مأساة المودعين مستمرة في لبنان
مأساة المودعين مستمرة في لبنان

أعلن رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، شن "حرب" قانونية على المصارف اللبنانية، من خلال تغريدتين عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، السبت الماضي.

ووصف الحبتور "استمرار احتجاز أموال المودعين في لبنان" بأنه "قرصنة مستباحة لأرزاق الناس من قبل مصرفيين فاسدين ومتواطئين معهم حللوا لأنفسهم هذا النهب"، متسائلا: "هل يُعقل في أيامنا هذه حيث تتحكم الحوكمة وقوانين الشفافية الدولية بكل التحركات المالية أن يستمر ذلك؟ إلى متى؟ أما من رادع لهذه الجريمة؟".  

وتحت عبارة "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، كتب الحبتور "إن لم نتحرك كمودعين ومستثمرين لمقاضاة المسؤولين عن سرقة أموال اللبنانيين فلن يعتبروا"، مشيراً إلى "نقوم حالياً بتجهيز ملف دعوى جماعية مع مكاتب قانونية عالمية لمقاضاة كل المتورطين بهذه الجريمة. وإن لم يتحقق الحق من الداخل، سنسعى لتحقيقه بكل السبل القانونية المتاحة". 

تغريدة الحبتور عن أموال المودعين اللبنانيين ليست الأولى، اذ سبق أن أطل بمقاطع فيديو عبر "تويتر" معلّقاً على هذه القضية، منها عام 2020 عقب بيان لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة أعلن خلاله أن أموال المودعين ليست موجودة في المصرف المركزي، حيث اعتبر الحبتور في تغريدة أن "المودع يعيش حالة من الضياع" متسائلاً "من المسؤول عن حجز أمواله"، مطالباً مصرف لبنان بأن "يأمر البنوك اللبنانية بفك أسر أموال المودعين ويسمح لهم بالتصرف بأموالهم التي هي حقهم وحلالهم". 

وفي العام نفسه، نشر رجل الأعمال الإماراتي فيديو وجّه من خلاله سؤالاً إلى حاكم المصرف بشأن إمكانية تعرض الأموال التي استثمر بها رجال أعمال عرب وأجانب في البلاد بالدولار الأميركي لخطر ما، ليأتي رد سلامة عبر صفحة مصرف لبنان على "تويتر" بالتأكيد أنه "بإمكان المصارف اللبنانية أن تحوّل إلى خارج لبنان جميع الأموال التي تتلقاها من الخارج بعد 17 تشرين الثاني". 

ومنذ خريف 2019 تفرض المصارف اللبنانية "طوقاً حديدياً" على الودائع، محددة سقفاً للسحوبات المالية لاسيما بالدولار الأميركي وذلك نتيجة شح السيولة، وهو ما دفع بعدد من المودعين إلى محاولة تحصيل حقوقهم إما بالقوة عبر اقتحام المصارف أو من خلال سلك الطرق القانونية عبر رفع دعاوى أمام المحاكم المحلية والدولية، حيث نجح بعضهم باسترداد ودائعهم. 

خطوة جدّية 

جرى تواصل في الايام الماضية بين رجل الأعمال الإماراتي ورئيس جمعية المودعين حسن مغنية، من أجل تحريك الدعوى القضائية التي يزمع الحبتور رفعها في وجه المصارف اللبنانية، وهذه المرحلة يجري كما يؤكد مغنية لموقع "الحرة" "الإطلاع على حيثيات القضية لمعرفة ما هو المطلوب بالتحديد وكيفية التنسيق بين بعضنا". 

لرجل الأعمال الإماراتي، كما يقول مغنية، "عشرات ملايين الدولار عائدة لفندق الحبتور في مصرف لبناني، ولكي تأخذ القضية ضد المصارف اللبنانية حيزاً أكبر اختار اللجوء إلى الدعوى الجماعية، من هنا يقوم بالتواصل مع المودعين لينضموا إلى ملف الدعوى". 

وعن توقيت تحرك الحبتور، علّق رئيس جمعية المودعين "نحن على تواصل مستمر منذ أكثر من عام، سبق أن تحدثنا عن إمكانية اللجوء إلى القضاء لكنه فضّل التريث عسى وعلّ أن تصل المصارف والدولة اللبنانية إلى حلول، لكن مع استمرار حالة النكران وبعد إقدام رجل الأعمال طلال أبو غزالة على خطوة رفع دعوى جماعية، قرر الحبتور المضي قدماً بالدعوى، وما هو مؤكد أنه جدي في قراره، ولذلك كلّف مكتب محاماة أميركي لرفع الدعوى أمام محاكم نيويورك". 

