طفل- اغتصاب (تـعبيرية)
سجلت جمعية "حماية" اللبنانية العام الماضي 2412 حالة عنف ضد الأطفال، 12 في المئة منها تحرّش جنسي (الصورة تعبيرية)

جريمة اغتصاب جديدة هزّت لبنان، هذه المرة ضحيتها ابن السبع سنوات، الذي وقع "فريسة" محمد. ش، المؤتمن منذ سنوات على الملاعب التابعة لبلدية العاصمة وروّادها الأطفال، لكن بدلاً من ذلك اتخذها مسرحاً لممارسة غريزته الشاذة.

لم يتفاجأ عدد من رواد ملاعب "قصقص" بما ارتكبه محمد، كون كما يقول عدد منهم لموقع "الحرة" إنه كان معروفاً بتحرّشه بالأطفال من دون أن يثبت عليه ذلك، لا بل أن أحد ضباط فوج حرس البلدية أكد لموقع "الحرة" أنه منذ أربع سنوات تم التحرش بطفل في الملاعب، لتوجه بعدها التهمة لشخص من جنسية عربية، وبعد الذي حصل مؤخراً يبدو أن محمد كان خلف الجريمة القديمة وقد نجح في تشتيت التحقيق".

لدى محمد غرفة صغيرة أمام ملعب كرة القدم الرئيسي، ينام فيها أحياناً كثيرة رغم أن لديه منزل وعائلة، وعلى عكس ما تداول من أنه لبناني ومن عائلة ضاهر، تبين أنه يحّمل الجنسية السورية ومن عائلة مختلفة، ولد وترعرع في لبنان.

كان يمكن للجريمة التي تعرض لها الطفل أن تبقى طي الكتمان، فيما لو استمر خائفاً من الإفصاح عما حصل معه، لكن بعد ما يزيد عن الشهر من رفضه التوجه إلى الملعب وإصرار الأهل على معرفة السبب، كشف كيف وقع ضحية محمد، ليتوجه بعدها والده وأشقاؤه كما قال الضابط "إلى الملعب، حيث انهالوا بالضرب المبرح على المجرم قبل أن تتسلمه القوى الأمنية".

وسائل التواصل الاجتماعي ضجت بالخبر، لاسيما بعد طلب محافظ بيروت القاضي مروان عبود من لجنة الملاعب، إجراء التحقيقات اللازمة وبالسرعة القصوى بالتهمة الموجهة إلى محمد، وإنهاء تعاقده مع البلديّة فوّراً، ومنعه من التردّد والدخول إلى كافة الملاعب والحدائق العامة التابعة لها، كما طلب عبود من النائب العام الاستئنافي في بيروت متابعة التحقيقات الجارية وإنزال أقصى العقوبات بحقه في حال ثبوت التهم الموجهة إليه.

سجلت جمعية "حماية" العام الماضي 2412 حالة عنف ضد الأطفال، 12 في المئة منها تحرّش جنسي و21 في المئة اعتداءات جسدية، وذات النسبة تعرضوا لمشاكل معنوية ونفسية، في حين عانى 54 في المئة من الإهمال، كما تبين أن العنف طال 54 في المئة من الذكور و46 في المئة إناث، تتراوح أعمارهم بين الخمس سنوات و18 سنة. وخلال الشهور الأربعة الأولى من هذا العام سجلت 856 حالة عنف.

سلسلة تطول

من قضايا الاغتصاب بحق الأطفال التي أثارت الرأي العام السنة الماضية، تلك التي عرفت بـ"قضية سفاح الأطفال" التي شهدتها بلدة القاع، مطلع شهر يوليو، حيث أقدم عسكري متقاعد على ارتكاب سلسلة اعتداءات على أطفال، كذلك جرائم الاغتصاب المتسلسلة التي أقدم عليها الشقيقان تيمور وأصلان ش. ف.، في بلدة المحيدثة، بحق عدد من الأطفال اللبنانيين والسوريين في البلدة والتي انكشفت في شهر اغسطس.

تعرّف المعالجة النفسية هيفاء السيّد الاعتداء الجنسي بأنه "كل فعل يهدف للإثارة الجنسية أو الحط من جنس الضحية سواء كانت أنثى أم ذكراً، يطال جسدها بغير رضاها من دون أن يصل إلى حد الاغتصاب الذي هو كل إيلاج أو اجبار الطرف الآخر عليه، وذلك باستخدام القوة أو التهديد أو استغلال عدم قدرة الشخص على إعطاء موافقة حقيقية" مشيرة في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "إذا تكرر الاغتصاب قد يصاب الطفل بسوء فهم للجنس..".

