مبنى وزارة التربية والتعليم في بيروت. أرشيف
مبنى وزارة التربية والتعليم في بيروت. أرشيف

أثار وزير التربية اللبناني، عباس الحلبي، موجة غضب عارمة لدى الرأي العام، على خلفية قرار هو الأول في نوعه في تاريخ البلاد، يقضي بوقف عمل المعلمة نسرين شاهين، رئيسة اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في التعليم الرسمي الأساسي، التي تعتبر من أبرز الوجوه النقابية التعليمية في السنوات الماضية، واشتهرت بمواقفها الإعلامية الشرسة دفاعا عن حقوق الأساتذة والمعلمين في التعليم الرسمي في لبنان.

وطالت الوزير انتقادات واسعة ومطالبات له بالاستقالة، من قبل نشطاء لبنانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما اتُهم بأن قراره ناجم عن أحقاد شخصية ورغبة بالتشفي من شاهين التي كانت طيلة الفترة الماضية ترفع الصوت، وتضيء على ملفات فساد وهدر وسوء إدارة في وزارة التربية، مطالبين بتكريمها بدلا من طردها.

وطلب الوزير بقراره، الموجه إلى مدير عام التربية في الوزارة، عماد الأشقر، "عدم تجديد التعاقد للعام الدراسي 2022 – 2023، وللأعوام اللاحقة، مع السيدة نسرين شاهين، لانتفاء الحاجة إلى خدماتها".

قرار "عدائي"

"هكذا، وبشحطة قلم، قرر الوزير أن ينهي 11 عاما من تعاقدي" تقول شاهين، التي تدرس اللغة الفرنسية، وتضيف "تلقيت اتصالاً هاتفياً من مدير مدرسة شكيب إرسلان الرسمية، يطلب مني الحضور إلى المدرسة، لاستلام القرار الصادر عن وزارة التربية، فيما جرت العادة أن يصدر هذا النوع من القرارات عن المدرسة، فإذا ما كان الأستاذ قد أخطأ بأمر معين أو عليه علامة استفهام معينة، يتم عرضه على التفتيش التربوي، أو يخضع لمجلس تأديبي، لكن كل ذلك لم يحصل".

وتشير في حديثها لموقع "الحرة" إلى أن الوزير "لم يحترم عمل المؤسسات، حيث كان يفترض أن يخضع لحاجة المدارس فيما إذا كان هناك فعلاً انتفاء للحاجة، ينقل الأستاذ إلى مدرسة أخرى لديها حاجة، كان يفترض أن يطلب من المنطقة التربوية التي تعمم على المدارس التي تدرس الحاجة، ومدرستي خصوصا تضم 1300 طالب، وهو عدد كبير، وأنا أعطي نصاب كامل 28 حصة، فيما الوزير نفسه يقول في كل تصريحاته إن هناك نقص أساتذة في التعليم الرسمي".

وتتابع "اختارني شخصياً من بين 20 ألف متعاقد، دون أي أحد آخر، فيما يتضح من تاريخ قراره أنه صادر من شهر أغسطس، انتظر حتى أول يوم دراسة ليتم تبليغي إياه، ما يظهر بوضوح أن القرار شخصي وحقود وعدائي تجاهي".

أحرجتهم.. فأخرجوها؟

موقف الوزير يعود بحسب شاهين إلى تجرؤها على فتح ملفات معينة تحدثت بها على الإعلام وسلطت الأضواء عليها، وتسببت بإحراج المسؤولين عنها، "خاصة في قضية تعليم اللاجئين، وملاحقة مصير أموال الدول المانحة للمشاريع التربوية في لبنان والمساعدات المقدمة للأساتذة".

وتوضح أن كل هذه الملفات "وصلنا إليها خلال بحثنا عن أموالنا ومستحقاتنا، حيث رحنا نبحث عن مداخيل الوزارة والمنح التي تتلقاها، وعاينا كثيرا من التجاوزات والاستفهامات وارتكابات بلا محاسبة، وملفات فساد عالقة وعمليات نهب وسرقة، لا سيما قضية الحواسيب المحمولة، وقصة الموظفين في الوزارة الذين يتقاضون أجورهم بالدولار من أموال الدول المانحة لمشاريع تعليمية في لبنان، فيما هم موظفين لوزارة التربية ويعملون مع المنظمات الدولية في نفس الوقت".

وتضيف "أما القضية الأخيرة التي طرحتها كانت قضية عدم دفع بنك bbac لحوافز المعلمين بالدولار، في حين أن الوزير هو عضو مجلس إدارة في هذا المصرف، وعلمت أن محاولة تنظيمي لتحركات أمام فروع المصرف أغضبته بشكل خاص، حيث اضطر المصرف للالتزام بقرار دفع المساعدات بالدولار".

