السوريون في لبنان.. جدل مستمر
السوريون في لبنان.. جدل مستمر

الحملة على اللاجئين السوريين في لبنان مستمرة، وقد وصلت إلى حد طلب وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال، هكتور حجّار، تنظيم مؤتمر دولي مخصص لبحث هذا الملف، "يبدأ بقراءة معمقة للأسباب المتعددة لوجود السوريين في لبنان، والانطلاق منها للبحث عن حلول جدية لهم، بهدف عودتهم إلى سوريا أو إعادة توطينهم في دولة ثالثة".

كلام حجار جاء خلال لقائه مفوض الإتحاد الأوروبي لإدارة الأزمات يانيز لينارتشيتش، والوفد المرافق له، إذ أوضح أن "لبنان قدم دعماً كبيراً للنازحين منذ أحد عشر عاماً"، معتبراً أن صفة النزوح لا تنطبق على كل السوريين الموجودين في لبنان، إذ أن "قسماً كبيراً منهم يتنقل بين البلدين بحرية ويتلطى خلف صفة النازح للاستفادة المادية"، كما قدّم شرحاً مفصلًا للأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية.

من جانبه أعلن لينارتشيتش، في بيان، عن "تقديم الاتحاد الاوروبي 60 مليون يورو كمساعدات إنسانية للفئات الأكثر ضعفا في ​البلاد​، بمن فيهم ​اللاجئون السوريون​ واللبنانيون المعوزون"، مشيرا الى أن "الحزمة الإنسانية الجديدة ستوفر مساعدات إنسانية أساسية مثل ​المساعدات الغذائية​، والدعم النقدي، والخدمات التعليمية والصحية لمن هم في أمسّ الحاجة إليها، كما أنها ستساهم في الاستعداد للكوارث وتوفير الاستجابة لحالات الطوارئ".

 ويتم تقديم جميع ​المساعدات الإنسانية​ للاتحاد الأوروبي على أساس الاحتياجات، بغض النظر عن الوضعية أو الجنسية، وذلك عن طريق المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، ومع هذا التمويل الجديد، يصل تمويل الاتحاد الأوروبي للأغراض الإنسانية للبنان منذ عام 2011 إلى حوالي 860 مليون يورو.

وذكر لينارتشيتش أن في 14-15 يونيو المقبل، سيستضيف الاتحاد الأوروبي مؤتمر بروكسل السابع عن دعم مستقبل سوريا والمنطقة، "وسيكون من الأهمية بمكان ضمان استجابة مجدية في لبنان".

بين التبرئة والاتهام

أدت الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان، إلى انتشار الفقر على نطاق واسع، وانهيار الخدمات العامة، وتزايد التوترات المجتمعية، كما فاقمت أزمة الغذاء والوقود العالمية الحالة المتردية أصلا، بحسب ما أورده مفوض الاتحاد الأوروبي في بيانه، مشيراً إلى انه "في الوقت الراهن، يحتاج حوالي أربعة ملايين شخص، من بينهم 1.5 مليون لاجئ سوري و2.2 مليون لبناني من الفئات الضعيفة، إلى مساعدات إنسانية".

لكن المساعدات الإنسانية ليست حلاً مستداماً على المدى الطويل، كما قال لينارتشيتش في مؤتمر صحفي "بل هي مساعدات طارئة للحفاظ على الحياة، فما يحتاجه لبنان إصلاحات وانتخاب رئيس للجمهورية وحكومة كاملة الصلاحية واتفاق مع المجموعة الدولية خصوصاً مع صندوق النقد الدولي، "وهذا الاتفاق سيفسح المجال أمام المساعدات المالية لتأتي إلى لبنان ومنها المساعدات الأوروبية التي يمكن أن تساعد لبنان على التعافي من الأزمة التي يمرّ فيها".

كلام المفوض الأوروبي، خلال مؤتمره الصحفي، استدعى رداً من حجار عبر سلسلة تغريدات، جاء فيها "سيدي الكريم لينارتشيتش لقد ذكرت خلال مؤتمرك الصحفي في بيروت أن الأزمة الحالية في لبنان من الناحية المالية والتضخّم ليست بسبب النازحين السوريين. طبعاً، النزوح السوري لا يتحمّل وحده مسؤولية ما وصلنا اليه اليوم في لبنان، ولكن يتحمّل جزءاً لا بأس به".