وسبق رجل الاعمال الأردني، طلال أبو غزالة، الحبتور في اتخاذ قرار رفع دعوى جماعية ضد المصارف اللبنانية، وذلك بعد تكليفه من قبل جمعية "صرخة المودعين" و"الجبهة الموحدة للمودعين"، كما ذكرتا في بيان الشهر الماضي وذلك "لقيادة تحركات المودعين والعمل ضمن إطار قانوني بهدف المطالبة وتحصيل اموالهم المجمدة وفوائدها المتراكمة منذ عدة سنوات في البنوك اللبنانية". 

تكليف أبو غزالة جاء بعد أن "ضاقت السبل بأكثر من 500 ألف مودع لبناني لتحصيل أموالهم المحتجزة قسرا في البنوك"، وقد كلف رجل الاعمال الأردني "فريقا من المحامين في كل من لبنان، فرنسا والأردن على نفقته الكاملة لإجراء الدراسات اللاّزمة لوصف الجرائم المرتكبة في حق المودعين واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة سواء في لبنان أو في أوروبا وأمام كافة المراجع القضائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان". 

حال استكمال الوثائق اللازمة سيقوم الفريق برفع دعوى جماعية، بحسب ما ورد في البيان "في كل من لبنان وفرنسا والأمم المتحدة وأي دولة أخرى طرف في الدعوى بتهم جرائم الفساد وتبييض الأموال وتهريبها، إضافة إلى اعتبارها دوليا جريمة مالية ضد الإنسانية". 

"بروباغندا إعلامية" 

في الوقت الذي يرى فيه مغنية أن الدعوى التي سيتقدم بها الحبتور ستشكل عامل ضغط إضافيا على المصارف اللبنانية، آملا أن تعود الحقوق لأصحابها، يصف محامي "جمعية المودعين" ورئيس جمعية "الشعب يريد إصلاح النظام"، حسن بزي، قرار الحبتور بالـ "بروباغندا الإعلامية" غير الواقعية، كونه "لا يوجد عملياً ما يسمى دعوى جماعية تؤدي لاستعادة الحقوق إلا في الولايات المتحدة الأميركية، وهي تقدم ضد مصرف واحد أي مدين واحد لمجموعة دائنين، بالتالي الدعوى التي ينوي الحبتور رفعها لن تؤتي ثمارها ضد مجموعة المصارف والتحضير لها لن يقل عن سنة". 

ولا يعترف النظام القضائي الأوروبي بالدعاوى الجماعية، من هنا سيلجأ الحبتور كما يقول بزي "إلى أميركا، لكن أي حكم ستصدره محاكمها يجب تنفيذه في لبنان، فلماذا كل هذا الإرباك وقد قطعنا شوطا في الدعوى التي سبق أن تقدمت بها الدائرة القانونية لجمعية الشعب يريد إصلاح النظام، ضد كل المصارف اللبنانية أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان". 

ويضيف "تحقق القاضية غادة عون مع 15 مصرفاً، وسبق لها أن أصدرت قراراً بمنع التصرف على أملاك 15 مصرفاً وأموال رؤساء وأعضاء مجالس إداراتها، ومنع سفر خمسة رؤساء منهم، بالتالي إذا كان رجلا الأعمال الحبتور وغزالة جدّييّن يمكنهما الانضمام إلى الدعوى التي رفعتها الدائرة القانونية لجمعيتنا". 

تتزامن التحضيرات لرفع الدعاوى الجماعية مع إضراب المصارف اللبنانية الذي دخل أسبوعه الثاني، حيث تقتصر خدماتها على ماكينات الصرف الآلي. قرار الإضراب أعلنت عنه جمعية المصارف وذلك بعد اجتماع عقدته لمناقشة "الاستدعاءات القضائية الأخيرة وتأثيرها على انتظام العمل المصرفي وحقوق المودعين"، مطالبة في بيان "السلطات اللبنانية باتخاذ إجراءات طال انتظارها لحل أزمة مالية خانقة في البلاد". 

إغلاق المصارف لأبوابها جاء رداً على الحكم "التاريخي لصالح المودعين"، كما وصفه تحالف "متحدون"، حيث أصدرت محكمة التمييز المدنية في الأول من الشهر الجاري، قرارين قضيا بقبول الطعنين التمييزيين المقدّمين من مؤسس التحالف، المحامي رامي علّيق، بوكالته عن المودعَين عياد إبراهيم من جمعية صرخة المودعين وحنان الحاج، ضد مصرف فرنسبنك، وإلزام المصرف بدفع الشيكين المصرفيين عداً ونقداً بعملة الإيداع أي الدولار الأميركي، مع الفوائد واللواحق المستحقة عليهما من قيمة الوديعة". 

وبناء على ذلك أصبح قرار رئيسة دائرة التنفيذ في بيروت بإنفاذ الحجز التنفيذي على جميع أسهم وعقارات وموجودات وأموال "فرنسبنك" وفروعه وشركاته في كل لبنان سارياً، تمهيداً لاستيفاء مبلغ الوديعتين وإلا لطرحها في المزاد العلني، بحال عدم رضوخ المصرف وتسديده لكامل المبلغ. 

