الشاب قتل تحت التعذيب
أظهر تقرير الطب الشرعي وجود كدمات وعلامات حروق في عدة أجزاء من جسد عبد السعود | Source: MBN

"من دون رحمة قتلوه، يتّموا أطفاله الثلاثة، حرموني وإياهم من سندنا، أصبحنا ننام وأمعاؤنا خاوية. حتى الآن مرّت سبعة أشهر على الجريمة النكراء وها أنا انتظر عدالة الأرض والسماء، ولكي أضمن عدم إفلات الجناة من العقاب وضعت القضية بعهدة الأمم المتحدة"... بهذه الكلمات اختصرت حمدة السمير، زوجة اللاجئ السوري بشار عبد السعود، الذي قضى تحت التعذيب على يد جهاز أمن الدولة في لبنان، وجعها ومسار القضية التي هزّت الرأي العام.

تعود قضية عبد السعود إلى 30 أغسطس 2022، حين اعتقلته لجنة الأمن الداخلي لمخيم صبرا وشاتيلا للاجئين في مكان إقامته بأمرٍ من المديرية العامة لأمن الدولة اللبنانية لحيازته ورقة مزورة من فئة الخمسين دولاراً، لينُقل إلى قسم أمن الدولة في تبنين في جنوب لبنان حيث تعرض على أيدي أفرادها للتعذيب حتى فارق الحياة.

أظهر تقرير الطب الشرعي وجود كدمات وعلامات حروق في عدة أجزاء من جسد عبد السعود بالإضافة إلى علامات تشير إلى استخدام سوط أو سلك كهربائي، وخلص التقرير إلى أن وفاته نجمت عن تلف في الجهاز العصبي المركزي، بعد تعرضه لإصابات أدت إلى ألم شديد ومعاناة كبيرة.

في 2 سبتمبر 2022، أمر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية باحتجاز خمسة عناصر بينهم ضابط من فرع أمن الدولة في تبنين، وأحالهم إلى قاضية التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا، التي وجهت في 29 نوفمبر تهمة التعذيب إليهم بموجب قانون مناهضة التعذيب لعام 2017، ورغم ذلك يعترض وكيل عائلة عبد السعود، مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، على متابعة القضاء العسكري للقضية بدلاً من القضاء العدلي تطبيقا لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وذلك "مراعاة لمتطلبات الحياد والاستقلالية".

مخاوف صبلوح من تسويف وتمييع القضية وإفلات الجناة من العقاب، دفعته كما يقول لموقع "الحرة" إلى تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة بالتعاون مع منظمة "مينا رايت"، هذه المخاوف لم تأت من فراغ كما يشدد "بل من تجارب عديدة تتعلق بـ 30 قضية تعذيب خلال السنوات الثلاث الأخيرة، جميعها تم حفظها لينجو المجرم من العقاب".

ويضيف "وصل الرد الأممي إلى الحكومة اللبنانية برسالة شديدة اللهجة نتمنى أن تحترمها قبل أن تظهر مفاعيلها خلال المراجعة الدولية الشاملة التي تعقد في مقر الأمم المتحدة في جنيف مرة كل أربعة سنوات، حيث ستطلع الدول المشاركة على الرسالة والتقارير الموثقة التي تثبت عدم إقدام السلطة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة منها، وبالتالي سيتم تهديدها بقطع المساعدات عن الأجهزة الأمنية في حالة استمرارها بارتكاب مثل هذه الانتهاكات، نتأسف أنه لم يعد لدينا سوى هذه الوسيلة لمعاقبة مرتكبي جريمة التعذيب".

"بقعة" طمأنينة

تصف حمدة كيف أن ولديها يسارعان كلما سمعا الباب يُطرق ظناً منهما أن والدهما قد عاد، وكيف أن صغيرها ذات الشهور التسعة لن يعرف وجه والده عندما يكبر إلا من خلال الصور، وتقول "حتى زيارة قبر زوجي حرمت منها، إذ لا أعلم حتى الآن ماذا حلّ بجثته، فبعد أن انتظرنا الكشف عليها من قبل الطبيب الشرعي الذي أثبت أن بشار قتل تحت التعذيب، طالب والده بنقل جثمانه إلى سوريا لدفنه، لكن اطلع أنه جرى دفنه من دون تحديد المكان".

