تطورات متلاحقة لسوق الذهب في لبنان
تطورات متلاحقة لسوق الذهب في لبنان

"أستيقظ صباحاً، وقبل أن أفعل أي شيء، حتى قبل أن أقول صباح الخير لخطيبتي أو أهلي، أفتح تطبيقات أسعار الذهب وسعر صرف الدولار على هاتفي، لأرى التوجه هذا اليوم، من بعدها يبدأ نهاري، فإن كان سعر الذهب منخفضاً اتجه إلى التاجر لأشتري، وان كان مرتفعاً اكتفي بالمراقبة لمتابعة اتجاهه والرقم الذي سيحققه".

هكذا بات يبدأ نهار اللبناني جورج عيد، بعدما نقل جزءا كبيراً من مدخراته من الدولار النقدي إلى العملات الذهبية، تماشياً مع المزاج السائد محلياً وعالمياً لجهة الإقبال على شراء الذهب كـ "ملاذ آمن" للحفاظ على قيمة المدخرات، وسط مخاوف من انخفاض القيمة السوقية للدولار نتيجة الاضطرابات الاقتصادية حول العالم ولاسيما أزمة التضخم في الولايات المتحدة.

تجربة اللبنانيين مع الأزمات المصرفية والانهيار الاقتصادي (2019) جعلتهم أكثر خوفاً وقلقاً على ما تبقى لديهم من مدخرات بعدما فقدوا الجزء الأكبر منها في المصارف اللبنانية التي احتجزت أموالهم ومنعتهم من سحبها خلال الانهيار الدراماتيكي لليرة اللبنانية على مدى السنوات الأربع الماضية.

وينتج عن هذا القلق، تخبطاً وحيرة بالخيارات الاقتصادية التي يتخذونها، وتعزيزاً لظاهرة الانسياق الجماعي في حالات الهلع والقلق، تترجم اليوم على شكل طوابير من الناس على أبواب محال الصاغة وتجار الذهب سعياً للحصول على ليرات وأونصات ذهبية بات تنقطع من الأسواق ويفوق حجم الطلب عليها ما هو معروض ومتوفر في البلاد، ويفرض تسجيل طلبات مسبقة يجري استيرادها من الخارج.

وكما هو حال أي سلعة تشهد إقبالاً في لبنان يفوق حجم العرض، بات سوق الذهب يخضع لعمليات احتكار خلقت سوقاً سوداء يشبه الأسواق الموازية التي نشأت خلال أزمة شح الدولار والمحروقات والخبز وغيرها في السنوات الماضية، وانعكس ارتفاعات غير مبررة في العمولات والأرباح الموضوعة على الذهب، وجعلته يقفز عن السعر العالمي المحدد يومياً بأشواط.

ملاذ الخائفين

بالنسبة إلى جورج، كل العملات الورقية ما عادت محل ثقة، وهو الذي خسر من مدخراته بانهيار الليرة ومع تراجع قيمة اليورو، "واليوم يقولون الدولار سيفقد من قيمته أعتقد ان كل العملات الورقية ما عادت خياراً آمناً، وهناك توجه لاستبدالها بالعملات المشفرة".

من هنا جاء خيار شراء الذهب "بكونه الأكثر أماناً عبر التاريخ لناحية محافظته على قيمته"، وفق ما يقول لموقع "الحرة"، إذ بات يتابع اليوم أكثر التحليلات الاقتصادية وآراء الخبراء بصورة مستمرة لمعرفة الاتجاهات والتوقعات، "كي أكون اكثر حذراً واتخذ خطوات استباقية".

ورغم أن كل ما سبق ذكره من مخاطر تحيط بقيمة الدولار الأميركي لا يتعدى كونه تحليلات وتوقعات اقتصادية، يقول علي حمود، وهو مصنِّع وصاحب محل لبيع الذهب في بيروت، إن زبائنه يأتون وهم على قناعة تامة من ان الدولار يفقد قيمته بينما سيتجه الذهب صعوداً.

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن الزبائن عادة ما يتناقلون المعلومات نفسها عن أن المصارف المركزية للدول تستغني عن الدولار وتحول أصولها إلى الذهب بكميات ضخمة، يتحدثون أن الولايات المتحدة ستتخلف عن سداد الدين مما يؤدي إلى أزمة عالمية، ويتناقشون بإمكانية توقف البنك الفيدرالي عن رفع قيمة الفائدة، وكل مرة يكون لديهم هاجس إضافي يدفعهم نحو خيار الذهب، "لكن في الحقيقة كل ذلك تحليلات وتوقعات ذات خلفيات سياسية – اقتصادية ليس بالضرورة أن تتحقق بهذا الشكل."

وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي يعيشها اللبنانيون على كافة الصعد ولاسيما اقتصادياً، ترى الخبيرة الاقتصادية ليال منصور في حديثها لموقع "الحرة" أن اللبنانيين يعمدون إلى خيار "تقليد بعضهم والانسياق في الخيارات العامة التي يتخذها الآخرون، دون فهم حقيقي للسوق، بحيث يلحق الجميع بالموجة كما هو حال الإقبال على الذهب اليوم، وهذا ناتج عن حالة الخوف والقلق المسيطرة".

