القارب غادر المياه اللبنانية وفقد الاتصال به بعد ذلك
القارب غادر المياه اللبنانية وفقد الاتصال به بعد ذلك

قارب هجرة لبناني جديد غدره الحظ، انقطعت به السبل في عرض البحر، ما يزيد عن الـ 50 راكباً على متنه مصيرهم مجهول حتى الساعة، بالدموع والأنين حاولت عائلاتهم إيصال صرختها إلى المسؤولين، علّهم يتحركون وينقذون أبناءهم قبل أن ينقض عليهم الموت.

منتصف ليل الأربعاء من الأسبوع الماضي، كانت نقطة الصفر لانطلاق القارب من على شاطئ العبدة، دار المحرك معلنا بداية الإبحار نحو الحلم الكبير لمن على متنه، والمتمثل بالوصول إلى إيطاليا وبناء مستقبل لطالما خططوا له في مخيلتهم، بعدما عجزوا في وطنهم عن تأمين لقمة عيشهم نتيجة أسوأ أزمة اقتصادية يمر بها بلدهم.

قطع القارب المياه الإقليمية اللبنانية، اقترب الركاب من تحقيق حلمهم أكثر فأكثر، وإذ فجأة يتعطّل المحرك، "هو احتمال لم يكن مستبعداً، لذلك كان يوجد ميكانيكي بين الركاب للتدخل في مثل هذه الحالة"، بحسب ما يقوله رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار ببنين، زاهر الكسار، شارحاً في حديث لموقع "الحرة" أنه "تم إصلاح العطل ومعاودة الانطلاق، إلا أنه للأسف فرحة الركاب لم تكتمل، إذ عاد المحرك للتعطّل من جديد، وهذه المرة فشل الميكانيكي في إصلاحه، ليبدأ الكابوس المرعب، لهم ولعائلاتهم التي فقدت الاتصال بهم".

تتصدر قوارب الهجرة غير الشرعية الأخبار في لبنان في الآونة الأخيرة، سواء من خلال البيانات التي تصدرها السلطات اللبنانية أو من خلال تداول صور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لمهاجرين خلال رحلة إبحارهم، منهم من وصلوا إلى وجهتهم، ومنهم من غادروا المياه الإقليمية وواجهوا صعوبات حالت دون تمكنهم من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، ومنهم من لم يتمكن حتى من مغادرة المياه الإقليمية بعد توقيف الجيش اللبناني لمركبهم.

أعلنت السلطات اللبنانية في الأسبوعين الماضيين عن إحباط عدة محاولات هجرة عبر البحر، آخرها كان في الأمس حيث ذكر الجيش اللبناني أنه "نتيجة عملية رصد ومتابعة لمحاولة تهريب أشخاص عبر البحر بطريقة غير شرعية مقابل بلدة العريضة- عكار، تمكنت القوات البحرية من الوصول إلى المركب المستعمَل للتهريب على بُعد ٦ أميال بحرية عن الشاطئ".

وأضاف بيان الجيش "تبين أن المركب أصيب بعطل في وقت سابق، وعلى متنه 55 شخصاً بينهم امرأتان حاملان وطفلان. كما أن ربانه غادره على متن زورق قبل وصول الجيش، وقامت القوات البحرية بسحب المركب نحو الشاطئ، وبوشر التحقيق بإشراف القضاء المختص".

الأمل الوحيد

يوم الاثنين الماضي كان آخر اتصال تلقاه أهالي ركاب القارب من أبنائهم، حيث أطلعوهم بتعطل المحرك وبأنهم على مقربة من جزيرة كريت اليونانية، وبعدها كما يقول خالد جوهر فقد الاتصال بهم، من دون أن يتمكن حتى الآن من الاطمئنان على ابنه القاصر محمد، الذي أصر على الهجرة هرباً من بلد يعجز فيه المواطن عن تأمين أبسط مقومات الحياة.