وتضيف "الوجع كبير جداً، حتى الآن لا يمكنني استيعاب كل هذا الحمل الذي ألقى على كتفي، فأنا معدمة مادياً، أعيش تحت خط الفقر، أفكر طوال الشهر في كيفية تأمين بدل إيجار الغرفة التي أسكنها في مخيم شاتيلا والبالغ مليوني ليرة وفاتورة المولد التي وصلت إلى مليون و700 ألف ليرة، وفيما إن كان الجيران سيقدمون لي ولأطفالي وجبة طعام أم أنه سيمر اليوم علينا من دون أن نسد جوعنا حتى برغيف خبز".

تعيش ابنة دير الزور رعباً من المستقبل وتقول "ما الذي ينتظرنا وأنا لا أملك المال لتعليم أولادي، فحتى تكلفة باص نقل الطلاب أعجز عن تأمينها، وفي ذات الوقت لا يمكنني العودة إلى بلدي ورمي مسؤوليتنا على أهلي، فوالدي ضرير ووالدتي امرأة عجوز، ولكل الوجع الذي أمرّ فيه آمل ألا يخيب ظني وأن يدفع المجرمون الثمن وأن يذيقهم الله من ذات الكأس المرّ الذي أجبروني على تجرّعه".

ما يطمئن حمدة كما تشدد رسالة المقرر الخاص للأمم المتحدة التي وجهها إلى الحكومة اللبنانية، قائلة "شاركني من خلالها هواجسي من تمييع القضية"، ومما جاء في رسالته "نُعرب عن قلقنا العميق إزاء غياب تحقيق فعال ونزيه ومستقل في الأسباب والظروف التي أدت إلى وفاة عبد السعود أثناء احتجازه، الذي يبدو احتجازاً تعسفياً، وغير قانوني من قبل عناصر أمن الدولة في تبنين، وبشكلٍ خاص في الشكوك القوية بتعرض الضحية للتعذيب في ضوء العلامات الكثيرة المرئية على جسده".
 
وأضاف "كانت أوجه القصور المماثلة التي أثارتها هذه القضية موضوع بلاغات سابقة موجهة إلى حكومة حضرتكم. يشير التعامل مع هذه القضايا - التي نؤكد على خطورتها الاستثنائية لأنها تتعلق بادعاءات خطيرة بشأن أعمال التعذيب ووفاة أشخاص في الحجز من قبل القضاء العسكري الذي ربما تكون كياناته متورطة في مثل هذه الأعمال - إلى غياب متطلبات الاستقلال وعدم الحياد الضرورية في مثل هذه التحقيقات والإجراءات القانونية".

يتعارض التعذيب كما جاء في الرسالة "مع مختلف الأحكام المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه لبنان في 3 نوفمبر 1972، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادق عليها لبنان في 5 أكتوبر 2000. يشكل الحق في الحياة قاعدة من القواعد الآمرة والقانون الدولي العرفي التي تنطبق في جميع الأوقات وتتطلب من الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اتخاذ تدابير خاصة لحماية الأشخاص - بمن فيهم اللاجئون - في حالات الضعف الذين تعرّض حياتهم للخطر بسبب التهديدات أو أنماط العنف".

استجواب أممي 

طلب المقرر الأممي من الحكومة اللبنانية تقديم معلومات محددة عن أسباب "توقيف عبد السعود، والأساس القانوني لاعتقاله، وفيما إن تم تقديم مذكرة توقيف أثناء الاعتقال، وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي الجهة التي وقّعت عليها، كما طلب تقديم معلومات محددة ومفصلة عن الأسباب والظروف التي أدت إلى وفاته في الحجز بعد ساعات من اعتقاله".

