كل النساء في لبنان تقريبا تعرضن للتحرش الجنسي في حياتهن- صورة تعبيرية.
كل النساء في لبنان تقريبا تعرضن للتحرش الجنسي في حياتهن- صورة تعبيرية.

"كنتُ متجهة من الدورة إلى المنصورية بسيارة أجرة، وإذ بالسائق يسلك طريقاً مختلفاً، حاولت الاستفسار منه، فكان جوابه أنه يريد التحدث معي على انفراد.. قال لي إنني جميلة جداً ومثيرة وأنه يحبني، ثم حاول إمساكي، سألته ماذا تفعل؟ لأسمع منه أنه يريد لمسي فقط"، هي واحدة من قصص عدة وردت في دراسة أضاءت على ما تتعرض له العاملات في الخدمة المنزلية في لبنان، من التحرش الجنسي وصولاً إلى الاغتصاب. 

ما أقدم عليه سائق سيارة الأجرة أغضب العاملة المنزلية، فطلبت منه إيقاف السيارة مهددة إياه بالقفز إن لم يفعل ذلك، فما كان منه إلا أن توقف لتغادر بعدها المكان. 

نتائج صادمة توصلت إليها الدراسة التي أعدّتها مجموعة "Egna Legna"، بالشراكة مع معهد دراسات الهجرة في الجامعة اللبنانية الأميركية، حيث ظهر أن 68 في المئة من العاملات في الخدمة المنزلية المهاجرات تعرّضن للتحرش أو العنف الجنسي خلال عملهن في لبنان.  

تعرّف المادة الأولى من القانون رقم 205، التحرش الجنسي بأنه "أي سلوك سيء متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحية في أي مكان وجدت، عبر أقوال، أو أفعال، أو إشارات، أو إيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية". 

يعتبَر أيضاً تحرشاً جنسياً "كلّ فعل أو مسعى، ولو كان غير متكرر، يستخدم أي نوع من الضغط النفسي، أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير". 

من أشكال التحرش الجنسي الذي تعرضت له العاملات، بحسب الدراسة، التحديق أو الشبق بطريقة جنسية؛ التعليقات والنكات والشتائم الموحية جنسياً، شخص يظهر أجزاء من جسده أو نصفها أو أن يكون عاريا تماما. 

وتعددت الطلبات أو الضغط من أجل ممارسة الجنس أو الأفعال الجنسية الأخرى، وفقا للعاملات من اللمس، أو العناق، أو التقبيل، أو غير ذلك من الأمور غير المرغوبة من الاتصال الجسدي، إضافة إلى الاغتصاب الفعلي أو محاولة الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، وغيرها. 

شهادات "مرعبة" 

هي المرة الأولى على صعيد لبنان التي يتم فيها إعداد دراسة شاملة عن هذه القضية، بحسب ما أكدته الدكتورة جاسمين ليليان دياب، مديرة معهد دراسات الهجرة في الجامعة اللبنانية الأميركية، شارحة أن الدراسة استغرقت حوالي السنة، وشملت 913 عاملة منزلية، أما الهدف منها فهو الإضاءة على مدى ازدياد نسبة التحرش بالعاملات المهاجرات منذ الأزمة الاقتصادية وانتشار وباء كورونا، ليس فقط من ناحية الكم، بل النوع كذلك، حيث ارتفع منسوب العدوانية بشكل كبير".  

إذا كانت النسبة التي توصلت إليها الدراسة متوقعة، فإن الصادم كما تقول جاسمين لموقع "الحرة" "كانت نوعية الحوادث التي تواجهها العاملات في الخدمة المنزلية، كمدى العنف الذي مورس بحقهن، إضافة إلى أن الأمر لا يقتصر فقط على التحرش، بل يتعداه إلى الاغتصاب". 

"ما إن انتهيتُ من الاستحمام وأردتُ أن أرتدي ملابسي، حتى فتح الباب ودخل. خلع سرواله، صرخت طالبة منه الخروج، ومع هذا كرر فعلته مرة ثانية حينها كنت أيضاً أستحم، دفعته بعيداً وغادرت"، هي قصة أخرى لعاملة منزلية تعرضت للتحرش من قبل رب العمل. 

