سهى ووردة
اختفت سهى ووردة وأمهما بعد مداهمة للجيش والأب يقول إنه لا يعرف مصير أسرته.

انتظرت رغد، الأربعاء الماضي، انتهاء الحصة الدراسية بفارغ الصبر للعودة إلى منزلها في بلدة رشميا في جبل لبنان، لتناول الطعام الذي أعدته والدتها واللعب مع أشقائها، لكن بدلا من ذلك صدمت أنه لم يفتح أحد لها الباب. وقفت تبكي متفاجئة من سلوكهم غير المعتاد، من دون أن تعي أن الأمر خارج عن إرادتهم، وأن حملة التوقيفات التي يقوم بها الجيش اللبناني ضد اللاجئين السوريين شملت أسرتها.

اعتقدت ابنة السبع سنوات أن الأمر لن يطول، وأن وقتا قصيرا يفصلها عن عودة أفراد عائلتها، ليكملوا سوية حياتهم الطبيعية، فقبل أن تودعهم للذهاب إلى المدرسة ألقت نظرة على ثياب العيد التي اشتراها لها والداها، وكلها أمل أن تسرّع عقارب الساعة حركتها ليأتي اليوم المنتظر وترتدي الثياب الجديدة، لكن فجأة صدمت بأن محمد (اسم مستعار)، وهو أحد معارف والدها أتى بدلا منه لأخذها، لتطول بعدها الأيام ويمر العيد من دون عائلة ولباس جديد.

يقول محمد إنه تلقى اتصالا أطلع من خلاله على حال الصغيرة فحضر واصطحبها إلى منزله لتبقى في كنفه إلى حين وضوح مصير عائلتها.

تزايدت المداهمات التي تشنها السلطات اللبنانية ضد السوريين منذ بداية أبريل الجاري، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان. وشملت الحملات مناطق مختلفة من العاصمة بيروت وبرج حمود وحارة صخر وصولا إلى منطقة وادي خالد والهرمل مرورا بقضائي الشوف وكسروان في جبل لبنان، وفقا للمرصد.

وقد أسفرت الحملة عن اعتقال مئات بتهم مختلفة منها (الشغب والاعتداء على المواطنين اللبنانيين وعدم امتلاكهم أوراقاً ثبوتية تخولهم البقاء في لبنان)، لينقلوا بعدها إلى موقع قريب من الحدود بين البلدين.

واعتقلت السلطات اللبنانية بحسب مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) ، 64 لاجئا سوريا من مناطق مختلفة في لبنان، يومي 10 و11 إبريل الجاري، بينهم مرضى وأطفال، قال المركز أنهم تعرّضوا خلال المداهمات الأمنية لعدة انتهاكات خطيرة، أبرزها الاعتقال التعسفي، والترحيل القسري، وسوء المعاملة تحت ظروف لا إنسانية.

"الموت المحتّم".. محصور

يسكن محمد في بلدة الغابون المجاورة لرشميا في قضاء عاليه، هو الآن يعيش وعائلته في حالة رعب، كما يقول لموقع "الحرة"، "كلما علمت بأن هناك مداهمة للجيش اللبناني أسارع وزوجتي وأطفالي الخمسة للهرب، من دون أن نعلم ما الذنب الذي ارتكبناه حتى نحاصر من كل الاتجاهات على هذه الأرض، فلا يمكننا العودة إلى بلدنا كون الاعتقال سيكون مصيرنا فنحن من جبل الزاوية في إدلب وهذا بحد ذاته تهمة، أما في لبنان ورغم أني عبرت الحدود أنا وزوجتي بشكل نظامي قبل 12 سنة، وسجلنا أسماءنا في مفوضية شؤون اللاجئين وحصلنا على إقامة، إلا أن تاريخ صلاحيتها انتهت وهو ما تتحجج به السلطات اللبنانية حالياً لإعادتنا إلى الموت المحتّم".

وعبّر محمد عن استغرابه "اعتقاد اللبنانيين بأن السوريين يرغبون بالبقاء في بلدهم، رغم أنهم كمواطنين يواجهون صعوبات لتأمين لقمة عيشهم في ظل الازمة الاقتصادية والارتفاع الخيالي للأسعار، فكيف بنا كلاجئين، وفوق هذا يدرك المسؤولون اللبنانيون تماماً ما هو مصير معارضي النظام في حال وطأت اقدامهم الحدود من الجهة السورية، كما أنهم على علم بأن السوريين داخل بلدهم مهجّرين، منهم اهلي الذي يسكنون على الحدود".

تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة العنصرية ضد اللاجئين السوريين، وارتفعت أصوات المسؤولين المعارضة لوجودهم والمطالبة بترحيلهم.