ومما طلبه كذلك "معلومات محددة عن تحقيقات الطب الشرعي التي أُجريت على جثة عبد السعود بعد وفاته في الحجز، والتقدُّم المُحرز في التحقيق ونتائج التحقيق التي تم إبلاغها لأسرته، وشرح أسباب نقل التحقيقات وإجراءات المحاكمة المتعلقة بوفاته إلى القضاء العسكري اللبناني وكيف تم احترام متطلبات الاستقلالية والحياد المنصوص عليها في المعايير الدولية، وتبيان الخطوات المتخذة أو المزمع اتخاذها لإحالة القضية إلى المحاكم المدنية العادية".

منح المقرر الأممي الحكومة اللبنانية ستين يوماً للإجابة عن تساؤلاته، لكن انتهت المهلة من دون أي إجابة، عن ذلك يعلّق صبلوح "سكوتها يشير إلى إرباكها، لا سيما وأن هناك محاولات لطمس الحقيقة، أولى هذه المحاولات كما ذكرت متابعة القضاء العسكري للملف، ثانيها ادعاء المتهمين بأن الضحية فارقت الحياة نتيجة جرعة زائدة من المخدرات، ثالثا عدم تسليم تقرير الأدلة الجنائية والمختبرات ولا حتى صور جثة بشار إلى رئيس المحكمة رغم مرور سبعة أشهر على الجريمة".

يشرح صبلوح أنه "في المحكمة العسكرية، يمنع المدعي الشخصي في القضية من المشاركة أو التعليق طوال مدة المحاكمة، حيث يحق له حضور الجلسات فقط من دون النطق بأي كلمة، وفوق هذا كان رئيس المحكمة يريد عقد جلسة سرية ما يعني عدم تمكننا من الاطلاع على مجرياتها، وبعد ان تراجع أطلعته أن بحوزتي قرص فيديو يثبت آثار الضرب والتعذيب على عبد السعود، فكلفني بإبرازه".

ومما يثير الهواجس كذلك بحسب صبلوح انه "بعد أربعة أيام من إحالة الملف إلى القضاء العسكري تم تحديد جلسة، وهذا أمر مستغرب، ففي القضايا الجنائية الأخرى تحدد أولى الجلسات بعد ثمانية أشهر، اما الجلسة الثانية لقضية عبد السعود فحددت في 5 يونيو، وهنا أخشى من أن يكون إطالة المدة من باب الرهان على نسيان الرأي العام للقضية".

في الجلسة القادمة سيطلب المحامي ضم رسالة المقرر الخاص للأمم المتحدة إلى الملف، "حتى لو لم يكن القانون يسمح لي بذلك، فهدفي أن يعلم رئيس المحكمة ان القضية قيد المتابعة الإعلامية والاممية وانه من غير المسموح له التسويف والمماطلة، مع العلم أنه لو لم أقدم على هذه الخطوة لكان أخلي سبيل كل المتهمين في القضية، وقبل ايام علمت بأنه أطلق سراح متهمَيْن ليبقى الضابط وعنصر واحد".

سلسلة تطول

بين الفترة والأخرى تطفو على السطح قصة تعذيب جديدة في لبنان، ففي شهر يونيو الماضي ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهات صادمة تظهر ضرب وتعذيب عمال لبنانيين وسوريين، منهم قاصرون، على يد صاحب ارض زراعية في منطقة مجدل العاقورة (قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان)، وذلك بحجة سرقتهم مبلغ مليون ليرة.

وفي شهر أغسطس الماضي ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو لـ"شاويش" في أحد الحقول الزراعية اللبنانية وهو يضرب ويجلد أطفالاً سوريين، وقبل أيام تم تداول صور اللاجئ السوري غ. ب البالغ من العمر 15 سنة والتي تظهر تعرضه للضرب المبرح علىِ يد شرطي بلدية بزبينا في عكار شمال لبنان.

المركز اللبناني لحقوق الانسان شرح أن الحادثة وقعت في 12 فبراير الحالي، "بحجة سرقة محفظة"، وذلك قبل أن يتضّح لاحقاً أن ذلك غير صحيح، مضيفاً في بيان "بحسب الادعاء الذي قدمه القاصر في مركز شرطة بينو في عكار، فقد اختطفه د.ش. خلال عمله في أحد المقاهي، ومن ثم اقتاده إلى منطقة منعزلة، وضربه، وهدده بالقتل، وأطلق النار بالقرب منه. بالإضافة إلى ذلك، قام بإجباره على الاعتراف بأنه سرق المحفظة في فيديو سجله شرطي البلدية".