حاول خالد كثيراً إقناع ابنه بالعدول عن فكرته، وإكمال دراسته بعد رسوبه في صف الثاني ثانوي، إلا أن جوابه كان دائماً "أي مستقبل في هذا البلد، فحتى لو حصلت على شهادة لن أتمكن من العثور على وظيفة" كما كان يتوجه إلى والده بالقول "لماذا لا تريدني أن أهاجر في وقت لا تستطيع أن تؤمن الطعام لنا، وتعجز عن إعطائي 50 ألف ليرة"، عندها أجبر خالد كما يشير إلى السكوت والقبول بالأمر الواقع.

أصبحت "قوارب الموت" الأمل الوحيد للنجاة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مأساوية، ويقول خالد لموقع "الحرة" "بات كل همّ محمد ابن الـ 17عاماً، أن يتمكن من حجز مقعد له على قارب هجرة، في وقت لا يملك ليرة واحدة لدفع ثمن الرحلة، حاول كثيراً الوصول إلى هدفه ونجح في ذلك، وقبل أن يودعنا عملت كل ما في وسعي لكي يبقى إلى جانبي وجانب شقيقه ذات الثماني سنوات الذي يعاني من مشكلة سمعية، أطلعني أن ما يقوم به هو من أجل انتشالنا جميعاً من الواقع المذري الذي نحن فيه".

معاناة المهاجرين غير الشرعيين تتواصل، وقبل أيام أعلنت قيادة خفر السواحل التركية العثور على ست جثث لمهاجرين غير نظاميين (رضيعان، امرأة، ثلاثة أطفال) قضوا جراء غرق قاربهم في بحر إيجه، فيما تمكنت من إنقاذ 73 مهاجرا كانوا ضمن المجموعة على متن أربع طوافات نجاة، وفي بيان لها شرحت أن فرقها "هرعت لإنقاذ مهاجرين بعدما تلقت بلاغا، بوجود مجموعة منهم قبالة شواطئ مرمريس بولاية موغلا، جنوب غربي البلاد". 

على متن القارب المفقود الاتصال به الآن 55 شخصاً كما يقول خالد "بينهم أطفال ورضع، ورقيب أول في قوى الأمن الداخلي، هرب من موطنه بعدما كان أحد حماته، وذلك نتيجة تدني قيمة راتبه الذي لا يصل إلى 50 دولار شهرياً اثر تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية أمام العملة الخضراء، فكيف سيتمكن من تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من ثلاثة أولاد مرضى، من هنا بدلاً من أن يموت في اليوم آلاف المرات نتيجة عجزه أمامهم، قرر منازلة الموت دفعة واحدة، فإما أن ينتصر عليه ويصل إلى ضفة الأمان، أو يعلن هزيمته".

يتابع رئيس الهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير قضية القارب المفقود، إلا أنه كما يقول "لا يوجد أي اتصال مع من هم على متنه، في العادة نتواصل مع من يواجهون مثل هذه الحالة عبر جهاز الثريا الذي يعمل خارج المياه الإقليمية، لكن حتى اللحظة لم نتمكن من التأكد فيما إن كان هناك قارب تائه في عرض البحر ومكانه" مضيفاً في حديث لموقع "الحرة" "تواصلنا مع وزارة الخارجية اللبنانية إلا أن لا معطيات لديها، مع العلم أنه يفترض أن يتواصل وزير خارجية لبنان مع وزيري خارجية اليونان وإيطاليا لإنهاء الموضوع".

من جانبه أكد خالد أنه "يوجد جهاز ثريا على متن القارب، لكن بعد فقدان الاتصال بالركاب لا نعلم ماذا حصل به، فيما إن تعطل أم تم توقيف أبنائنا من قبل خفر سواحل الدولة القريبين منها، في وقت لم يتواصل معنا أي من المسؤولين اللبنانيين وحتى الجيش اللبناني للاستفسار عن القضية، رغم أننا اعتصمنا ليل أمس وقطعنا أوتوستراد العبدة، ما يشعرنا أننا نعيش في غابة وليس في دولة".

