذه المجموعات على شكل بلوكات موحدة تغرد كل منها حول تفصيل معين ضمن القضية المطروحة، أو رسائل محددة يراد تعميمها ونشرها."

هذه السلوكيات جرى رصدها من خلال المنهجية المعتمدة بالدراسة والتي ترتكز، بحسب الدكتور مسرّة، على مبادئ علم الاجتماع، حيث تدرس كيفية تفاعل الحسابات عبر تويتر مع بعضها البعض وتأثير كل شخصية على مجموعة متابعيها، وهذا ما يظهره "السوشال غراف ثيوري" لتواصل هذه الحسابات مع بعضها البعض، وطبيعة العلاقة فيما بينها، وبالتالي بين الجهات التي تعمل عليها.

ووفقا لهذه المعايير، قسمت الدراسة الحسابات المختارة إلى مجموعات بحسب طريقة تفاعلهم مع بعضهم البعض، وهذا المعيار في التحليل يظهر هوية هذه المجموعات وآلية عملها ونمط سلوكهم بين التأثير والتأثُر، حيث تبين وجود 540 مجموعة مختلفة وغالبيتها تضم أقلّ من عشرة مستخدمين، إلا أن التحليل في الدراسة ركّز على المجموعات التي تضم أكثر من 100 مستخدم.

توزيع أنظمة التشغيل المستخدمة في إدارة الجيوش الإلكترونية

كما استعرضت الدراسة أبرز الشخصيات المؤثرة في هذه القضية والتي نالت تغريداتها أكبر نسبة تفاعل، وضمن اللائحة إعلاميين وناشطين بالإضافة إلى مؤسسات إعلامية وشخصيات سياسية، على كلا الجانبين المؤيد والمعارض لبيطار.

وفي دلالات ذلك، يرى شحرور أن المعارك السياسية تتطور في لبنان وتتطور ادواتها، فالمواجهات التي كانت تدور في الشارع وعبر الخطابات والبرامج الحوارية، تطورت وانتقلت اليوم إلى مواقع التواصل، "الأمر الذي يمنح وصولاً لهذه الجيوش الإلكترونية إلى كل فرد في كل بيت وفي أي مكان بهدف التلاعب بالرأي العام."

في الوقت نفسه فٌن هذا الأسلوب يعبر عن افلاس لدى حزب الله، "فهذه المعركة لا تشهد نقاشاً سياسياً جدياً ولا تجد لدى هذا الجمهور رأياً حقيقياً، وإنما خطاب كراهية وتخوين وتحريض، صادر عن حسابات وهمية وبرمجة مسبقة، ويظهر هذا الأمر مع كل حملة تشنها هذه الحسابات على شخص ما، كما جرى مع الممثل الكوميدي حسين قاووق منذ مدة، أو مع الإعلامية داليا أحمد مؤخراً، اللغة نفسها والتقنيات نفسها وبالأسلوب المعتمد، تخوين وشتم وتحريض وعنصرية دون أي نقاش حقيقي أو رأي سياسي أو فكري."

أكثرية وهمية

تخلص الدراسة إلى أن أغلبية واضحة من الشخصيات المؤثّرة والأطراف الفاعلة المحلية والدولية تُصوّر القاضي بيطار على أنه رمز العدالة، وتتّهم “حزب الله” بمحاولة وقف التحقيق. ومن جهة أخرى، فإن 12.75% فقط من العيّنة المدروسة تؤيد اتهامات “حزب الله” بحقّ القاضي بيطار، إلّا أنّ العدد الكبير للناشرين البارزين في المجموعة المؤيدة لـ "حزب الله” يقود مستخدم تويتر العادي إلى الاعتقاد بأن هذه المجموعة أكبر بكثير وأكثر تأثيرًا مما هي عليه فعليًا.

وحول هذه الخلاصة يشرح مسرّة نظرية في علم الاجتماع تسمى "ماجوريتي إلوجن" (وهم الأكثرية)، ومبدؤها يقوم على فكرة أنه يمكن لأقلية في المجتمع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، أن توحي بأنها أكثرية، من خلال توزعها على أكثر من فقاعة وفئة اجتماعية، وقد أظهرت أكثر من دراسة على هذه المجموعة، المعارضة للبيطار، في أكثر من محطة وجدل، أنها فعلا أقلية، ولكن موزعة بشكل مدروس وذكي على كل الشرائح الاجتماعية والمناطق والبيئات وحتى مجالات العمل، مما يوحي بأن جميع الفئات تفكر بهذه الطريقة وبأنهم أكثرية.

لذا لا تجد في هذه المجموعة مؤثر واحد ومتابعين له، بل قد تجد ٢٠ مؤثراً كل في شريحته الاجتماعية يبث الخطاب نفسه، بحسب معد الدراسة، بعكس المجموعة المحسوبة مثلا على رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، التي تضم مؤثرا أو ٢ والباقي يتفاعل ويعيد كلامهم، كذلك مجموعة المجتمع المدني، فهذه المجموعات عادة ما تترابط مع بعضها وتتفاعل مع بعضها ويبقى تأثيرها منحصر فيها، رغم أن مجموعة المجتمع المدني كانت الأكبر في لبنان

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.