موقع "الحرة" حاول التواصل مع الوزير الحلبي عبر رقمه المباشر وعبر مستشاره، من أجل الحصول على رده والوقوف على رأيه من القضية والأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا القرار، دون الحصول على جواب، فيما عُلم أن الوزير خارج البلاد، ولم يفوض أحد في الوزارة التحدث في هذا الملف، فيما لم يدل حتى اليوم بأي تعليق من ناحيته في هذه القضية.

ويذكر أن لبنان يعاني للعام الثالث على التوالي في تسيير عامه الدراسي، وذلك نتيجة تداعيات الانهيار الاقتصادي الأسوأ في تاريخ البلاد، وتأثيره على المسار التعليمي لا سيما لناحية حصول الأساتذة على مستحقاتهم وتصحيح أجورهم التي فقدت قيمتها الشرائية بعد انهيار العملة المحلية، وما عادت تكفي تكلفة تنقل الأساتذة إلى مدارسهم.

وسبق لشاهين أن شرحت كل تلك المطالب، وأضاءت على ملفات الفساد والهدر في تحقيق سابق لموقع "الحرة" رصد المعوقات والتحديات التي تنتظر العام الدراسي الجديد في لبنان، بعد 3 سنوات من التعثر.

اعتصامات وتضامن

وكانت شاهين تعاقدت في التعليم الرسمي في العام الدراسي 2012 ـ 2013، فيما أسست في العام 2015 "اللجنة الفاعلة" حيث خاضت مع زملائها من المعلمين إضرابات وتحركات عدة للمطالبة بحقوقهم، كما شكلت وجها إعلامياً بارزاً ومحاوراً شرساً في البرامج الإعلامية المحلية،  فيما لعبت دور المرجع المتابع في قضايا الأساتذة والتعليم في لبنان.

وشهد محيط وزارة التربية، الثلاثاء، اعتصاماً نفذه الأساتذة المتعاقدون تضامناً مع شاهين، لمطالبة الوزير بالعودة عن قراره، والتنديد بما وصف "صرفا تعسفياً" و"إجراء عقابي".

وأكدت اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين في بيان، "إيمانها بدولة القانون وقدسية العمل النقابي"، وقالت: "نظمنا تحركا تضامنيا أمام وزارة التربية للتأكيد أن نسرين شاهين هي نبض المتعاقدين، وطالبنا بعودة الوزير عباس الحلبي عن قراره".

أضافت: "كنا أعلنا انطلاقة العام الدراسي، الاثنين الماضي، التزاما بقرار وزير التربية مع تحفظنا على حقوقنا المهدورة، والقرار الظالم استدعانا إلى إعلان الإضراب والاعتصام ليوم واحد، وهو اليوم. وأبلغنا ونبلغ جميع المعنيين أننا، التزاما بقرار بدء العام الدراسي، لم نعلن أي إضراب أخر. وعليه ولمصلحة تلاميذنا، نؤكد أن الأساتذة عادوا إلى صفوفهم ولا إضراب في المدارس، لكنهم ملتزمون التضامن معها وعدم التنازل عن حقها في العودة، ونحن جاهزون لأي تحرك داعم، لأن المساس بها هو مساس بكل متعاقد ومتعاقدة طالبت بحقهم".

كذلك تضامن مع شاهين جهات سياسية وحقوقية ونقابية عدة في لبنان، من بينهم نواب تكتل "التغييريين" المحسوبين على القوى المنبثقة عن احتجاجات 17 أكتوبر 2019، حيث تلقت شاهين اتصالات تضامن ووعود بمتابعة قضيتها.

وفي هذا السياق يوضح النائب اللبناني، ياسين ياسين، أنه ومجموعة من النواب، عازمون على مساءلة الوزير الحلبي حول قراره، "اليوم حاولنا الاتصال به ولكن لم نستطع التواصل معه، (مسافر)، وفور إمكانية التواصل سنتجه للوزير ببعض الأسئلة وستواكبنا نسرين، خاصة وأن قرار الوزير جاء على خلفية موقفها منذ 17 أكتوبر حتى اليوم دفاعا عن الأساتذة ومطالبة بحقوقهم، ويريد الوزير اليوم أن يدفعها الثمن".

ياسين يجزم أن الهدف من هذا القرار "مجازاة" نسرين، "وهذا الأمر اليوم ليس مقبولاً، ونحن سنكون إلى جانب هذه المعلمة وتحدثنا إليها في هذا الشأن، وعلى تنسيق دائم مع لجنة المحامين التي أوكلتهم قضيتها، وبالنسبة لي هذه القضية تهمني بشكل كبير".