عاملة أخرى أفادت أنها تعرضت للاغتصاب والضرب من قبل رجل في منطقة برج حمود، إلى درجة أن حالتها استدعت الدخول إلى المستشفى، لخياطة جرحها بـ12 قطبة، ورغم أنها كنت تمتلك الدليل إلا أن عناصر الشرطة أطلعوها أنه لا يمكنهم فعل شيء لها، وهو ما حال دون توجهها إلى الشرطة في المرة الثانية عندما تعرضت للضرب، كونهم إما سيضحكون عليها أو أنهم لن يفعلوا شيئا لها. 

كذلك أفادت عاملة أنها كانت تتعرض للضرب والركل من رب العمل في حال رفضها ممارسة الجنس معه، "كان يحاول اغتصابي، يريد أن ينام معي طوال الوقت، وحين أستحم، كان يحاول الدخول إلى الحمام، وفي النهاية لم يدفع راتبي".  

وبين الاختطاف والاغتصاب واللمس غير اللائق والتعليقات الجنسية وممارسة سائقي سيارات الأجرة العادة السرية وإظهار أعضائهم التناسلية، وغيرها من الحوادث المماثلة كانت جزءاً من شهادات العاملات. 

يتنوع مرتكبو التحرش الجنسي بحسب الدراسة التي تحمل عنوان "الأبعاد الجندرية للعنف الجنسي ضد عاملات المنازل المهاجرات في لبنان ما بعد الأزمة"، بين صاحب العمل (70 بالمئة)، وصاحبة العمل (ما بين 25 إلى 30 بالمئة)، شخص يعيش في نفس المنزل أو قريب أو صديق صاحب العمل (40 بالمئة) ، سائقو سيارات الأجرة (65 بالمئة) وعناصر أمنية (15 بالمئة)، أما أغلب حوادث التحرش الجنسي فتقع في غرفة العاملات الخاصة أو في غرف أخرى من المنزل، وفي كثير من الأحيان، تحصل في دورات المياه. 

عدة أهداف أرادت منظمة "Egna Legna" تحقيقها من هذه الدراسة، منها كما قالت ناشطة في المنظمة، "الإضاءة على ما تتعرض له العاملات في الخدمات المنزليات، ونشر الوعي لديهن لعدم الصمت عن هذه الارتكابات، أما الهدف الأكبر فيتمثل بدفع مجلس النواب لتعديل القانون 205 الذي يجرم التحرش الجنسي، كونه لم يأخذ بعين الاعتبار وضع هؤلاء العاملات، حيث كان من المفترض أن يخصص حيّزاً لهن". 

منذ إقرار قانون تجريم التحرش الجنسي، في ديسمبر 2020، طالته الانتقادات، فاعتبرته منظمة "هيومن رايتس ووتش" لا يستوفي المعايير الدولية، لاسيما لجهة عدم مصادقته على "اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن القضاء على العنف والتحرّش" وتطبيقها، مشددة على أنه يكتفي بتناول التحرّش الجنسي كجريمة، دون ذكر التدابير الوقائية، إصلاحات قانون العمل، وسبل الانتصاف المدني، في الوقت الذي كان عليه موجب تبني مقاربة شاملة". 

وأشارت إلى أن القانون لا يرقى إلى مستوى اتفاقية القضاء على العنف والتحرّش، التي تتحدث عن ضرورة معالجة العنف والتحرّش في العمل من خلال "نهج شامل ومتكامل ومراعٍ لقضايا الجنسين"، بما فيه من خلال القوانين المتعلقة بالعمل، الصحة والسلامة، المساواة، فضلاً عن القانون الجنائي. 

وشرحت الناشطة "رغم أن الدراسة ارتكزت على عينة صغيرة من العاملات، نحو ألف منهن من ضمن 215 ألف عاملة في الخدمة المنزلية، بحسب آخر الإحصاءات غير الدقيقة، إلا أنها أظهرت مدى انتشار ظاهرة التحرش لا بل حتى الاغتصاب، وبعض القصص التي سمعناها كانت صادمة إلى درجة كبيرة، منها أن ربات منزل يقدمن على ذلك، حيث يستقدمن العاملة بهدف جنسي، ومنهن من يتكتمن على ما يفعل أزواجهن، أو يضعن اللوم على العاملة بحجة أنها هي من جذبت شريك حياتهن". 