واعتبر المركز اللبناني لحقوق الانسان ان "بلدية بزبينا فشلت في البداية في اتخاذ إجراءات ومواصلة التحقيق في جريمة د.ش، حيث لجأت إلى تغطيته والقول إن «الحادث شخصي» لم يحصل اثناء خدمة الشرطي، بالإضافة إلى ذلك، ادعت البلدية أن القاصر له تاريخ في السرقة، الامر الذي تم نفيه من قبل عائلته. ومع ذلك، قرر المجلس البلدي في وقت لاحق فصل د.ش. من مهامه كشرطي بلدي".  

وشدد على انه "لا يمكن لأي اتهام ان يكون مبرر لانتهاك حقوق الانسان" داعياً إلى المزيد من التحقيقات في هذا الهجوم لمحاسبة د.ش. على أفعاله استنادا الى القانون 65/2017 المتعلق بتجريم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، معتبراً أنه "من الضروري التصدي للتحريض ولثقافة الإفلات من العقاب السائدة والتي تساهم باستمرار جرائم الكراهية والتهميش ضد اللاجئين السوريين في لبنان، خاصةً في ظل تنامي العنصرية والكراهية ضدهم".

وفي حديث مع موقع "الحرة" قال رئيس المركز وديع الأسمر، "للأسف معظم من لديهم سلطة في لبنان، يعتبرون أنفسهم محققون وقضاة، هؤلاء يجب أن يكون عقابهم مزدوجاً، أولا بسبب ممارستهم للتعذيب وثانيا لأنهم يتخطون صلاحياتهم الوظيفية"، وفيما يتعلق بقضية عبد السعود، اعتبر أن "القرار الذي اصدرته قاضية التحقيق العسكري، نجاة أبو شقرا، خطوة إيجابية بغض النظر عن اننا لا نعلم إلى أين ستصل القضية، إلا أنها من المرات النادرة التي يتم فيها توقيف من مارسوا التعذيب ومن اعطى الأمر لهم".

يشدد الأسمر على أن "التعذيب جريمة مزدوجة وليس أداة للتحقيق، أولا هو جريمة بحق الشخص الذي يمارس التعذيب ضده للاعتراف بارتكاب جنحة أو جناية، وثانياً هو جريمة بحق ضحايا الجنحة أو الجناية كونهم لا يعلمون فيما إن كان المتهم اعترف بما لم يرتكبه للخلاص من التعذيب" ويضيف "رغم تصديق مجلس النواب اللبناني على قانون مناهضة التعذيب، إلا أنه لا زلنا نلحظ استمرار اعتبار الأجهزة الأمنية هذه الجريمة بأنها جزء من التحقيق، وما زلنا نلمس تساهل القضاء مع هذه الانتهاكات".

متطلبات الردع

تكمن الاشكالية القانونية الكبرى بحسب الأسمر "في تحويل ملفات التعذيب إلى القضاء العسكري الذي لا يضمن محاكمة عادلة، كون المتهمون في هذه القضايا من الأجهزة الأمنية فيما الضحايا من المدنيين".

سبق ان ناشدت منظمة العفو الدولية السلطات اللبنانية بنقل قضية عبد السعود من المحكمة العسكرية "التي لا تتلاءم مع معايير المحاكمة العادلة إلى القضاء الجزائي العادي، بما يتماشى مع القانون اللبناني والمعايير القانونية الدولية التي تؤكد على أن المحاكمات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تتم في المحاكم الجزائية العادية لضمان تحقيق العدالة".

وشددت على أن "عشرات الشكاوى التي تستند إلى قانون مناهضة التعذيب لا تزال من دون تحقيق" وبأنها توثق بانتظام "استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في مراكز الاحتجاز اللبنانية. وفي مارس 2021، أصدرت المنظمة تقريراً يوثق مجموعة من الانتهاكات، بما في ذلك التعذيب، ضد 26 لاجئاً سورياً، من بينهم أربعة أطفال، جرى احتجازهم بتهم تتعلق بالإرهاب بين عاميْ 2014 و2021".