إثبات تعرض الطفل للاغتصاب أسهل بكثير من إثبات تعرضه للتحرش، كما تقول رئيسة الاتحاد لحماية الاحداث في لبنان، أميرة سكر، التي لفتت إلى أنه "في كل بيئة هناك طفل ضعيف معنّف ومعتدي يتحرش به منتزعا منه طفولته، يسرق استقراره النفسي ويؤثر على علاقته وثقته بنفسه وقوته..".

تضيف سكر في حديث لموقع "الحرة" "اكتشاف الأهل لما تعرّض له طفلهم يتطلب متابعة مستمرة والتقرب منه وبناء علاقة قوية معه تشجعه على التعبير عن نفسه ومشاكله، مع تثقيفه بحدود جسده وما هو المسموح للآخرين الاقتراب منه، وضرورة اخبارهم فيما إذا جاوز أحد ذلك، كون يلوم نفسه في حال تعرض للتحرش او الاغتصاب معتقداً أنه سمح بهذا الشيء ولم يعلم كيفية الدفاع عن نفسه، من هنا يأتي دور الأهل في زرع الثقة وتقدير الذات واحترام النفس".

من جانبها وجهت الخبيرة في السياسات الرعائية، زينة علوش، تحية إلى أهل الطفل المغتصب في ملاعب بلدية بيروت، لانتباههم إلى الإشارات التي صدرت عنه، والمتمثلة برفض عودته إلى الملعب، ومن ثم استفسارهم منه وسماعهم له ومن بعدها الادعاء على المجرم، داعية جميع الأهل إلى مراقبة أطفالهم والإنصات إلى صمتهم وخوفهم وهروبهم والتحري عن الأسباب ومن ثم الاقتصاص من الجاني، مشددة في حديث مع موقع "الحرة" على ضرورة عدم ترك الطفل من دون اشراف لمدة طويلة، نصف ساعة وأكثر، لما يشكّله من خطورة "لا سيما في ظل التفلت الأمني والقانوني الذي يمر به لبنان، والذي يسمح للعديد من المجرمين الظن أن بإمكانهم ارتكاب الجرائم والإفلات من العقاب".

الاقتصاص.. ضرورة

اكتشاف سميرة للجريمة التي تعرّض لها ابنها لم يدفعها إلى مواجهة المجرم أو رفع دعوى ضده، وتقول "المصيبة وقعت ولا يمكن أن اغيّر شيئاً، لذلك فضلت عدم الغوص في مشاكل إضافية والتركيز على كيفية مساعدة صغيري لتخطي المشكلة، وفشلت بسبب قرارات والده". لكن علوش تشدد على أن الاقتصاص من المجرم، هو الخطوة الأولى في طريق العلاج النفسي والجسدي، شارحة "لا يمكن للطفل أن يتخطى الحادثة الأليمة من دون أن يرى أن المعتدي تعاقب بعقوبة تتناسب مع الجرم"، لافتة إلى أن "قانون العقوبات اللبناني يجرّم المغتصب، لكن الأسباب التخفيفية، تسمح بتفلته من العقاب واستمرار تشكيله خطراً على بقية الأطفال".

في الأول من مايو أطلقت جمعية "حماية" حملة توعية حول العنف ضد الأطفال، داعية الجميع الى التبليغ عن أي حالة عنف يكتشفونها، عن ذلك شرحت مديرة المشاريع في الجمعية، باتريسيا خوري "هي واحدة من الحملات التي نطلقها سنوياً، وقد اخترنا عيد العمال كون كل طفل يحلم أن يكون صاحب مهنة عندما يكبر، لكن العنف يسرق منه الحلم ويدمّر مستقبله ومستقبل المجتمع"، مشيرة في حديث لموقع "الحرة" إلى أن العنف الممارس ضد الطفل يتخذ أشكالاً عدة منها "الإهمال والاستغلال والعنف الجسدي والجنسي والنفسي".

من واجب كل شخص كما تشدد خوري التبليغ عن أي حالة عنف يكتشفها، "نحن حاضرون على مدار الساعة لتلقي الاتصالات والمحافظة على سرية هوية المبلغين والضحايا على حد سواء، نتابع الملف حيث نبلغ السلطات على الفور ونؤمن الحماية القانونية للطفل" لافتة إلى أن الجمعية متعاقدة مع وزارة العدل في البقاع والشمال.

ولابد كما تشدد من أن يحاط الطفل بمجتمع آمن ومسؤول، وهو ما يتطلب "وضع سياسة لحمايته تشترك فيها القوى الأمنية والشرطة البلدية والمحامون والاعلام والأساتذة والأهل، وفي سبيل ذلك تنظّم حماية دورات لبناء القدرات مع الشركاء في حياة الطفل".