لكن رئيس نقابة أصحاب مكاتب إستقدام عاملات المنازل في لبنان، جوزيف صليبا، يرفض ما توصلت إليه الدراسة، ويشدد "كصاحب مؤسسة لا أوافق على هذه الأرقام أبداً، من دون أن أنفي وجود حالات تحرش جنسي، لكن من النادر أن نسمع عن تعرض عاملة لذلك في مكان عملها، فهل يعقل أن 68 في المئة من أقاربي ومعارفي على سبيل المثال، ممن لديهم عاملات في الخدمة المنزلية يتحرشون بهن!".

يضيف في حديث لموقع "الحرة" أنه "علينا معرفة من اللواتي شملتهن الدراسة، فإذا كان الأمر يتعلق بعاملات خالفن قانون الإقامة، من الطبيعي أن يدّعين التعرض للتحرش وغيره من الأمور كالضرب والحرمان من الطعام، ومع ذلك فهن مستمرات بالعمل لدى أشخاص من الجنسية اللبنانية، على أن يبتن ليلتهن في المكان الذي يحلو لهن وهذا هدفهن الأساسي، إذ عندما كن يعملن بشكل قانوني من خلال عقد عمل كن يتعرضن للتحرش كما يدعين، وبعدما أن أصبحن أحراراً انتفى التحرش". 

يشدد صليبا على أن الطلب على العاملات في الخدمة المنزلية انخفض بنسبة 75 في المئة، "لكن لذلك لا يحول دون محافظتنا على مؤسساتنا وعلى المعايير المقتنعين بها كمكاتب مرخصة وليس سماسرة، لنصمد قدر المستطاع في هذه البلاد". 

غالبية الناجيات (55 في المئة) كن عاملات مستقلات (يقمن بالتنظيف في منازل متعددة)، 35 في المئة يعشن في منازلهن، والبقية (10 في المئة) كن عاطلات عن العمل حين تعرضن للتحرش"، بحسب الدراسة، في حين لفتت الناشطة إلى أن "عدداً كبيراً من العاملات اللواتي يحملن الجنسية الأفريقية ذكرن أنه لمجرد أن بشرتهن سمراء يجري التعامل مع أجسادهن من قبل الرجال وكأنها أداة خاصة بهم، ولهم كامل الحق بها، بالتالي يجبرنهن على ممارسة الجنس وفي حال رفضن يتعرضن للضرب". 

انتهاك أخطر من التحرش 

لا يوجد إحصاء رسمي بعدد العاملات المنزليات اللواتي تعرضن للتحرش، بحسب ما يؤكد رئيس "الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان - FENASOL" كاسترو عبد الله، لافتاً إلى أن "العدد الأكبر منهن لا يفصحن عن ذلك، وبالتالي عدد الشكاوى التي تم تقديمها إلى القوى الأمنية لا يقارن مع الواقع، وكاتحاد وطني وثقنا العديد من حالات التحرش منها ما لا يصدقه عقل، كتعرض العاملة للتحرش من قبل أكثر من شخص في منزل مخدوميها، وعلى سبيل المثال، تابعنا حالتين تعرضتا للتحرش من قبل الوالد وابنه". 

يشدد عبد الله على أن "الاتحاد الوطني" كشف ما هو أخطر من التحرش تتعرض له العاملات في الخدمة المنزليات، وهو يدخل ضمن إطار الاتجار البشر، وسيتم طرح القضية على العلن بعد الانتهاء من متابعتها أمنياً. 

95 بالمئة ممن تعرضن للتحرش طالبن الجاني بحسب الدراسة التوقف عن ممارسته، لكن الصادم أن 25 بالمئة فقط اتخذن إجراءات قانونية ضده، سواء إبلاغ الشرطة، أو التوجه إلى قنصلية أو سفارة بلادهن لطلب المساعدة، أو قصد جمعيات، أو تقديم شكوى إلى أسرة صاحب العمل، أو إلى جاره وصديقه، وذلك بسبب نظام الكفالة الذي يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب المستمرة، ويطيل أمد العنف والتحرش وسوء المعاملة. 

وغالبية الناجيات يخترن "الهروب" من الموقف الذي يعانين منه، بدلاً من اتخاذ أي إجراء قانوني أو الإبلاغ عن الحادث، وذلك إما بسبب الخوف من انتقام الجاني أو أسرته، أو لعدم معرفة مكان طلب المساعدة، وانعدام الثقة في النظام بشكل عام، والشعور بالعار أو الحرج عند مناقشة الحادث، وفقا للنشاطة. 