إذا كان هدف صبلوح من الشكوى التي تقدم بها إلى الأمم المتحدة في قضية عبد السعود "الضغط على السلطة اللبنانية لكي يسلك الملف المسار الصحيح" فإن الأسمر يرى أنه "في اغلب الأحيان يكون الهدف من اللجوء إلى الأمم المتحدة إعطاء القاضي مساحة أكبر من الاستقلالية لممارسة مهامه من دون أي تدخلات ووساطات لتقويض العدالة".

من يملك قدرة الحد من ارتكاب جريمة التعذيب بحسب رئيس المركز اللبناني لحقوق الانسان "هو القضاء، فإيقاف ومعاقبة أي متورط من أي جهاز أمني كفيل بردع بقية زملائه، وذلك بالتوازي مع لعب الوزارات المسؤولة عن هذه الأجهزة دورها بممارسة رقابة جدّية على العناصر والضباط واغلاق غرف التعذيب".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف
لاعبة التنس العراقية نجلاء عماد المشاركة في بارالمبياد باريس 2024- أرشيف

في ختام أغسطس الماضي انطلقت الألعاب البارالمبية في العاصمة الفرنسية باريس، يشارك فيها آلاف اللاعبين بدرجات إعاقة جسدية متفاوتة.

وتشهد كل دورة بارالمبية عادةً، مشاركة العديد من مصابي الحروب والنزاعات المسلحة حول العالم، كما حصل في دورة طوكيو 2020 مثلاً، حين شارك لاعب التايكوندو بارفيت هاكيزيمانا كأحد أعضاء فريق اللاجئين. 

لاقى بارفيت المتاعب منذ ولادته بسبب الحرب الأهلية التي عاشتها بلاده رواندا، فعندما كان عمره 8 سنوات، تعرض المخيم الذي عاش فيه إلى هجوم أفقده والدته وأصابه برصاصة خلّفت إعاقة دائمة في ذراعه.

في 2015 غادر بدأ ممارسة الرياضة التي مكّنته من التعافي والارتقاء بمستواه حتى تقرّر ضمّه إلى فريق اللاجئين البارالمبي.

وشهدت دورة لندن البارالمبية 2012 مشاركة العدّاء الفرنسي من أصل بوروندي جان بابتيست أليز (Jean-Baptiste Alaize) الذي كان طفلاً أثناء اشتعال الحرب الأهلية في بلده، حين هاجم مسلحون منزل عائلتته فقتلوا والدته وقطعوا ساقه بالساطور.

تبنتته عائلة فرنسية، وحظي برعاية رياضية مكنته من خوض تنافسات محلية ودولية، ليُظهر تفوقاً في رياضة الجري، ما سمح له بخوض بطولة العالم لألعاب القوى في نيوزيلندا عام 2011 ودورة لندن البارالمبية 2012.

في المقال، نتعرف على أبرز اللاعبين المشاركين في بارالمبياد باريس، الذين أصيبوا بإعاقات جرّاء الإصابة في الحروب التي شهدتها بلدانهم.

من قلب النزاعات إلى حضن الملاعب: لاجئون في أولمبياد باريس
يشهد أولمبياد باريس المرتقب هذا الشهر حدثاً فريداً وهو مشاركة أكبر فريق للاجئين على الإطلاق، إذ يضم 36 فرداً من 11 دولة خضعوا لبرامج تأهيل مكثفة سمحت لهم بتحقيق أرقامٍ رياضية مميزة، فأهّلتهم للمشاركة في هذا الحدث الرياضي الهام.

العراقية نجلاء عماد

في عام 2008 وبينما كانت نجلاء ذات الأربع سنوات تستعد لاستقبال والدها أثناء عودته من العمل، استُهدفت سيارته بعبوة ناسفة.

نجى الأب بحياته من الحادث أما الطفلة الصغيرة فقد تعرضت لإصابات بالغة أدّت إلى بتر ساقيها الاثتنين وذراعها الأيمن.

