السلطات اللبنانية تسعى إلى ترحيل المعتقلين السوريين إلى بلادهم بعد انتهاء أحكامهم
السلطات اللبنانية تسعى إلى ترحيل المعتقلين السوريين إلى بلادهم بعد انتهاء أحكامهم

"يحمل ابني الجنسية السورية على الورق فقط، فقد ولد وترعرع في لبنان، لم تطأ قداماه يوماً أرض إدلب مسقط رأس والده، ولا يعرف أحداً في ذلك البلد، فكيف تدرس الحكومة اللبنانية تسليمه وبقية السجناء السوريين إلى النظام السوري، واستناداً إلى أي قانون إنساني تريد نزعه من جذوره وسلخه عن محيطه وتعريض حياته للخطر؟!".. كلمات قالتها بحرقة صباح، التي تنتظر بفارغ الصبر فتح أبواب السجن وعودة ابنها محمد إلى حضنها.

منذ سنتين وصباح تعدّ الساعات والأيام التي تفصلها عن زيارة ابنها في سجن زحلة، لكي تبرّد نار حرقتها على فراقه ولو قليلاً، تقول لموقع "الحرة"، "أجبرتني الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان وما نتج عنها من ارتفاع بدلات النقل إلى تخفيض عدد زيارتي إلى السجن لمرة واحدة كل أسبوعين، فكيف إن تم نقله إلى سوريا، ماذا سأفعل حينها، هذا إذا افترضت أني سأعلم مصيره، لاسيما وأنه من إدلب فهذا بحد ذاته تهمة بالنسبة للنظام، عدا عن أنه سيجبر على الخدمة العسكرية".

ثلاث سنوات تفصل صباح "لاجئة فلسطينية" تقيم في بيروت، عن خروج ابنها إلى الحرية، وذلك بعد الحكم عليه بتهمة ترويج المخدرات، تشير والغصة تخنق صوتها إلى أنه "منذ توقيفه لم ألمس سوى إصبع يده بسبب الفاصل الحديدي الذي يقف عقبة بيني وبينه، كما أن مدة زيارتي له لا تتعدى الدقائق المعدودة، أحرم نفسي من كل شيء كي أؤمن له ما يحتاجه من طعام وشراب ولباس، كون السلطة اللبنانية لا تهتم بحال السجناء".

مخاوف الوالدة لثلاثة أبناء، التي ربتهم بعد انفصالها عن والدهم منذ نعومة أظافرهم، سببها طلب اللجنة الوزارية لمتابعة عودة النازحين السوريين إلى بلادهم، من وزير العدل اللبناني البحث في إمكانية تسليم الموقوفين والمحكومين للدولة السورية بشكل فوري مع مراعاة القوانين والاتفاقيات ذات الصلة وبعد التنسيق بهذا الخصوص مع الدولة السورية، وذلك خلال اجتماع عقدته يوم الأربعاء الماضي برئاسة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

قرار اللجنة الوزارية يتزامن مع الحملة الأمنية التي بدأها الجيش اللبناني منذ الخامس من الشهر الجاري على مساكن اللاجئين على امتداد الأراضي اللبنانية، حيث داهمت عناصره منازلهم واعتقلت المئات منهم، وذلك تطبيقاً لقرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في الرابع والعشرين من سبتمبر 2019 حول ترحيل الذين يدخلون منهم لبنان عبر المعابر الحدودية غير الشرعية وغير الحائزين على الوثائق الرسمية والقانونية.

وسبق الحملة الأمنية، حملة عنصرية شنت ضد اللاجئين السوريين من قبل مسؤولين لبنانيين وناشطين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، منها "الحملة الوطنية لتحرير لبنان من الاحتلال الديموغرافي السوري" التي أطلقها الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان، حيث اعتبر رئيسه مروان الخولي أن "الاحتلال الديموغرافي والغزو السوري للبنان يمثلان تهديدا حقيقيا للهوية اللبنانية وللأمن والسيادة الوطنية، ومن حقنا كشعب حماية حقوقنا في الدفاع عن هويتنا وحقوقنا المشروعة في اي إطار سلمي ديموقراطي".

في المقابل عبّر عدد من اللبنانيين لاسيما من أبناء طرابلس شمال لبنان عن رفضهم لما يتعرض له اللاجئون السوريون، سواء عبر "السوشيال الميديا" أو من الوقفات التضامنية، كما اعتبرت هيئة علماء المسلمين في لبنان أن "ترحيل أو تسليم النازح المعارض للنظام، من كبائر الذنوب وجريمة أخلاقية وقانونية، ترقى إلى درجة القتل العمد والجرائم ضد الإنسانية"، ودعت في بيان إلى وقف "الخطاب العنصري وخطاب الكراهية والخطاب الفتنوي".