وشرح حجار "استفاد النازحون السوريون على مدى سنوات من المواد الغذائية المدعومة من خزينة الدولة اللبنانية التي تغذّيها ضرائب اللبنانيين، بالإضافة إلى الاستفادة من الدعم على الدواء الكهرباء والمحروقات، كما تحمّل لبنان أعباء كبيرة على الصعيد البيئي مع ارتفاع كلفة رفع النفايات التي ازدادت بشكل كبير، ناهيك عن الضغط على شبكات الصرف الصحي. ولا يمكن أن ننسى كلفة الحفاظ على الأمن وضبط الحدود البريّة والبحريّة في محاولة لمنع التسلّل إلى لبنان والهجرة غير الشرعية عبر البحر إلى أوروبا".

لجميع الأسباب التي ذكرها وزير الشؤون الاجتماعي، كرر في تغريدة دعوته إلى عقد مؤتمر دولي بمشاركة كل الأطراف المعنيين "بهدف تحديد النازحين السوريين الحقيقين، وتمييزهم عن "المقيمين" لأسباب اقتصادية أو لأسبابٍ أخرى وتحديد أعدادهم والعمل على خطّة متكاملة لإعادتهم إلى بلدهم أو إعادة توطينهم في بلدٍ ثالث".

ذرائع.. مرفوضة

يدعم وزير المهجرين اللبناني، عصام شرف الدين، طلب الوزير حجار عقد مؤتمر دولي بشأن قضية اللاجئين، لاسيما وأنه كما يقول: "الدول المانحة ضغطت على مفوضية شؤون اللاجئين والطرفان ضغطا على رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي لإيقاف خطة العودة بعد أن أنجزنا الملفين السياسي واللوجستي، فالدولة السورية حاضرة لاستعادة أعداد وافرة، أما فيما يتعلق بالنازحين السياسيين، نريد تفعيل ترحيلهم إلى دولة ثالثة وذلك بناء على طلبهم".

ويجزم شرف الدين، في حديث لموقع "الحرة"، على أنه "لو كان هناك قرار سياسي لبناني لإعادة النازحين لأقدمنا على ذلك سواء وافقت الأمم المتحدة ام لم توافق، فلبنان مغطى قانوناً كونه لم يوّقع على اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين".

من جانبه يؤكد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، في حديث مع موقع "الحرة" على أن "مفوضية اللاجئين ضغطت على رئيس الحكومة اللبنانية لإيقاف قوافل العودة، ليس فقط من باب إنساني، بل من أجل عدم إعطاء ورقة لروسيا والنظام السوري وحزب الله، الذين يصورون عودة السوريين على أنها انتصار سياسي".

وخلال زيارته الى بروكسل الشهر الماضي، تبلّغ الوفد النيابي اللبناني ان نوّاباً في البرلمان الأوروبي سيتقدّمون بمشروع قرار يتعلّق بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حيث كشف أحد أعضاء الوفد، النائب الياس اسطفان، ان "ملف النزوح السوري كان من أهمّ الملفات التي بحثناها خلال اجتماعاتنا مع جميع المسؤولين".

وأعلن اسطفان في حديث إذاعي، "قدّمنا لهم تفاصيل جديدة، قد تُحفّزهم على تقديم مشروع القرار خلال الجلسة التي ستعقَد في نيسان"، مضيفاً "النتيجة ليست مضمونة، لكن أعتقد أنّ الأمور ذاهبة في الاتجاه الصحيح".

ويشدد عبد الرحمن على ان "الوضع في سوريا غير آمن لعودة أي لاجئ، ولا يحق للحكومة اللبنانية التذرع بالأوضاع الاقتصادية أو الداخلية اللبنانية، فالجانب الإنساني لا علاقة له بذلك". وعن البحث عن دولة ثالثة لترحيل اللاجئين، علّق "إذا كان هناك دول تستقطب لاجئين استناداً إلى سياسة إعادة التوطين فبأعداد قليلة لا تتجاوز مئات العوائل، من دون ان تكون قادرة على استيعاب كل اللاجئين".

مخاوف وتطمينات

وتحت عنوان "الساكت عن الحق شيطان أخرس"، عقد رئيس حزب "الوطنيين الاحرار" النائب كميل شمعون، مؤتمراً صحفيا أمس الاثنين، طرح خلاله مشكلة "النزوح" السوري وتأثيره على الواقع اللبناني. شمعون اعتبر انه "حان الوقت أن نطالب بحقوق المواطنين اللبنانيين ونحن كنا أول من استقبلهم في بلادنا لحين انتهاء الحرب. آخر المعلومات تفيد أن العدد أصبح أكثر من 2.400000 نازح، خصوصاً بعد الزلزال المدمر والنسبة الاكبر موجودة في سهل البقاع".