وعن حملة الترحيل القسري الأخيرة، علّق وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين بالقول "محصورة جداً بنحو سبعين شخصاً، وهم المتورطون بعمليات سرقة منها لأسلاك كهربائية وجرس كنيسة مار أنطونيوس في برمانا، كما ظهر أنهم دخلوا إلى لبنان بطريقة غير شرعية".

كذلك لفت شرف الدين في حديث لموقع "الحرة" إلى "التضييق على اللاجئين السوريين في عرسال بقرار من محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر، وذلك من خلال إغلاق مستوصفات وغيرها". أما خطة الترحيل التي وضعها الوزير والتي تشمل 15,000 لاجئ شهريا فهي كما يقول "مجمدة بقرار سياسي".

وكان مسؤول عسكري كشف لوكالة "فرانس برس"، أنه "تمّ ترحيل أكثر من 50 سوريّاً من قبل الجيش اللبناني، في نحو أسبوعين"، وأشارت المصادر للوكالة، إلى أن "مديرية المخابرات في الجيش اللبناني تقوم بتسليم الموقوفين المخالفين إلى فوج الحدود البرّيّة، الذي يتولى وضعهم خارج الحدود اللبنانية"، معلّقاً على هذه الخطوة، بالقول إن "مراكز التوقيف امتلأت"، وقد رفضت الأجهزة الأمنية الأخرى استلام الموقوفين السوريين.

من جانبه لفت المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن المرحلين يسلّمون إلى الفرقة الرابعة التابعة لقوات النظام، قرب تلكلخ على الحدود السورية – اللبنانية، وذلك بحسب ما أكده له أحدهم بعدما تمكّن من العودة إلى لبنان عبر طرق التهريب، مشيرا إلى أن التعذيب الوحشي الذي يتعرضون له "باستخدام العصي والكهرباء فضلاً عن الإهانات النفسية والشتائم، قبل أن يتم بيعهم لمهربين ودفع مبلغ 300 دولار عن كل شخص، وقد بقي كثير في قبضة عناصر الفرقة الرابعة لعدم توفر المبلغ المطلوب منهم".

"موت من نوع آخر"

إذا كانت رغد حرمت من ارتداء ثياب العيد والفرح برفقة والديها وأشقائها، فإن إسماعيل حرم من طفلتيه سهى ووردة إضافة إلى زوجته فاطمة، فحين داهمت عناصر الجيش اللبناني بلدة رشميا حيث يسكن، كان هو في عمله، ويشرح "عند الساعة العاشرة والنصف من صباح ذلك اليوم انقلبت حياتي رأسا على عقب، فقدت عائلتي ولا أعلم حتى اللحظة أي شيء عنها، حاولت الاتصال بزوجتي لكن هاتفها مغلق، ولا شيء مؤكد سوى أنني أعيش قهرا لا يوصف".

قبل أيام اشترى إسماعيل ثياب العيد لابنتيه، كان كل أمله أن يرى الابتسامة على وجهيهما حين يرتديانها، لكن يقول والغصة تخنق صوته " لم أتمكّن من رؤيتهما بها، فأي إنسانية هذه أن ترّحل النساء والأطفال بصورة عشوائية، وأي تهديد أمني يشكلونه على لبنان". ويضيف في حديث لموقع "الحرة"، " منذ بدء الحرب السورية هربت من رائحة البارود والدماء، اعتقدت أني سأجد في البلد المضيف راحة ولو جزئية، لكن للأسف ظهر أنني هربت من الموت إلى الموت وإن كان بشكل ورائحة أخرى".

يشير إسماعيل إلى أن فاطمة ليست والدة ابنتيه (والدتهما تسكن في جنوب لبنان)، وأنه دخل وإياها بصورة نظامية إلى لبنان، وهما مسجلان لدى مفوضية شؤون اللاجئين، لكن ليس لديهما إقامة.

كذلك داهم الجيش اللبناني منزل حسين (اسم مستعار) في قضاء عاليه عند الساعة الخامسة من فجر الأربعاء الماضي، أوقفوا ثلاثة من أبنائه، أحدهم قاصر.

يقول حسين لموقع "الحرة" "كنا نائمين حين حاوطت آليات عسكرية المبنى، ترجل العناصر وطرقوا بابنا، فتحت ليدخلوا مباشرة ويبدأوا بتفتيش الغرف، ومن ثم طلبوا أوراقنا الثبوتية، أوقفوني على الحائط والتقطوا صورة لي كذلك فعلوا مع زوجتي". ويضيف "أوراقي وإياها قانونية، لكن لم أجدد إقامات أبنائي، فأخذوا البكر البالغ من العمر عشرين سنة وهو والد لثلاثة أطفال أصغرهم يبلغ من العمر شهرين، إضافة إلى ابني البالغ من العمر 19 سنة وشقيقه ذا الـ 16 سنة".