وبعد قرار محكمة التمييز، يشدد علّيق في حديث لموقع "الحرة"، على أنه "لا بد من ان نتخذ موقفاً حاسماً إلى جانب القضاء اللبناني لاسيما بعد التقدم الكبير في مسار الدعاوى أمامه". 

إضراب المصارف وضعته رابطة المودعين في خانة محاولة ثني يد القضاء، حيث أشارت في بيان إلى أن "عصابة أصحاب المصارف اللبنانية، وبعد أن فشلت في شراء ضمائر بعض القضاة، تأخذ اللبنانيين رهائن، في إضراب يهدف إلى ثني يد القضاء، والدفع باتجاه إقرار قانون كابيتال كونترول مشوّه، من خارج سلّة قوانين متكاملة لإعادة هيكلة القطاع، والمحاسبة وتوزيع الخسائر بشكل يحمي المودعين ويحمّل الثمن للمصارف". 

وبعد أن أشارت الرابطة إلى مئات الدعاوى القضائية التي رفعتها بوجه المصارف والمصرفيين في لبنان والخارج، وتقديمها و"منظمة المحاسبة الآن أمام الاتحاد الأوروبي بطلب فرض عقوبات على مصرفيين وسياسيين"، حذّرت المصارف من الاستمرار بالإقفال "تحت طائلة ملاحقتها قضائياً بتهمة تعطيل مرفق عام، وتهديد ما تبقى من استقرار مالي وأمن اجتماعي، والتطاول على هيبة القضاء". 

دعوة لتوحيد الجهود 

فيما يخص الدعاوى التي يريد كل من أبو غزالة والحبتور التقدم بها علّق علّيق بالقول "نحن مع متابعة الدعاوى في الخارج وإن كان لدينا ملاحظات تقنية فيما يتعلق بسيرها، من دون أن يحول ذلك عن لحظ التطورات القضائية في الداخل، وأكرر نحن نقف إلى جانب القضاء اللبناني إذ لا قيامة لدولة من دون قضائها". 

ويشرح: "لجأ أبو غزالة والحبتور إلى القضاء الأجنبي كون النظام القضائي اللبناني لا يعترف بالدعاوى الجماعية، وسبق أن تقدمت وعدد من المحامين بوكالتنا عن جمعية "صرخة المودعين"، بما يشبه هذه الدعاوى، منها ضد شركة مكتّف للتحويلات المالية وهي تشمل 16 مدعى عليه من بينهم رياض سلامة ومصارف وصيارفة، ودعوى أخرى ضد رياض سلامة وشقيقه رجا وأعوانهما، ودعوى على أعضاء مجلس المصرف المركزي الذين شغلوا هذا المركز منذ سنة 1990 إلى الآن، إضافة إلى حاكم مصرف لبنان". 

كما تقدّم علّيق في سبتمبر الماضي بشكوى أمام اللجنة الدولية لحقوق الإنسان ضد المصارف اللبنانية وأصحابها ومديريها "لارتكابهم جرائم ضد الفرد والإنسان"، وكما يقول "حصلنا على رد رسمي ونتابع مسار هذه الشكوى"، داعياً الى توحيد الجهود والعمل كجبهة واحدة "فالتفرقة تضعفنا". 

من جانبه، يتساءل بزي عن توقيت قرار الحبتور رفع دعوى جماعية، بعد مرور حوالي أربع سنوات على حجز أموال المودعين، لاسيما كما يقول إن "دائرة التنفيذ في بيروت سبق أن أصدرت مجموعة قرارات بالحجز على أموال وممتلكات المصارف بناء على دعاوى رفعها أصحاب رؤوس الأموال من بينهم الحبتور وأبو غزالة، مما يعني أن باستطاعتهما تحصيل أموالهما على المستوى الشخصي". 

ويشير إلى أنه "بناء على دعوى طلال أبو غزالة أصدر رئيس دائرة التنفيذ فـي بيروت قراراً قضى بالحجز الاحتياطي على أموال مصرف سوسيتيه جنرال في لبنان وعلى أموال رئيس وأعضاء مجلس إدارته وذلك ضمانة للحقوق المتوجبة لأبو غزاله من جرّاء حجز المصرف للأموال العائدة له، فلماذا يريد تقديم دعوى في الخارج، من دون أن يعني ذلك أني لست مع كل دعوى ترفع ضد عصابة المصارف، لكن في الواقع الدعاوى في لبنان فعالة أكثر". 