وتضيف عندما قررت بعضهن الوصول إلى جهات إنفاذ القانون وأشكال الدعم الأخرى، لم يتم اتخاذ أي إجراءات ملموسة تجاه مرتكب الجريمة، وبدلاً من ذلك "تم نصح الناجيات بتوخي الحذر (65 في المئة) ، أو لم يتم تصديقهن أو جرى نصحهن بالهروب". 

إذا كان التحرش بحد ذاته جرماً خطيراً يقع على المرأة، فإن الأصعب كما تقول رئيسة الشؤون القانونية والمناصرة في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة "كفى"، المحامية موهانا إسحق، "أن تكون هذه المرأة مهاجرة وعاملة في الخدمة المنزلية، كونها لا تمتلك أي آليات دفاعية أو حمائية بسبب نظام الكفالة الذي يضعها تحت سيطرة صاحب العمل، بالتالي هروبها من المنزل والادعاء على المعتدي أمر صعب جدا، فهي في هذه الحالة تعتبر مخالفة للقانون، عدا عن صعوبة إثبات ما تعرضت له، لا بل هناك إمكانية لاتهامها بالسرقة من قبل صاحب العمل، من هنا فإن خطورة التحرش بالعاملات وحتى الاعتداء جسديا وجنسيا تكون مضاعفة، سواء بقين داخل المنزل أو هربن منه". 

وتضيف إسحق في حديث لموقع "الحرة"، "وضع العاملات الهش يعرضهن للتحرش في أي لحظة، فصاحب العمل يحمي نفسه بنظام الكفالة، وفي حال هروبها من منزله أي مخالفتها القانون، سيزداد وضعها هشاشة، بالتالي ستكون عرضة لمحاولات تحرش او لأي نوع من الابتزاز الجنسي".  

الهاجس الأكبر 

أكثر من 75 بالمئة من الضحايا أكدن خلال إجراء المسح أنهن عملن في بيئة" مرهقة " لاسيما عندما كن يتعرضن للتحرش الجنسي، كما أبلغت 55 من العاملات عن أشكال مختلفة من الإصابات الجسدية، من كدمات وجروح، وفي حين أن 65 بالمئة منهن اعتبرن أن محاسبة المعتدي أولوية، فإن ما بين 15 إلى 20 في المئة أشرن إلى أنهن يحاولن تخطي الحادثة بطرقهن الخاصة، من خلال الصلاة وممارسة رياضة التأمل أو إشغال أنفسهن بالعمل. 

وعلى العكس مما يظن البعض، فإن هروب العاملات من منازل أصحاب العمل كما تشدد الناشطة "لا يتعلق فقط بما يعانينه من إرهاق وعنف جسدي، بل كذلك لما يتعرضن له من تحرش وعنف جنسي، وفي حال قررن الإبلاغ عن ذلك يتعرضن للاشتباه في ممارسة الدعارة أو يتهمن بـ"إهانة الآداب العامة" مما يردع العديد منهن عن الإقدام على هذه الخطوة كونهن يخشين من مقاضاتهن". 

يترك التحرش الجنسي آثاره السلبية بحسب الدراسة على صحة الضحايا العقلية والجسدية، منها أفكار حول إيذاء الذات، القلق، تعاطي المخدرات، اضطرابات النوم، كآبة، إجهاد، اضطرابات الأكل، العزلة، ميول انتحاري. والصادم كما تقول الناشطة إن "جميع اللواتي تعرضن للتحرش الجنسي رفضن الخضوع لجلسات علاج نفسي، كونهن يعتبرن أن المعالجين النفسيين الذين يحملون الجنسية اللبنانية سينحازون للمعتدي". 

وخلصت الدراسة إلى مجموعة من التوصيات على رأسها إعداد مشروع قانون عاجل ليحل محل نظام الكفالة، يقوم على نظام التعاقد في التوظيف بموجب تفويض من وزارة العمل، هذا الإجراء يتطلب تعديل المادة السابعة من قانون العمل اللبناني ليشمل العاملات في الخدمة المنزلية، إضافة إلى ضرورة استكمال هذه الإصلاحات بما يتماشى مع اتفاقية منظمة العمل الدولية وأهداف التنمية المستدامة، وسيساعد ذلك في إنهاء "الرق" الذي تفرضه الكفالة. 