"جنون رسمي"

ومنذ إعلان وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال هيكتور حجار مقررات اللجنة الوزارية، وصباح لا يغمض لها جفن، وتشدد "يريدون تسليم أرواحنا للنظام، وهم يعلمون ماذا ينتظرهم هناك، وكأنه لا يكفي الظلم الذي يعيشونه في لبنان، فلا محاكمات عادلة ولا أدنى اهتمام بحقوق من هم خلف القضبان".

رد "المعتقلون السياسيون والمعارضون لنظام الأسد المحتجزون في سجون لبنان" على قرار اللجنة الوزارية، بإصدار بيان شددوا خلاله على أنهم هربوا "من بطش نظام الأسد ومن أسلحته الكيماوية ومن أقبية التعذيب وحفر الموت" ودخلوا كلاجئين إلى لبنان فاتهموا "بتهم مختلفة وباطله تحت مسميات عديدة وحجج ضعيفة".

وأضافوا "نحن حوالي الـ 400 معتقل، نرفض انتزاع حقوقنا منا تحت أية ذريعة. ولأن الاحتجاز لأي سبب كان لا ينفي عن الفرد صفته الإنسانية، فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، احترام حق كل معتقل وأولها حقه في الحياة" مشددين على أن تسليمهم لنظام الأسد بمثابة الحكم عليهم بالموت.

"الحملة الهيستيرية التي تشنها الحكومة اللبنانية على السوريين" كما يصف مدير عام مركز سيدار للدراسات القانونية والمدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، تشير إلى أن "أمرا مشبوهاً يجري التحضير له، فإثارة النعرات الطائفية والمذهبية ستؤدي حتماً إلى أمرين، أولهما الانفجار في الشارع، لاسيما بعدما بدأنا نلمس ترجمة خطابات العنصرية والكراهية ميدانياً، حيث ارتفعت حوادث التعرض جسديا للاجئين، والثاني اتخاذ بعض اللاجئين خيار الهروب من الجحيم الذي يلاحقهم عبر "مراكب الموت"، وبالتالي ادعاء السلطة اللبنانية مكافحتها الهجرة غير الشرعية لطلب المزيد من الأموال من الأمم المتحدة".

وصل "الجنون الرسمي اللبناني" بحسب صبلوح "إلى طرح الحكومة اللبنانية تسليم السجناء السوريين، رغم إقرارها أن تهمة 90 في المئة منهم معارضة النظام السوري، ما يعني أنها تناقض وتدين نفسها، إذ كيف ترحّل معارض مهدد في بلده، هذا عدا عن مخالفتها الجسيمة للاتفاقيات الدولية المصادق عليها لبنان، لاسيما اتفاقية مناهضة التعذيب" مشدداً "إذا ارتكبت الحكومة هذه المخالفة سأثير الأمر دولياً، لمحاسبة أي مسؤول ساهم في تعريض حياة السجناء للخطر".

كذلك أكدت المحامية والناشطة الحقوقية ديالا شحادة أن "السلطة اللبنانية ملزمة وفقا للقانون العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية مناهضة جريمة الإخفاء القسري بعدم ترحيل أي شخص موجود على الأراضي اللبنانية يعلن عن أنه معرّض في دولته للتعذيب أو الإخفاء القسري أو الاضطهاد".

وإن كان هناك شك فيما يقوله اللاجئ حول مخاوفه في بلده، يتم اللجوء كما تقول شحادة لموقع "الحرة" إلى القضاء المختص لإثبات صحة كلامه، "هذا يسري على كل الجنسيات وليس فقط على من يحملون الجنسية السورية"، مشددة على أن "الانتهاكات والجرائم في سوريا حصلت ولم تزل، بدليل عدم تراجع النظام حتى الآن عن أي من الانتهاكات الأساسية كاعتقال الأشخاص لأسباب سياسية والإعلان عن مكان تواجد المخفيين قسراً او كشف مصيرهم".

وفي ذات السياق، قال رئيس الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب، الدكتور فادي جرجس أن تسليم السجناء السوريين إلى النظام الذي هربوا منه، يناهض حقوق الإنسان، ويخالف القانون الدولي الإنساني الذي يمنع تعريض حياة أحد للخطر والتعذيب"، مشيراً في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الهيئة "أرسلت موقفها إلى الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة".