أما وزارة الخارجية اللبنانية فأكدت لموقع "الحرة" أنها تتابع القضية، وقد كلفت سفيرة لبنان لدى قبرص كلود حجل بالمهمة.

يعمل خالد في إحدى المكتبات في مدينة طرابلس، في حين يسكن في مسقط رأسه بلدة ببنين العكارية، ويشدد "جزء كبير من راتبي يذهب بدل نقل، وما تبقى منه بالكاد يكفي لتلبية بعض احتياجات عائلتي، كما أني ملزم بتأمين 100 دولار شهريا بدل نقل ابني المريض من وإلى مدرسته التي تعنى بحالته، و50 دولار ثمن بطاريات لجهاز السمع الخاص به، ويساعدني في ذلك بعض من أصحاب الأيادي البيضاء".

أحلام خلف القضبان

"أمور عدة تجمع المهاجرين على متن "قوارب الموت"، على رأسها المعاناة وإغلاق كل الأبواب أمامهم، ليبقى البحر هو الوسيلة الأخيرة أمامهم لتغيير ظروف حياتهم" بحسب ما يقوله المختار الكسار مشيراً إلى أن "عدداً كبيراً من الذين على متن القارب هم من بلدة ببنين العكارية، معظمهم يعاني أبناؤهم أو أحد والديهم أو كليهما من ظروف صحية تتطلب مبالغ كبيرة لعلاجهم، في بلد يقتصر فيه الاستشفاء على الطبقة الغنية التي تبقت بعد الأزمة الاقتصادية".

يناشد ركاب القارب كما يقول المختار "الدول الأوروبية والأمم المتحدة لإنقاذهم، ولا يناشدون أي من المسؤولين اللبنانيين كونهم السبب بما هم فيه الآن"، لافتا إلى أنه "تم التواصل مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، أما وزارة الخارجية اللبنانية والتي يقع على عاتقها بشكل أساسي متابعة القضية، فتتحجج كل مرة بأن هجرة الركاب غير شرعية، وذلك للتهرب من مسؤوليتها، في وقت يعجز فيه اللبناني عن الحصول على جواز سفر لمغادرة وطنه بطريقة شرعية".

الأمر لا يقتصر كما يقول المختارعلى من يواجهون الموت في عرض البحر، بل كذلك على قضية مهمة جدا تتعلق باللبنانيين الذين تم توقيفهم وسجنهم في اليونان، متسائلاً "لماذا يجري تعزيز وتكريم اللاجئ السوري والفلسطيني هناك على عكس اللبناني الذي يواجه عقوبات قاسية لاسيما إن تم اتهامه بالإتجار بالبشر، من دون أن نسمع تصريحاً واحداً من وزير الخارجية اللبناني تعليقاً على هذه الكارثة"؟

خالد برغل واحد من اللبنانيين، الذين غدرهم البحر رامياً بهم خلف قضبان سجون اليونان، هو الذي اتخذ قرار الهجرة، من أجل تأمين مصاريف علاج والده المصاب بالسرطان، وإذ به كما تقول والدته عايدة يجد نفسه متهماً بمعاونة قبطان القارب من خلال مساعدة الركاب بتقديم الطعام والشراب لهم، وذلك نتيجة إفادات ركاب سوريين كانوا معه في الرحلة.