مرّت الطفلة الصغيرة بفترة صعبة تمنّت فيها الموت بعد فقدانها أطرافها الثلاثة إلا أنها وجدت الملاذ في الرياضة بعدما بدأت في ممارسة تنس الطاولة وهي في العاشرة من عُمرها.

حققت نجلاء نجاحاً كبيراً مكّنها من التألق في البطولات المحلية ثم خوض تنافسات بارالمبياد طوكيو 2020.

وفي دورة الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الصين عام 2023، تمكنت نجلاء من حصد ذهبية.

البوسني صباح الدين ديلاليتش

خلال حصار سراييفو سنة 1992 تعرض صباح الدين للإصابة بفعل قذيفة دبابة أدت إلى إصابة حتّمت بتر جزء من ساقه اليُمنى.

بعد إصابته اتجه إلى لعب الكرة الطائرة، وهي الرياضة التي حقّق فيها تفوقاً لافتاً ومستمراً حتى بات أحد أساطير اللعبة في بلاده بعدما ساعد المنتخب البوسني على الفوز بـ27 ميدالية في المسابقات الدولية بما فيها ميداليتان ذهبيتان في البارالمبياد.

مُنح صباح الدين وسام "السادس من أبريل" وهو أعلى وسام تقدّمه مدينة سارييفو لتكريم أبنائها المتميزين، وفي 2022 اختير أفضل رياضي في البوسنة والهرسك.

يُزامل صباح الدين زميله إرمين جوسوفوفيتش الذي خسر ساقه بسبب الحرب أيضاً بعدما انفجر بجانبه لغم بعد أكثر من عام على انتهاء الحرب.

رياضيون فلسطينيون يحملون "معاناة غزة" إلى أولمبياد باريس
أكد الرياضيون الفلسطينيون الذين سوف يمثلون بلادهم في الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس أنهم قادمون للتعبير عن المعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة بسبب الحرب التي تدورها رحاها منذ نحو تسعة أشهر بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى.

الفلسطيني فادي الديب

في حفل افتتاح دورة باريس اقتصر الوفد الفلسطيني المشارك بالبطولة على فردٍ واحد هو فادي الديب، الذي سيخوض تنافسات رمي القرص في البطولة. 

في الوقت نفسه، يلعب الديب كرة السلة على مستوى المحترفين من ذوي الإعاقة.

في 2001 ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية كان فادي شاباً صغيراً في الثامنة عشرة من عُمره، خلال مشاركته في التظاهرات أصيب برصاصة إسرائيلية أدت إلى شلله.

بعد فترة تأهيل طويلة قرّر فادي التغلّب على الإعاقة بممارسة الرياضة؛ فلعب كرة السلة لثلاثة أعوام، ثم انتقل منها إلى ألعاب القوى. ويعيش الديب خارج قطاع غزة منذ سنوات عديدة بسبب خوضه المباريات كلاعب 

السوري إبراهيم الحسين

بدأ إبراهيم الحسين ممارسة السباحة منذ أن كان في الخامسة من عُمره وهي الرياضة التي انتظم في تدريباتها حتى اندلعت الثورة الشعبية عام 2011.

في 2012 شهدت مدينته دير الزور اشتباكات عسكرية عنيفة بين الجيش السوري والفصائل المسلحة المعارضة لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

تعرض أحد أصدقاء إبراهيم للإصابة بسبب انفجار قنبلة بجواره، وخلال انشغال إبراهيم بإسعافه تعرّض هو الآخر لهجومٍ صاروخي أفقده قدمه اليمنى. وبعد ثلاثة أشهر من إصابته، قرّر مغادرة سوريا إلى أوروبا، لتبدأ رحلة اللجوء بالهروب عبر تركيا ثم اليونان، وفيها نال رعاية طبية متقدمة وحصل على طرف صناعي مجاناً.

كما بدأ التدرب على السباحة مجدداً في اليونان وحقق نجاحاً لافتاً دفع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لضمّه إلى فريق اللاجئين الذي خاض أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 ضمن الفريق البارالمبي وحمل حينها شعلة الأولمبياد.

شارك الحسين أيضاً في أولمبياد طوكيو 2020  ضمن الفريق البارالمبي، ويستعد للظهور الأول في سباقات دورة باريس الحالية.