ابن ريف حلب قدم إلى لبنان عام 2013، لينجوا وعائلته من الحرب والدمار، لكن كما يقول "ما عشناه قبل أيام لا يقل رعباً وقهراً، فدموع زوجتي لم تجف منذ ذلك الحين، ترفض الطعام والشراب قبل معرفة مصير فلذات أكبادها، وانا مكل اليدين عاجز عن فعل أي شيء".

ورغم أن عددا كبيرا من بين الذين جرى ترحيلهم هم من النساء والأطفال والقاصرين، نفى وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال هيكتور حجار "ما يُحكى عن الانتقال من المرحلة الطوعية لإعادة النازحين السوريين إلى مرحلة الترحيل"، مشيرا إلى أن ما يجري "ليس له علاقة بشكلٍ مباشر بالنازحين إنما بالمواطنين السوريين الذين دخلوا خلسة إلى لبنان عن طريق المعابر غير الشرعية، ويشكلون خطرا على أمن الدولة".

حجار أشار في حديث صحفي "ما يحصل من سرقة للكابلات الكهربائية ولأغطية مجاري الصرف الصحي، والأبواب الحديدية للكنائس والجوامع وحتى المقابر"، بحسب قوله. واعتبر "من يدافع عن هؤلاء المجرمين فهو مجرم، فمن مصلحة جميع اللبنانيين والنازحين أن يرفعوا الصوت ويتبرأوا من هؤلاء الأشخاص الذين يشوّهون صورة السوريين ويفسدون العلاقة بين البلدين".

"أجندات خبيثة"

ادان مركز وصول لحقوق الإنسان (ACHR) بشدة "عمليات الترحيل القسري الجماعية الأخيرة، والتي تم تنفيذها بشكل تعسفي، في انتهاك للوضع القانوني والسياسي للاجئين في سوريا وتجاهل صارخ للقانون الدولي لحقوق الإنسان".

ويواصل المركز توثيق حالات اللاجئين المرحلين وإبلاغ مكاتب مفوضية اللاجئين في لبنان بها، "من دون أن تنجح مساعيها بإيقاف عمليات الترحيل القسري الممنهجة".

وكانت المفوضية صرّحت لوكالة فرانس برس، أنها "تراقب" الوضع، مضيفة أنّها "تواصل الدعوة إلى احترام مبادئ القانون الدولي وضمان حماية اللاجئين في لبنان من الإعادة القسرية".

كما حث مركز "وصول" الحكومة اللبنانية على احترام حقوق جميع الأفراد، بمن فيهم طالبو  "اللجوء والحماية من العنف والاضطهاد، على النحو المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي". لافتاً في بيان إلى ضرورة امتثال السلطات اللبنانية للالتزامات التي تتحملها بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وأشار إلى المادة 31 من قانون الأجانب اللبناني التي تنص على أنه "إذا تقرر إخراج اللاجئ السياسي فلا يجوز ترحيله إلى أرض دولة يُخشى فيها على حياته أو حريته"، كما أضاء على المادة 8 من مقدّمة الدستور اللبناني التي تؤكد على أن "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن توقيف أحد أو حبسه إلا وفقاً لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون".

ترافقت حملة المداهمات التي قام بها الجيش اللبناني، مع حملة تحريض ضد اللاجئين السوريين، منها ما نشره أحد المواقع الإلكترونية اللبنانية تحت عنوان "فضيحة أبطالها نازحون سوريون في المتن: ذبح كلاب شاردة وبيع الكيلو بـ 50 ألفا"، وأن "هلعا أصاب أهالي منطقة دير شمرا والمياسة" ليظهر أن لا صحة لهذا الخبر الذي تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع.

وعبّرت مجموعة من الناشطين والإعلاميين السوريين، (منهم أحمد القصير وفراس علاوي)، عن رفضها لأي اعتداء أو انتهاك أو إساءة معاملة أو تحريض ضد اللاجئين السوريين، والذي يندرج تحت بند التحريض على العنف وخطاب الكراهية، وكذلك رفضها بشكل قاطع عمليات الاعتقال والترحيل القسري العشوائية الأخيرة التي تقوم بها السلطات اللبنانية، والتي تعتبر انتهاكاً للعهود والمواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان.

واعتبرت المجموعة في بيان أن "الحملة الأخيرة المنظمة والممنهجة من تحريض وعنف وعنصرية وخطابات كراهية بحق اللاجئين السوريين، من قبل بعض المجموعات والأحزاب والتيارات السياسية والمدنية، والتي تعمل على تأليب الرأي العام والتجييش ضد اللاجئين إنما تخدم أجندات خبيثة، وتعمل على خلق حالة من الشرخ والعداوة بين أبناء الشعبين الشقيقين علاوة على تعميق الشرخ بين مكونات المجتمع اللبناني مما يشكل تهديداً خطيراً للسلم الأهلي في لبنان".

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".