في 27 أغسطس الماضي صعد برغل إلى القارب، وكله أمل أن تكون الخطوة الأولى في طريق تحقيق أحلامه، من دون أن يتوقع أنه سيندم على اللحظة التي اتخذ فيها قراره بالابتعاد عن والديه ووطنه، تقول والدته والألم يعتصر قلبها "وكأنه لا يكفيني ما عاشته من رعب على وحيدي على ابنتين، بعدما تعطل بهم القارب وتاهوا في البحر لنحو 11 يوماً، لنبدأ بمناشدة المسؤولين اللبنانيين التحرك لإنقاذهم، وبعد أن وصلوا إلى اليونان أوقفته السلطات في السابع من سبتمبر في جزيرة كريت مع ستة أشخاص آخرين، قبل أن تنقله في الثاني عشر منه إلى سجن في أثينا".

تواصل برغل مع والدته عبر الهاتف خلال توقيفه في جزيرة كريت، كان في حالة انهيار، لم يكف عن البكاء، هو الذي لم يبتعد يوما عن والديه، وإذ به يجد نفسه سجيناً خلف البحار، تقول عايدة لموقع "الحرة"، "كان يعمل في قطف الزيتون وجمع الحديد، كي لا نموت جوعاً، سافر كي لا يضطر يوما ما إلى السرقة أو أن يجد نفسه من حيث لا يدري إرهابياً".

ترقب وخشية

يوم الجمعة الماضي انطلق قارب من شاطئ المنية شمال لبنان، فتعطل قرب قبرص، وبعد استغاثة ركابه تم نقلهم على متن سفينة إلى تركيا على الرغم من إصرارهم على إكمال رحلتهم إلى أوروبا، هم الآن يواجهون مصيرا مجهولا، لا يعلمون إن كانوا سيتمكنون من تحقيق حلمهم بالوصول إلى الشواطئ الإيطالية، أم أن المبالغ المالية التي دفعوها لحجز مقعد لهم على متن القارب والتي تصل إلى 7 آلاف دولار على الشخص، (حيث باع بعضهم كل ما يملك في سبيل تأمين المبلغ)، ستذهب سداً.

إذا كان المختار الكسار ضد الهجرة غير الشرعية، إلا أنه في ذات الوقت كما يقول "يهرب هؤلاء من الحرب الاقتصادية التي يشنها المسؤولون علينا، من وزير الاقتصاد الذي حرم الناس رغيف الخبز المفقود من الأفران رغم رفع سعره، إلى وزير الكهرباء الذي لم نر النور منذ توليه منصبه، إلى وزير التربية الذي يغض النظر عن المدارس التي تفرض الأقساط بالدولار الفريش، في حين يعجز الآباء عن تأمين ليس قسط المدرسة فحسب، بل حتى تسجيل أولادهم في باص للنقل، إلى بقية من هم في السلطة المشاركون بطريقة أو بأخرى بإفقار الشعب".

ويشدد "كفى، طفح الكيل من المسؤولين اللبنانيين غير المبالين بكل ما يدور حولهم، وإذا استمروا على هذا النحو لن يجدوا قريباً من يحكمونه".

مرّ عيد ميلاد برغل الـ 19 وهو على متن القارب تتقاذفه الأمواج، لم تتمكن والدته من معايدته، وما تخشاه الآن أن تطول أيام فراقهما عن بعضهما البعض، لا سيما وأنها لا تملك المال لتوكيل محام للدفاع عنه، وتشدد "من أين لي آلاف الدولار لذلك، ولو كان لدينا مال لما اضطر وحيدي إلى رمي نفسه للمجهول عندما سنحت له الفرصة بالصعود مجاناً على متن القارب".

"لا أحد يمكنه أن يشعر بمدى الألم الذي يعانيه أهالي الركاب العالقون في وسط البحر" كما يشدد خالد جوهر، لافتا إلى أنه "هو أصعب موقف واجهته في حياتي، منذ مغادرة ابني المنزل لم يطرق النوم بابي، أترقب أي خبر يطمئنني عنه، وسط الخشية من وقوع أي مكروه له ولمن معه على متن القارب، وكل ما أتمناه الآن معرفة مصير فلذة كبدي، فيما إن كان لا يزال المركب عالق في البحر أم تم إنقاذه".

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".