ويضيف "لقد اعتادوا طيلة الفترة السابقة على تعطيل التزاماتهم الدستورية، ليسوا معتادين على المساءلة والإضاءة على ممارساتهم، لكن عليهم أن يعلموا أن هناك وضعاً جديداً في البلاد، وبات هناك من يسأل ويحاسب وعليهم أن يكونوا يقظين في قراراتهم، واستهتارهم بالشعب".

جيش محامين

تلفت شاهين إلى أنها أوكلت 22 محامياً لمتابعة قضيتها، "بدأوا بأخذ الإجراءات وطلبوا من الوزير توضيح خطي لأسباب قراره، ويحضرون كتاب لمجلس شورى الدولة". فيما أبدى 43 محاميا دعمهم واستعدادهم للتوكل في القضية.

ويذكر أن القضية هي الأولى في نوعها المسجلة في تاريخ لبنان، حيث لم يسبق لوزير تربية، أن فسخ عقداً لأستاذ متعاقد، فيما درجت العادة التوصية بالحفاظ على عقود الأساتذة مهما تدنى عدد الحصص، بغض النظر عن الحاجة إلى التعاقد، فيما يسجل في لبنان واقعة واحدة عام 1973 حين فصلت حكومة، صائب سلام، نحو 300 أستاذ بناء على مواقفهم النقابية، ما أدى إلى ثورة في الشارع واحتجاجات عارمة دفعت بالحكومة للعودة عن قرارها وأعطت الأساتذة حقوقهم.

وفي هذا السياق، يعتبر المحامي الموكل عن شاهين، هيثم عزو، أن القرار "ظاهره إداري وباطنه عقوبة تأديبية"، مضيفاً أن القرار يأتي بسطر ونصف سطر فقط دون توضيحات وبصيغة توحي "وكأن طلبه يأتي بصورة أبدية، لناحية عدم الاكتفاء بالعام الحالي، والإشارة إلى الأعوام اللاحقة".

ويضيف عزو أن القرار من الناحية القانونية "مخالف لأركان القرار الإداري، فكل قرار إداري يجب أن يتضمن 5 أركان، أهم ركن فيه هو: ركن الغاية، ويقتضي أن يستهدف تحقيق المصلحة العامة وليس مصلحة خاصة، السؤال هنا: هل الوزير يحقق الصالح العام في قراره؟ الجواب قطعا لا، لأن المدارس اليوم بحاجة لأي متعاقد في ظل هجرة أعداد كبيرة من الكوادر التعليمية من لبنان، بسبب الإجحاف المادي الذي يعانوه، وبالتالي المدارس تتمسك بأي أستاذ".

ثانياً، بحسب عزو "انتفاء الحاجة الذي يتذرع به الوزير، كسبب ليس هو من يقدره، بل تقدره وفقاً للأصول المدرسة المتعاقد معها والمدرسة لم تقل بانتفاء الحاجة، كيف قرر الوزير أنه انتفت الحاجة للتعاقد معها؟ ما يؤكد أكثر فأكثر أن هذا القرار يستهدف تحقيق مصلحة خاصة ويشبع رغبة الوزير بالتشفي والانتقام من صوت نسرين، والدليل يطلب عدم التعاقد معها ليس فقط لهذا العام وإنما للأعوام المقبلة، كيف علم بالحاجة في الأعوام المقبلة؟".

ثالثاً، يسأل المحامي اللبناني، "لماذا لم تنتف الحاجة بأي أستاذ آخر على كل الأراضي اللبنانية؟ إلا نسرين شاهين تحديداً، هي تحديداً التي انتفت الحاجة إليها؟ هذا يؤكد أكثر فأكثر أن القرار هو قرار غير مشروع، مخالف للأصول القانونية، بني على نية غير ظاهرة يريد من خلالها الوزير الإطاحة بهذه المعلمة".

عزو يلفت إلى أن "نسرين لم تستجوب بشأن القرار قبل إصداره، أي لم يتسن لها ممارسة حق الدفاع في موضوع القرار، فيكون القرار المتخذ دون مراعاة أصول حق الدفاع، مخالف لركن الشكل، وهذا سبب إضافي لإبطال القرار".