تشير الأمم المتحدة إلى أن الصمت والوصم "يحيطان بالعنف الجنسي ضد الأطفال اللذان يستندان إلى الأعراف الاجتماعية الضارة وعدم المساواة بين الجنسين. ونتيجة لذلك، لا يفصح العديد من الضحايا عن تجاربهم أو لا يلتمسون المساعدة. ومرد ذلك إلى أسباب شتى، لكنها يمكن أن تشمل الخوف من الانتقام، والتجريم، والشعور بالذنب، والشعور بالعار، والارتباك، وانعدام الثقة في القدرات أو عدم استعداد الآخرين للمساعدة، والافتقار إلى المعرفة بما يكون متاحا من خدمات الدعم". 

آثار متعددة

يعاني الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب من أعراض نفسية على المديين القصير والبعيد، عن ذلك تشرح هيفاء " كلما تكرر الاعتداء كلما تعمّقت الصدمة النفسية وآثارها التي تختلف بحسب المرحلة العمرية للضحية، من طفل إلى مراهق فراشد، وفيما يتعلق بالأطفال يظهرون خلال الستة أشهر الأولى من الحادثة، ردات فعل، منها العنف الشديد والتحرش بالآخرين واضطرابات النطق وفقدان الشهية والنوم والقلق والأرق والحركة المفرطة والتأخر الدراسي، أما على المدى البعيد فقد يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة واضطرابات نفسية وسلوكية مثل العدوانية وحالات الانطواء والخجل والعزلة الاجتماعية والخوف والتوتر والاكتئاب".

صنّفت منظمة الصحة العالمية المغتصب بأنه شخص مضطرب سلوكياً وليس مريضاً نفسياً، وأثبتت الدراسات كما تشير هيفاء "انه ذو شخصية سيكوباتية سلبية وغير مبالية تمزج بين السمات الإجرامية والسادية" مشددة "من ناحيتي أرى أن المغتصب مضطرب نفسياً ومصاب بهلوسة جنسية، لا يتحكم بغرائزه وفي ذات الوقت لا ضمير ولا اخلاق تردعه".

من جانبها تشير علوش إلى أن العلم أثبت أن "من يرتكب هذه الجريمة يعاني من مشكلة في بنتيه الشخصية الإجرامية التي تتيح له الاعتداء على الاطفال أو أي شخص أضعف منه، ولا بد من أن يشمل الاقتصاص منع قبوله أي عمل يتيح له الاتصال بالأطفال".

الوقاية من انتشار الاعتداء الجنسي، تفرض بحسب هيفاء "توعية الأهل لأطفالهم وتثقيفهم منذ بلوغهم الرابعة من عمرهم، على ضرورة منع أي شخص من الاقتراب او لمس الأماكن الحساسة في جسدهم، وعليهم متابعة تصرفاتهم مع التركيز على ملابسهم الداخلية فيما ان ظهر عليها إفرازات غريبة غير معتادة او معاناتهم من أي اوجاع جسدية في المناطق الحساسة".

وتضيف "إذا وقع طفل ضحية للتحرش أو الاغتصاب على الأهل الوقوف إلى جانبه ومساندته لا التعامل معه كجان كي يتمكن من تخطي الأمر، وذلك بمساعدة معالجة نفسية، مع العلم ان العلاج الجماعي مهم جداً كي لا يشعر الطفل انه وحده من تعرض لهذه التجربة المؤلمة، يسرد خلاله ضحايا تعرضوا لذات الموقف قصصهم، من بينهم من تمكنوا من الشفاء وتجاوز هذه المرحلة".

أما سكر فتشدد على أن "العلاج النفسي يختلف من ضحية إلى أخرى، بحسب هشاشتها والبيئة المحيطة بها فيما ان كانت داعمة من عدمه، فكل ولد لديه طريقة للتعاطي مع المشاكل بحسب بنيته النفسية، بالتالي تختلف المدة زمنية التي يستغرقونها لتخطي المشاكل التي يواجهونها".

وتعاقب المادة 505 من قانون العقوبات اللبناني كل من جامع قاصراً دون الخامسة عشرة من عمره بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تنقص عن خمس سنوات، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان الولد لم يتم الثانية عشرة من عمره، ومن جامع قاصراً أتمّ الخامسة عشرة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة عوقب بالحبس من شهرين الى سنتين. 

أما المادة 506، فتنص على أنه إذا جامع قاصراً بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة أحد أصوله شرعياً، كان أو غير شرعي أو أحد أصهاره لجهة الأصول، وكل شخص يمارس عليه سلطة شرعية أو فعلية أو أحد خدم أولئك الأشخاص، عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة.