"حركة من دون بركة"

تفاعل عدد من السياسيين مع تغريدة الحبتور، من بينهم النائب اللواء أشرف ريفي، الذي اعتبر أن قرار رجل الأعمال الاماراتي "أكبر إدانة للمنظومة السياسية والمالية في لبنان"، مشدداً في تغريدة على ضم صوته لجميع المطالبين باسترداد الودائع وجنى العمر سواء كانوا لبنانيين أو عرب، وقال "نعم، لا بد من المحاسبة كي لا يُسرق الناس بدمٍ بارد. إن لم نطبّق مبدأ المساءلة والمحاسبة لن يرتدع السارقون (..)".

لكن خبير المخاطر المصرفية الباحث الاقتصادي، محمد فحيلي، يعتبر أن حركة اللجوء إلى القضاء لحل قضية أموال المودعين "من دون بركة"، مشدداً على أن "هناك تجييشا من قبل بعض المحامين لحث المودعين على رفع دعاوى على المصارف سواء في الداخل أم الخارج، لكن اللجوء إلى القضاء لحل النزاع بين المودع والمصرف أمر لا بد منه في الظروف الطبيعية، في حين ما يجري بين المصارف والمودعين، لا يمكن وصفه بأنه ظروف طبيعية". 

ويضيف "لا أحد يمكنه إنكار أحقية ما يُطالب به المودعون، لكن محاولة إقناعهم من قبل نقابة المحامين بإمكانية استرداد أموالهم في حال اللجوء إلى القانون 2/67 المعروف بـ "قانون إنترا"، غير واقعية في هذا الزمن، كون المشكلة لا تكمن بالقانون، بل بكل ما يمر به البلد".  

"السلطة السياسية هي من تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تبخر أموال المودعين" بحسب خبير المخاطر المصرفية "بالتالي الدعاوى القضائية يجب أن تشملها لا أن تقتصر على المصارف التي لا شك أنها أخطأت لكن في ذات الوقت لا يمكن وصف هذه الأخطاء بالجرائم".

وشدد على أن "تجييش القضاء، سواء اللبناني أو الأجنبي، ضد المصارف يعيق المساعي لإعادة الحياة إلى القطاع التي تتطلب ضخ رأسمال جديد، ولن يقدم أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في مؤسسات تعاني من فائض من الدعاوى ضدها وضد القيمين عليها". 

وسبق أن أكد المقرر الخاص للأمم المتحدة، المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان أوليفييه دي شوتر، بعد زيارته لبنان في نوفمبر 2021، أن السلطة اللبنانية والمصرف المركزي مسؤولان عن أزمة مالية غير مسبوقة أدت الى "إفقار غير ضروري" لغالبية السكان الذين يتخبطون لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم".  

كما سبق أن صنف البنك الدولي أزمة لبنان بأنها واحدة من أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وباتت تعرض الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد للخطر على المدى الطويل، محملاً الطبقة الحاكمة مسؤولية "الكساد المتعمد". 

وفي إطار تنفيذ لبنان لالتزاماته في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والقوانين اللبنانية الداخلية، اختمم وفد قضائي أوروبي من ألمانيا وفرنسا ولوكسمبورغ أولى استجواباته الشهر الماضي، مع مصرفيين لبنانيين ومسؤولين حاليين وسابقين في المصرف المركزي، وذلك في إطار تحقيق بغسل أموال مرتبط بالحاكم رياض سلامة. 

وقبل أيام أشار سلامة إلى أنه "كان هناك خطة لتحميلي شخصياً ومنفرداً مسؤولية الأزمة" مشدداً في حديث تلفزيوني على أنه تحت تصرف القضاء اللبناني والأجنبي. 

وفي خضم حرب "الدعاوى" عليها، تحاول المصارف الحصول على "سلاح قانوني" فتاك لإعلان الانتصار، إلا وهو قانون الكابيتال كونترول، الذي إذا أقر ستتوقف كما يقول بزي "مقاضاة المصارف وتعطى براءة ذمة وسيُحمل المودعون الخسائر" وكانت جمعية المصارف طلبت من السلطات اللبنانية تمريره بحجة أنه "يضع الضوابط على السحوبات والتحويلات إلى الخارج". 

لو ربح المودعون كل الدعاوى التي رفعوها ضد المصارف، لن يعيد ذلك بحسب فحيلي "قطرة من الثقة المفقودة بين الطرفين"، من هنا يرى أن "على القطاع المصرفي إطلاق عجلة التفاوض بين مصارفه ومودعيها (الدائنين) لترميم الثقة وإعادة الحياة والحيوية إلى ربوع المؤسسات المصرفية، وعلى المودعين أن يكونوا على يقين بأن الحفاظ على أموالهم يكون بالحفاظ على القطاع المصرفي (وليس بالضرورة كل مصرف) وإعادة انتظامه، كونه الممر الإلزامي لإنقاذ الاقتصاد وتعافيه ونموه". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.