وعما إذا كان يحق للوزير فصل أي أستاذ متعاقد بقرار إداري من هذا النوع، يقول عزو "بالأصل لدى الوزير ما يسمى بالسلطة الاستنسابية، بكونه المرجع الأعلى، ولكن في الأصل أمر التعاقد من عدمه تقدره المدرسة وبينما الوزير يتخذ قرار استنسابي بناء لتقديرات المدرسة، ويوقع العقود، ولكن المهم بالقانون من هذه الناحية، أنه حتى ولو كان للوزير السلطة الاستنسابية، بتجديد أو عدم تجديد التعاقد، إلا أن القانون منعه من ممارسة هذه السلطة بناء لأهواء شخصية، إنما يقتضي فقط ممارستها بناء على مصلحة المرفق والمصلحة العامة".

يؤكد عضو مجموعة "رواد العدالة" التي تتولى العمل مجاناً في قضايا الرأي العام، أن الاتجاه القضائي سيكون إلى مجلس شورى الدولة، "بكونه قضاء إداري مؤتمن على مشروعية القرارات الإدارية، ويبطلها متى تراءى له أنها غير مشروعة".

ويوضح "لن ننتظر إجراءات طويلة الأمد للنزاع أمام مجلس شورى الدولة، نحن سنتقدم بالإضافة إلى المراجعة طلب وقف تنفيذ للقرار لوجود أسباب جدية تستوجب ذلك، وبالتالي مجلس شورى الدولة سيبلغ الدولة بطلب وقف التنفيذ ومعه الأسباب الواقعية الموجبة وقف التنفيذ، ريثما يبت بالمراجعة لاحقا".

"مؤامرة" لضرب العمل النقابي

وقد سرت انتقادات واسعة للجان التعليم الرسمي التي لم تبد تضامناً واضحاً مع شاهين في قضيتها، وفي هذا السياق ترى المعلمة أنها "ضحية تآمر سياسي بين الوزير من جهة والروابط التعليمية من جهة أخرى، فخلال الاجتماعات الماضية التي أجراها وزير التربية لبدء العام الدراسي، استثنى دعوتي بالاسم، ثم جاء القرار الأخير فيما روابط التعليم سكتت عن الأمر ولم يصدر عنها أي بيان، بكونها روابط مسيسة، نزلوا إلى الوزارة وبصموا للوزير على التزامهم بالحضور لبدء العام الدراسي، فيما كنت أنا أرفع الصوت وأقول للوزير لا نقبل أن تقول للمعلم إما أن تقبل بالمطروح أو استقيل، وقلت له أمام الجميع: أنت تستقيل".
 
موقع "الحرة" تواصل أيضاً مع أمين سر رابطة التعليم الأساسي، للوقوف على سبب عدم إبداء التضامن مع نسرين، حيث أجاب "نحن ليس لدينا شيء من المعطيات لنبني موقفنا على أساسه، لهذا السبب ليس لدينا موقف، نحتاج إلى معلومات حول السبب الذي دفع الوزير لاتخاذ هذا القرار، وفي النهاية هو من سيتحمل نتيجة قراره إذا كان غير قانوني، ولكن لو أن القرار هدفه النيل من العمل النقابي لكان قد طالنا فنحن أيضاً نرفع هذه المطالب".

من جهتها تؤكد شاهين أن القرار هدفه ضرب العمل النقابي في لبنان وإسكات الأساتذة، "ولكن إخراجي من الجسم التعليمي بهذه الطريقة، لا يعني أنني سأتوقف عن نشاطي في سبيل حقوق الأساتذة".

وبناء على "القرار الاستثنائي" من الوزير، اتخذت اللجنة الفاعلة للأساتذة المتعاقدين "قرارا استثنائيا" من جهتها، يقضي بالإبقاء على شاهين رئيسة لها، وقالت في بيان لها إنها "لن تعترف إلا بها رئيسة للجنة الفاعلة، حيث كانت وستبقى تتحدث باسم من تمثل من أساتذة، إن أرادوها متعاقدة مع وقف التنفيذ، أو خارج القطاع التعليمي الرسمي، فلن يكون إلا بأوهامهم، لأنها لن تكون إلا متحدثة باسم المتعاقدين والتعليم الرسمي، حتى وإن وضعوها خارج البلاد".

تختم شاهين "عليّ حملة كبيرة، ويريدون التخلص مني لأن العمل النقابي في لبنان مصادر من الأحزاب السياسية، فيما لست تابعة لأحد ولا أعمل بإيعاز من أحد ولا وفق أجندة أي حزب أو جهة، يريدون للأساتذة أن يكونوا مذلولين، وأن يأخذوا ما يقدم لهم ويسكتوا عن حقوقهم، في حين أن الملفات التي نفضحها ونتحدث عنها كفيلة بتطييرهم (إقالتهم) هم من مراكزهم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.