قضية.. "حياة أو موت"

حذّر سجين سوري في تسجيل صوتي مسرّب من سجن رومية، من إقدام السجناء على الانتحار جماعياً في حال سارت الحكومة اللبنانية في هذا الخيار، وقال "نفضّل تعليق مشانقنا بأيدينا على أن نقتل في سجن صيدنايا"، كذلك هددت والدة سجين بإشعال النار في نفسها إن جرى تسليم ابنها للنظام السوري، قائلة في تسجيل صوتي "سنوات وأنا محرومة منه، وبعد ان اقترب موعد انتهاء محكوميته، والذي لا يتجاوز السبعة أشهر، يحكمون عليه بالموت فيما لو تم ترحيله إلى سوريا".

كما أن الحكومة اللبنانية تعتبر إعادة اللاجئين "قضية حياة أو موت" كما وصف حجار، مشدداً خلال لقاء مع مجموعة من المغتربين على أن "ملف النزوح السوري في لبنان ليس موضوعاً ثانوياً، وخلال أقل من 10 سنوات، سنشهد تغييرات ديموغرافية خطيرة وسنصبح لاجئين في بلدنا إن لم يتم معالجة هذا الملف بسرعة كبيرة"، وأضاف "في ظلّ كل التغييرات الإقليمية التي نشهدها، أصبحت العودة الآمنة أمر طبيعي وحتميّ".

من جانبها دعت منظمة العفو الدولية، السلطات اللبنانية إلى الكف فوراً عن ترحيل اللاجئين السوريين قسراً، "وسط مخاوف من أن هؤلاء الأفراد مُعرضون لخطر التعذيب أو الاضطهاد على أيدي الحكومة السورية لدى عودتهم"، مذكرة بالتقرير الذي أصدرته في سبتمبر 2021، حيث وثقت "قائمة بالانتهاكات المروّعة التي ارتكبها ضباط المخابرات السورية بحق 66 لاجئاً سورياً عائداً، من بينهم 13 طفلاً. وكان معظم هؤلاء الأطفال مُعادون من لبنان، بمن فيهم اثنان سبق أن تمَّ ترحيلهم".

وأخضع ضباط المخابرات السورية النساء والأطفال والرجال العائدين إلى سوريا بحسب المنظمة "للاحتجاز غير القانوني أو التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك الاغتصاب والعنف الجنسي، والاختفاء القسري. وكانت هذه الانتهاكات نتيجة مباشرة لانتمائهم المتصور إلى المعارضة السياسية السورية، وذلك ببساطة بسبب وضعهم كلاجئين".

وكان "المعتقلين السياسيين والمعارضين لنظام الأسد المحتجزين في سجون لبنان" في بيانهم، المؤسسات الدولية والحقوقية ووسائل الإعلام، العمل على منع تسليمهم للنظام السوري المعاقب دولياً وحمايتهم منه واحترام حقوقهم كاملة، محمّلين الحكومة اللبنانية كاملة المسؤولية عن أي ضرر يحدث لأي معتقل منهم جراء تسليمه للنظام.

كما طالبوا بإخراجهم إلى الشمال السوري مع عائلاتهم تحت رعاية أممية، متوجهين بنداء "لكل حر ووطني موجود في لبنان" أن يقف معهم في محنتهم، وقالوا "عدونا واحد. قبولكم بتسليمنا اليوم هو تكرار لما حدث معكم حين قام نظام حافظ الأسد المجرم بخطف إخوانكم اللبنانيين الأحرار المعارضين له في الثمانينيات والتسعينيات ووضعهم في معتقلاته الإجرامية ومازال مصيرهم مجهول حتى الآن وبدون أي محاكمة عادلة".

حلّ قضية اللاجئين السوريين يحتاج بحسب صبلوح إلى "مسؤولين عقلاء لديهم حكمة ووعي يعملون على وضع خطة إنسانية مدروسة، لا اشخاص ابعد ما يكونون عن التعامل بمنطق مع القضايا الكبرى والصغرى على حد سواء".

كخطوة أولى يمكن للحكومة اللبنانية كما يقول مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس "الطلب من الأمن العام تسليمها داتا بأسماء السوريين الذين دخلوا بلدهم عبر المعابر الرسمية بعد اندلاع الثورة، وذلك لسحب صفة اللجوء منهم وبالتالي ترحيلهم، وهؤلاء يناهز عددهم السبعين في المئة من دون أدنى شك"، وهو ما اعلنه حجار بعد اجتماع اللجنة الوزارية حيث أشار إلى أنه "سيتم الطلب من المفوضية العليا لشؤون النازحين، وضمن مهلة اقصاها اسبوع من تاريخه، تزويد وزارة الداخلية والبلديات بالداتا الخاصة بالنازحين السوريين على انواعها، على ان تسقط صفة النازح عن كل شخص يغادر الاراضي اللبنانية".