ويشكل وجود السوريين في لبنان، بحسب شمعون "خطرا على الديموغرافية اللبنانية وهو أمر مرفوض من جميع اللبنانيين، إضافة إلى اقتصاد لبنان المفلس، بحيث لم يعد بإمكاننا تمويل الحد الأدنى لحاجات المواطن اللبناني الأساسية من كهرباء، مياه، صحة وغذاء ومدارس"، لافتاً إلى أن "المجتمع الدولي يمنح كل هذه الأمور للنازحين السوريين".

كما أشار إلى أننا "نرى من بعض النازحين الجرائم والسرقات وعمليات الخطف والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، والمشكلة الكبيرة والأخطر هي الولادات الكثيرة (6 اطفال سوريين مقابل كل طفل لبناني) وغير المسجلة، هي قنبلة موقوتة في وجه لبنان واللبنانيين. وأخذ فرص العمل من أمام اللبنانيين، المدارس الرسمية مقفلة في وجه اللبنانيين ومفتوحة للنازحين، إضافة إلى التلوث البيئي الحاصل من جراء عدم التنظيم".

واليوم الثلاثاء أصدرت بلدية دير الزهراني في جنوب لبنان، قراراً منعت من خلاله السوريين من استعمال الدراجات النارية بعد الإفطار حتى الصباح، مطالبة بإزالة "الاشكمانات" التي تصدر أصواتاً مزعجة، كما منعت ركوب الدراجة النارية لأكثر من شخصين.

وتكثفت في الآونة الأخيرة الاجتماعات المتعلقة بملف اللاجئين، وامس الاثنين اجتمع حجار مع المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في عمران ريزا، وممثل مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان إيفو فرايجسن ومدير برنامج الأغذية العالمي في لبنان عبد الله الوردات، للبحث في موضوع زيادة المساعدات النقدية المخصصة للاجئين السوريين في لبنان، إذ شدد الوزير اللبناني على "عدم الموافقة على أي طرح لا ينطلق من مبدأ العدل والمساواة بين اللبنانيين والنازحين السوريين الموجودين على أرضه وبضيافته".

وقبل أيام ترأس محافظ بعلبك الهرمل، بشير خضر، اجتماعاً أمنياً فرعياً في مركز بلدية عرسال، وذلك "بعد شكوى وطلب من مخاتير وفاعليات عرسال لوقف مزاحمة اليد العاملة السورية للعمال اللبنانيين في البلدة التي تضم 147 مخيما للنزوح السوري، عدا الشقق المستأجرة والمحلات التجارية"، مؤكدا "العمل على فرض القانون والامن وسلطة الدولة على هذه الأراضي وهي جزء من الأراضي اللبنانية".

وخلال الاجتماع، طالب خضر بتفعيل مسألة الأمن الاستباقي بملف اللاجئين، مشيراً إلى أنه تبلغ "من الأجهزة الأمنية في عرسال بأن ما بين 20 و30 عائلة سورية يتم ضبطها يومياً تحاول الدخول خلسة الى الأراضي اللبنانية في محيط البلدة،" موضحا أن "الامن العام لا يستطيع ترحيل اي نازح من تلقاء ذاته، فهناك قضاء وقانون وتعاون بين الأجهزة الأمنية وهناك صلاحيات حتى نحمل كل طرف مسؤولياته".

لكن، كما يقول عبد الرحمن "غالبية اللاجئين السوريين في لبنان من حاضنة شعبية معارضة للنظام، لاسيما من المناطق الحدودية في الداخل السوري التي هي بصورة أو بأخرى تحت سيطرة حزب الله أو ميليشياته أو الفرقة الرابعة، وبالتالي إعادتهم إلى سوريا تشكل خطراً على حياتهم، إذ يمكن لتقارير كيدية أن تودي بهم إلى السجن والتغييب والقتل، إضافة إلى أنه لا يمكن معرفة اللاجئ المؤيد للنظام من عدمه، اما الذي يدخل إلى سوريا ويعود إلى لبنان فهذا تسقط عنه صفة اللجوء".

وتتطلب عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، كما يشدد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان "حلاً سياسياً"، وإلى حينه "لا خوف من تغيير ديموغرافي في لبنان، كون وضع السوريين فيه ليس كوضع اللاجئين الفلسطينيين، أي استيطان من دون عودة، أما فيما يتعلق بالمخاوف من بعض الممارسات الخارجة عن القانون، فإن اللاجئين السوريين كما بقية الناس منهم المثقف والجاهل"، وختم: "السوريون يبحثون عن ملاذ آمن وفي النهاية لن يبقى الوضع في بلدهم على ما هو عليه".

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".