أكبر هاجس للعاملات المنزليات، كما تقول جاسمين، هو نظام الكفالة "العنصري" الذي يحمي رب العمل فقط، في وقت يحول دون حصول العاملات على حقوقهن، ويحد من حريتهن على كافة المستويات، منها حرمانهن من الاحتفاظ بجواز سفرهن والتنقل والتحرك كما يشأن".

وتضيف "أحد نتائج هذا النظام تعرضهن للتحرش والاغتصاب، ففي ظل عدم وجود قانون يحميهن لن يصلن إلى العدالة التي تنصفهن"، معبرة عن أملها في تجاوب المجلس النيابي مع التوصيات التي أوردتها الدراسة، لاسيما وأنه يضم حالياً وجوهاً ثورية ومن المجتمع المدني، أما الناشطة فأكدت أن نظام الكفالة ليس مجحفاً فقط بحق العاملات في المنزل، بل بحق المرأة بشكل عام، على حد قولها. 

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" كشفت، في 27 يوليو 2020، أنّ "نظام الكفالة اللبناني الاستغلالي يحاصر بقيوده عشرات آلاف العاملات المنزليات المهاجرات في ظروف قد تؤدي إلى الأذى، إذ يربط وضعهن القانوني بأصحاب عملهن، ما يتيح انتهاكات شديدة تصل في أسوأ الحالات إلى العبودية المعاصرة".

من جانبه، يؤكد عبد الله أن نظام الكفالة "ليس قانونا، بل قرارات تصدر عن الأمن العام، وممارسات سيئة يرتكبها بعض أصحاب مكاتب استقدام العاملات الذين يتمسكون بهذا النظام بحجة الحفاظ على الأموال التي يدفعها الكفيل، بدلا من أن يتم إسناد هذه المهمة إلى المؤسسة الوطنية للاستقدام"، لافتاً إلى أن الاتحاد الوطني، مع إلغاء هذا النظام، وتعديل المادة السابعة من قانون العمل، التي تستثني العاملات في الخدمة المنزلية من هذا القانون، وبالتالي عدم تمتعهن بأي حقوق واردة فيه. 

لكن صليبا يعتبر أن الحديث عن نظام الكفالة المتواصب منذ أكثر من 18 سنة دون أن يتم اقتراح أي بدائل عملية يثير الشكوك "لا بل وصلنا إلى مرحلة اليقين بأن هذا الشعار أصبح شماعة ترفعه الجمعيات التي تبغي الدعم الخارجي والفريش دولار". 

كما أوصت الدراسة بوضع مدونة سلوك خاصة بمكاتب استقدام العاملات المنزليات ونقابتها، وذلك عبر تفعيل مرسوم عام 2009 بشأن مراقبة وتنظيم هذه المكاتب، وتنظيم المتطلبات اللازمة لإصدار تراخيص لها وإنشاء آلية تفتيش ومساءلة صارمة، إضافة إلى توصيتها بضرورة ضمان ملاءمة القوانين اللبنانية مع المعايير الدولية من خلال تعديل القانون رقم 293/2014 المتعلق بالعنف الأسري لاسيما من خلال تشديد العقوبة على هذه الجرائم، وتجريم جميع أشكال العنف الجنسي. 

ومن التوصيات التي أوردتها الدراسة كذلك، إنشاء ملاجئ تديرها الحكومة أو تمولها بالكامل، تقدم خدمات أولية مجانية بما في ذلك المساعدة القانونية والاستشارة وخدمات الرعاية الصحية والدعم النفسي الاجتماعي للضحايا، إضافة إلى تعزيز قدرة الجهات الفاعلة في مجال العدالة، لضمان قدرة المرأة على ممارسة حقها الكامل في الوصول إلى العدالة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وأبرز هذه التعزيزات التي وردت هي زيادة مدة تدابير الحماية التي يصدرها المدعي العام، وإنشاء محاكم متخصصة وتعيين قضاة متخصصين كجهات مختصة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي. 