يشدد صبلوح على أنه "كان يمكن للسلطات اللبنانية منع دخول الـ37 ألف سوري الذي زاروا سوريا خلال فترة عيد الفطر، ثم عادوا إلى لبنان، بحسب ما اعلن وزير العمل مصطفى بيرم، اذ في هذه الحالة لن يعترض أحد سواء محلياً أو دولياً على قرارها، لكن ترحيل المعارضين للنظام هو جريمة بحق الإنسانية".

مواضيع ذات صلة:

Fire following over-border rockets launched at Israel from Lebanon amid Hezbollah and Israeli forces hostilities
تُظهر الصورة تصاعد النيران في الجانب الإسرائيلي بعد ضربات صاروخية من لبنان- تعبيرة

في ظل التهديدات المتزايدة بتوسع الصراع بين حزب الله وإسرائيل وتوجيه السفارات العربية والغربية دعوات عاجلة لرعاياها بمغادرة البلاد، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، ويعيشون حالة من القلق المتزايد دون أي اهتمام أو توجيه من الحكومات في مختلف مناطق السيطرة داخل سوريا، أو من المنظمات الدولية والمحلية المعنية باللاجئين.

 

أين يذهب السوريون؟

من ضاحية بيروت الجنوبية، يروي الشاب الثلاثيني خالد لـ"ارفع صوتك": "منذ بداية التصعيد أعيش حالة من الخوف المستمر.. كلما سمعت أصوات الطائرات الحربية أو خرق جدار الصوت، أفكر في أسوأ السيناريوهات، فغالبية السفارات طلبت من رعاياها المغادرة، ولكن ماذا عنا نحن؟!".

يضيف خالد الذي يعمل في أحد مطاعم المأكولات السريعة، إن السوريين الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من ويلات الحرب في وطنهم، يجدون أنفسهم الآن محاصرين مرة أخرى.

"ليس لدينا أي خيار سوى البقاء؛ فنحن لسنا رعايا لدولة يمكن أن تهتم بنا أو ترسل طائرات لإجلائنا، أو تعطينا توجيهات الأمن والسلامة، أو تفتح أبوابها لاستقبالنا. أشعر أننا منسيون"، يتابع خالد بحسرة.

بالنسبة لعبد الله (39 عاما) الذي سبق أن اعتقله النظام السوري سنة 2013، ويعمل حالياً بأجر يومي في منطقة البقاع اللبنانية، فإنه "سيضطرّ للمجازفة والبحث عن أي طريقة للهروب".

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا أريد أن أتعرض لما تعرضتُ له في سوريا مرة أخرى".

وينتقد عبد الله  أداء المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن السوري مردفاً "لم يخبرنا أحد ماذا نفعل في حال نشبت الحرب وإلى أين ننتقل، ولا أحد يجيب على اتصالاتنا وأسئلتنا ومخاوفنا".

يوضح: "بعض السوريين ممن لا مشكلات لهم مع النظام ربما يفكرون بالعودة كحل إذا توسعت الحرب على لبنان، أما من لديه مشاكل أمنية أو كان من المعارضين للنظام، فسيبقى أو سيحاول البحث عن طرق للهجرة إلى أوروبا أو أي دولة أخرى، رغم التكاليف المالية الكبيرة ومخاطر الهجرة في البحر أساساً".

تقيم أم محمد (43 عاما)  مع أبنائها الخمسة في مدينة صور منذ عام 2014 حين لجأت للبنان من ريف دمشق. ترى أن الحل في العودة لبلادها. فمع تصاعد التوترات الأمنية، "يفكر بعض اللاجئين بالعودة لسوريا، رغم الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة هناك".

"لكن لا يوجد لدينا خيار آخر"، تؤكد أم محمد.

حملة إخلاء "شرسة" في شمال لبنان.. اللاجئون السوريون يواجهون مصيرا مجهولا
كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمال البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

ارتفاع الإيجارات بشكل كبير

تسببت الضربات الإسرائيلية على القرى الحدودية اللبنانية والتهديد باستهداف ضاحية بيروت الجنوبية بنزوح الكثير من العائلات اللبنانية إلى مناطق أكثر أمانا في الداخل اللبناني، ما أدى لارتفاع إيجارات الشقق والمنازل، وألقى بتبعاته على النازحين السوريين الراغبين في الانتقال.