ويُقضى بالعقوبة نفسها إذا كان المجرم موظفاً أو رجل دين أو كان مدير مكتب استخدام أو عاملاً فيه فارتكب الفعل مسيئاً استعمال السلطة أو التسهيلات التي يستمدها من وظيفته.

قانون العقوبات اللبناني غير رادع بنظر سكر، وتشدد "يجب إعادة النظر بصياغة قوانين العقوبات التي تجرم كل من يعتدي على قاصر خاصة فيما يتعلق بالاعتداءات الجنسية والجسدية والاستغلال والاتجار كي لا يجرؤ أحد على خدش براءة القاصرين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ملصق فيلم حياة الماعز
| Source: social media

أورد موقع "منظمة هيومن رايتس ووتش"، الثلاثاء، تقريرا عن ردود الأفعال المتعلقة بفيلم "حياة الماعز" الذي أثار ضجة كبيرة في السعودية، ودول أخرى.

وبدأت منصة "نتفليكس"، قبل أيام، عرض فيلم "حياة الماعز" (The Goat Life) الذي يرتكز على تجربة نجيب محمد، وهو عامل هندي وافد عمل في السعودية أوائل تسعينيات القرن الماضي، أُجبِر على رعي الماعز بعد أن علق في الصحراء.

والفيلم مقتبس من رواية "أيام الماعز" التي نُشرت في 2008 وكانت من الأكثر مبيعا، وكتبها عامل وافد آخر تحت اسم مستعار "بنيامين".

وأثار الفيلم ضجة عارمة في السعودية، إذ دعا مواطنون سعوديون إلى مقاطعة نتفليكس، على منصات التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الفيلم "يبالغ بشكل كبير" في وصف حالة فردية عن انتهاك حقوق عامل وافد، ويعزز الصور النمطية السلبية عن الثقافة السعودية، وهو وصف قديم وخاطئ بالأساس لمعاملة السعودية لعمالها الوافدين.

ويرى تقرير "هيومن رايتس ووتش" أن الفيلم يبالغ على الأرجح في بعض عناصر قصة نجيب، لأغراض سينمائية، ويستند إلى حالة من تسعينيات القرن الماضي، إلا أن الانتهاكات التي يسردها "لا تزال مع الأسف واسعة الانتشار أكثر مما يود المنتقدين السعوديين على التواصل الاجتماعي الاعتراف به".

والانتهاكات المصورة في الفيلم تتمحور حول عزلة رعاة الماعز، وتشمل السيطرة غير المتناسبة على حياة العمال التي يتيحها نظام الكفالة السعودي، وتفشي انتهاكات الأجور ورسوم التوظيف الباهظة، والتعرض للحرارة الشديدة، وغياب إشراف الدولة.

ويقول تقرير المنظمة إنه تم توثيق جميع هذه الانتهاكات في السعودية ودول خليجية أخرى على مدى عقود. ورعاة الماشية الوافدون، مثلهم مثل عاملات المنازل، يعانون من بعض أسوأ الانتهاكات بسبب استثنائهم من قانون العمل السعودي، وغالبا ما يقعون ضحية الإتجار بالبشر والعزلة والاعتداء الجسدي.

لكن "هيومن رايتس ووتش" ترى أن محاولة رفض الوصف المزعج لانتهاكات حقوق العمال الوافدين بصفته عنصرية أو تشهير، أو محاولة صرف النظر باللجوء إلى "الماذاعنية" هي أساليب للتقليل من شأن الانتهاكات التي يتيحها نظام الكفالة، وهو نظام عنصري لإدارة العمل. 

وتضيف: "صحيح أن نجيب احتُجز على يد كفيل محتال انتحل صفة صاحب عمله واصطحبه من المطار، إلا أن نظام الكفالة التعسفي لا يزال قائما بعد 30 عاما من مغادرة نجيب للسعودية".

و"الماذاعنية" أو Whataboutism مصطلح  يشير إلى طريقة الرد على اتهام بارتكاب مخالفات، من خلال الادعاء بأن الجريمة التي ارتكبها شخص آخر مماثلة أو أسوأ، بحسب تعريف قاموس "وبستر".

ولفتت المنظمة الحقوقية إلى أن تحقيق الطموحات العالمية للسعودية المذكورة بالتفصيل في خطط "رؤية 2030"، بما في ذلك تقديم عرض استضافة "كأس العالم لكرة القدم للرجال 2034"، يعتمد إلى حد كبير على العمال الوافدين.

واعتبرت أنه إذا لم تعطِ السعودية الأولوية لتدابير جريئة لحماية العمال بموازاة مشاريعها الطموحة، سنشهد مزيدا من الروايات المشابهة لرواية نجيب، التي تفضح انتهاكات مرعبة التي يعاني منها العمال الوافدون في السعودية.