سبق أن قدم الاتحاد الوطني بحسب عبد الله "شكوى ضد الحكومة اللبنانية أمام منظمة العمل الدولية ولجنة المعايير الدولية ولجنة الحريات النقابية، حول عمل السخرة" شارحاً "بينما صوت لبنان بـ 'نعم' على الاتفاقية رقم 189 الخاصة بالعمل اللائق للعاملات في الخدمة المنزلية فإنه لم يصادق عليها حتى اللحظة، بل صادق على اتفاقية السخرة رقم 29، وهو يمارسها على العاملات المنزليات والعمال المياومين، لبنانيين كانوا أم أجانب، وحتى العاملين في القطاع العام من خلال نظام التعاقد". 

تترك العاملات في الخدمة المنزلية من ضحايا التحرش الجنسي، بحسب الملاحظات الختامية للدراسة، "للاعتقاد بأن انتهاكات حقوقهن، وخاصة العنف القائم على النوع الاجتماعي، أمر طبيعي، وبالتالي يتم الضغط عليهن لعدم الشكوى ضد هذه الانتهاكات من أجل حماية وظائفهن، بصرف النظر عن معاناتهن، وكل ذلك يقترن بثقافة الإفلات من العقاب التي تحيط بمعاملة العاملات في الخدمة المنزلية المهاجرات، ما يؤدي إلى تطبيع العنف والعنصرية".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

طفل وأبيه يتلقون العلاج بعد تعرض منطقتهم إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا
طفل وأبوه يتلقيان العلاج بعد تعرض منطقتهما إلى هجوم كيمياوي في الغوطة الشرقية بسوريا

قبل 11 عاماً، بالتحديد يوم 21 أغسطس 2013، نام سكّان بلداتٍ في غوطة دمشق على وقع قصف مدفعي وصاروخي اعتادوا على معايشته خلال شهور بعد خروج مناطقهم من سيطرة النظام السوري.

غير أن هذه الليلة لم تكن اعتياديةً كما في كل يوم، إذا كانت القذائف تُسبّب انفجاراتٍ وحرائق معروفة في المنطقة، بينما خرج السكان في مدن الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الغوطة الغربية، وهم يتنفّسون بصعوبة بالغة، لأن الهجوم هذه المرّة كان بالأسلحة الكيماوية.

كانت حصيلة 4 هجمات متزامنة، مقتل 1144 شخصا اختناقاً، منهم 1119 مدنياً بينهم 99 طفلا و194 سيدة، أما الذين قتلوا في صفوف مسلحي المعارضة، فكانوا 25.

تسببت الهجمات أيضاً بإصابة 5935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، وفقاً لتقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

ورغم أن الولايات المتحدة قادت آنذاك جهوداً لمحاسبة النظام السوري على استخدام غاز السارين ضد المدنيين، وتخطّيه "الخطوط الحمراء" في النزاع، إلا أن الملف انتهى بإجبار بشار الأسد على تفكيك مخزونه من السلاح الكيماوي، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، والانضمام إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع إصدار مجلس الأمن الدولي القرار 2118، الذي ينصّ على عدم تطوير أو تخزين أو نقل أو استخدام الأسلحة الكيميائية من أي طرف في سوريا، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وثقت استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية تسع مرات بعد حادثة الغوطة، إحداها هجوم وقع في الغوطة الشرقية نفسها في 7 أبريل 2018.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: النظام السوري مسؤول عن هجوم الكلور في دوما
أثبت تحقيق أجرته هيئة مراقبة الأسلحة الكيميائية العالمية أن هناك "أسبابا معقولة للاعتقاد" أن القوات الجوية التابعة للنظام السوري أسقطت أسطوانتين تحتويان على غاز الكلور على مدينة دوما في أبريل 2018، ما أسفر عن مقتل 43 شخصا.

خطوات للمحاسبة

وفي ظل ما يعتبره الناجون من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق "إفلاتاً من العقاب" بالنسبة لمحاسبة النظام السوري على استخدام الأسلحة الكيماوية، بموجب حماية روسيا له داخل أروقة مجلس الأمن ومنع وصول الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، نتيجة الفيتو الروسي- الصيني، سعت منظمات حقوقية سورية إلى سلوك طرق بديلة في سبيل الحصول على حقوق الضحايا والناجين.

في عام 2020، تقدّمت كل من "مبادرة العدالة" و"مبادرة الأرشيف السوري" بالإضافة لـ"المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، بشكوى جنائية أمام الادّعاء العام الألماني ضد مسؤولين سوريين بينهم بشار الأسد، حول استخدام الأسلحة الكيماوية في عدة مناطق سورية، بينها الغوطة الشرقية.