تقول سعاد رملاوي، وهي أم سورية لثلاثة أطفال وتقيم في منطقة "الجناح" في العاصمة اللبنانية بيروت "أشعر أننا عالقون في دوامة جديدة من الخوف، لا أستطيع النوم ليلاً وأنا أفكر في ما قد يحدث غداً إذا توسعت الحرب وكيف سأحمي أطفالي؟".

وتبين لـ"ارفع صوتك" أن نزوح أهالي الجنوب اللبناني وأهالي ضاحية بيروت الجنوبية لمناطق في الداخل اللبناني "رفع الإيجارات بشكل كبير، حتى أصبحت خارج متناول قدرة العائلات السورية"، مستدركة "رغم ذلك فإن الحل الوحيد المتاح لي  هو الانتقال لمناطق آمنة مهما ارتفعت الأسعار".

 

ماذا يقول اللبنانيون؟

تتفاوت الآراء حول مصير السوريين وسط التعيد العسكري واحتمالات الحرب الأوسع التي تلوح في الأفق. 

من جهته، يقول معروف الحراكي، وهو مسن لبناني من بلدة عبية في جبل لبنان "الوضع صعب على الجميع، ونحن نعرف ما يشعر به النازحون سواء كانوا سوريين أم لبنانيين لأننا مررنا بنفس الظروف خلال الحرب الأهلية وهُجّرنا من بيوتنا مرات عديدة، ويجب أن نتضامن معهم في هذه الأوقات الصعبة".

في المقابل، يعتقد البعض أن الأولوية يجب أن تكون لحماية اللبنانيين وتوفير الظروف الملائمة لهم في حال توسعت الحرب.

يقول رامي حداد، وهو موظف حكومي لبناني "الأولوية الآن يجب أن تكون لتأمين اللبنانيين، وعلى الحكومة أن تضع خططاً واضحة لحماية مواطنيها وتوفير الإمدادات الأساسية للصمود خلال الحرب".

في السياق نفسه، يرى المحامي والناشط الحقوقي اللبناني المتخصص بشؤون اللاجئين السوريين محمد صبلوح، أن الحكومة اللبنانية والأجهزة اللبنانية والمنظمات لم تقم بعمل خطة لمواجهة سيناريو نشوب الحرب.

يقول لـ"ارفع صوتك": "نحن نعيش كل يوم بيومه ولا يوجد أي خطة للمواجهة".

ويوجّه صبلوح نصيحة للاجئين السوريين في حال اندلعت الحرب ألّا يغادروا منازلهم "فالعين مفتوحة عليهم، وكثير من المسؤولين لديهم مخاوف واتهامات للاجئين بأنهم مسلحون، وسيشتركون في الحرب مع حزب الله، رغم كونهم أضعف الموجودين في لبنان" على حدّ تعبيره.

يتابع "أنصحهم بالبقاء في منازلهم ريثما تتم معالجة قضاياهم، وأدعوهم لعدم التدخل في أي حدث أمني، فالبلد فيها جيش وفيها حكومة قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة".

الفقر في لبنان يتضاعف ثلاث مرات.. وضحاياه يروون قصصهم
يوماً بعد يوم، تتسع هوة الفقر في لبنان، مبتلعة المزيد من اللبنانيين في آتونها، ليغرقوا في حرمان متعدد الأبعاد وقيود ثقيلة تطال كل جانب من جوانب حياتهم، وبعد مرور نحو خمس سنوات على الأزمة الاقتصادية، أصبح تأمين أبسط احتياجات الحياة الكريمة حلماً بعيد المنال للعديد من العائلات.

ويشير صبلوح إلى أن لبنان يخضع لاتفاقيات دولية ولقواعد إنسانية تلزمه بحماية اللاجئين، وهو يحصل على مساعدات لقاء ذلك، مشدداً "يجب على لبنان أن يقوم بعمل خطة طوارئ لحماية اللبنانيين وحماية اللاجئين، وتأمين أبسط مقومات العيش الكريم لهم عبر للمساعدات التي يحصل عليها".

ويعتبر أن  حماية اللاجئين السوريين "مسؤولية المجتمع الدولي، كونه قادرا على إلزام لبنان بحمايتهم".

"كما يجب على مفوضية الأمم المتحدة أن تقوم بدورها ولا تغلق مكاتبها" يقول صبلوح، لافتا إلى وجود علامات استفهام على أداء العديد من الموظفين في المفوضية.

أما بالنسبة للتعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية المختصة باللاجئين، فهو بحسب صبلوح تعاون "شكلي وضعيف"، حتى أن "بعض الأجهزة تتهم المنظمات بأنهم عملاء للخارج وليس هدفهم مصلحة لبنان".