كما تقدّمت المنظمات الثلاث عام 2021 بالدعوى نفسها أمام القضاء الفرنسي، مع إرفاقها بشهادات عدد من الناجين من هجمات السارين في الغوطة، وفي العام نفسه قدمت المنظمات ذاتها شكوى في السويد، لمحاسبة مسؤولين سوريين على استخدام غاز السارين في هجومين، الأول على الغوطة الشرقية عام 2013، والثاني على خان شيخون بريف إدلب عام 2017.

قادت التحقيقات في فرنسا إلى إصدار محكمة في باريس أربع مذكرات توقيف في نوفمبر 2023، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ في جرائم حرب، بشأن الهجمات الكيميائية القاتلة في الغوطة عام 2013، واستهدفت كلاً من الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه المسؤول عن الفرقة الرابعة ماهر الأسد، وضابطين برتبة عميد، هما غسان عباس مدير الفرع "450" التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السورية، وبسام الحسن الذي يعمل كضابط اتصال بين القصر الرئاسي السوري ومركز البحوث العلمية.

في يونيو الماضي، صدّق القضاء الفرنسي على مذكرة التوقيف نفسها، فيما يُعد هذا الحكم أبرز جهد في طريق محاسبة النظام السوري على شنّ هجمات كيماوية، رغم مطالبة مكتب المدّعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، بإلغاء مذكرة التوقيف ضد الأسد، بسبب الحصانة الشخصية للرؤساء أثناء وجودهم في السلطة.

من جهتها، أوصت الشبكة السورية لحقوق الإنسان كلاً من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بتطبيق البند السابع من الميثاق الأممي وفرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية ضد النظام السوري "كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأُسر الضحايا"، مع التشديد على ضرورة إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومحاسبة جميع المتورّطين.

" خيبة أمل كبيرة"

على حسابها الرسمي في فيسبوك، أصدرت "رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية" (أُنشئت عام 2021 من مجموعة من ذوي الضحايا والناجين)، عدّة  دعوات لتنفيذ وقفات وفعاليات في الداخل السوري وتركيا وأوروبا، تطالب بمحاسبة القيادات الأمنية والعسكرية لدى النظام السوري، جراء مجمل الهجمات الكيماوية، وعلى رأسها هجوم الغوطة الشرقية 2013، تحت شعار "معا لأجل حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب".

عقد و نيّف...

Posted by ‎رابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية Association of Victims of Chemical Weapons‎ on Sunday, August 18, 2024

 

ورغم مرور 11 عاماً على المجزرة التي يعدها السوريون "الأكبر" خلال فترة الحرب، لا يزال ناجون وذوو ضحايا قضوا فيها، يعبّرون عن عدم تجاوزهم آثارها القاسية.

من بينهم وديان طرابلسي، وهي شاهدة عيان على مجزرة الكيماوي، تقول لموقع "ارفع صوتك" إن الإصابات الجسدية التي لحقت بالمتضرّرين يمكن تجاوزها خلال سنوات "غير أن الآثار النفسية لا تزال حاضرة".

وتعتقد أن المجتمع الدولي "لم يقم بواجباته القانونية والإنسانية تجاه محاسبة الأسد على ارتكاب هذه المجزرة" معبّرةً عن "خيبة أمل كبيرة" من الدول الغربية.      

الحاج زهير دبس، وهو ناج من مجزرة دوما، يقيم حالياً في مدينة عفرين شمال سوريا، يستبعد أن تتم محاسبة الأسد وفق المنظور الحالي، بسبب ما يسمّيه "تبدُّل المزاج الدولي تجاه الملف السوري".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن أسوأ ما حصل في الملف السوري "دمج التوافقات السياسيّة بالجرائم التي تم ارتكابها على مدى 13 عاماً، بالتالي فإن المجرم يمكن أن يعود مُرحّباً به وبريئاً من كل الانتهاكات"، على حدّ تعبيره.

يتابع زهير "بدلاً من محاسبة الأسد، تقوم بعض الدول العربية أو الغربية اليوم بالتطبيع مع القاتل، كأنها تغسل يديه من جميع الجرائم، وتقول للضحايا (حاولوا النسيان)".