ويزيد من تلك الحالة أن لبنان ما عاد يمتلك اليوم نظاماً مصرفياً حقيقياً بإمكان الناس أن تدخر عبره أو تستثمر أموالها، بحسب منصور، وعليه من لديه أموال يخشى إبقاءها على شكل ورقي ويخاف من ان تخسر قيمتها الشرائية بمرور الوقت أو بسبب الأزمات يتجه لخيار الذهب لسهولة ادخاره وانعدام الخشية من خسارة قيمته، فضلاً عن سهولة الاحتفاظ به في المنازل بشكل أفضل من المال النقدي.

وتضيف منصور أن أغلب الناس تصدق اليوم ما يشاع أن الدولار سيتأثر بخطوات دول البريكس الاقتصادية، ويفقد من قيمته العالمية، "وعادة الناس لا تفكر بالمدى البعيد لاسيما حملة رؤوس الأموال الصغيرة، وانما يفكرون بالخيارات الأكثر أمانا على المدى القصير."

تردد وحيرة

أما بالنسبة للشاب يوسف مهتار، فالخوف لا يزال يمنعه من اتخاذ أي خيار، لديه تردد كبير في استبدال دولاراته بالعملات الذهبية رغم قناعته بأنها خيار آمن، "أولا لا أصدق حجم التهويل من انهيار كبير للدولار، فيما سوق الذهب في لبنان بشكله الحالي لا يشجع على هكذا استثمار."

ويرى أن تجار الذهب من جهة يبالغون باستغلال زيادة الطلب الحالية، من أجل التحكم بالأسعار وتحقيق أرباح أكبر، ومن جهة أخرى فإن أسعار الذهب نفسها تسجل قفزات كبيرة صعوداً وهبوطاً بشكل غير مطمئن للادخار، "أخشى مثلاً آن اشتري اليوم بسعر مرتفع فيهبط لاحقاً ملحقا بي خسائر أريد تفاديها بحكم قلة مدخراتي نسبياً."

ويروي يوسف كيف أن أبرز تجار الذهب بالجملة في بيروت، الذي كان معروفا ببيعه للذهب بأسعار أقل من السوق بات اليوم يعتمد سعر السوق نفسه وربما أزيد، "انتظرت نحو ساعة من الوقت قبل الدخول بسبب ازدحام الناس أمام المكان، وفي الداخل تفاجأت بأنني مضطر لتسجيل طلب للحصول على أونصة الذهب بعد 10 أيام على أقل تقدير، ويضاف إلى سعرها العالمي أرباح التاجر وتكلفة الشحن فيزداد سعر الأونصة نحو 100 دولار عما هو عليه."

هذه المعطيات زادت من تردد يوسف، فلا ثقة لديه أولا بهذا الشخص بأنه سيعيد مدخراته بعد 10 أيام، خاصة أنه ما من شيء يلزمه ولا جهة تراقبه ولا آلية قانونية للتعويض في حال ضياع الأموال، في حين سبق لعدة مؤسسات وتجار في لبنان أن هربوا بأموال الناس وذهبهم دون ان أي ملاحقة جدية أو سعي للتعويض.

فضلاً عن ذلك، فإن التضارب الكبير بالأسعار بين تاجر وآخر، وبروز ما يشبه السوق السوداء للذهب التي تغتنم تراجع توفره بالأسواق لبيعه بأسعار أعلى، يفقد خيار الذهب، بالنسبة إلى يوسف، طابعه الاستثماري، بحيث يخسر مشتر الذهب مع بداية استثماره نحو 100 دولار بكل سبيكة ذهبية، وقياساً على مبالغ كبيرة تصبح الخسارة بالآلاف، وبالتالي ما كان يمكن ان تربحه بارتفاع سعر الذهب بعد اشهر، انت تخسره مسبقاً خلال الشراء بسبب العمولات، وتصبح الأرباح في سياق التعويض لاحقاً."

وعلى الرغم مما يعبر عنه من حيرة وتردد، يؤكد يوسف أنه وبنسبة 80 في المئة متجه نحو خيار الذهب، "خاصة في ظل التشجيع الكبير على هذا الأمر من ناحية الخبراء، وإن لم يكن خياراً استثمارياً على الأقل يكون خيار ادخار آمنا."

ومن جهتها، تحذر منصور من اعتبار الذهب خياراً آمناً بنسبة 100 في المئة. ففي علم الاقتصاد "ليس هناك خيارات آمنة تماماً أو غير آمنة تماماً، الأمور نسبية"، لذا يفضل القول الأكثر أمانا والأقل أماناً، وفي الوقت الحالي الذهب أكثر أماناً كملجأ ولكن ذلك ليس بالمطلق، وفق الخبيرة الاقتصادية.

كيف انقطعت الأسواق؟

يوضح حمود الطريق الذي سلكه المعدن الأصفر وأدى في النهاية إلى انخفاض حجم الذهب المتوفر في السوق اللبنانية لتلبية الطلب المتزايد، فقبل الأزمة الاقتصادية، درج أن يقسط الزبائن قيمة ما يريدونه من ذهب على مدى أشهر أو أسابيع، ويحصلون على الذهب فور تسديد الثمن، وهو ما كان يساعد التجار على توفير الكميات اللازمة للسوق من الذهب وفقاً للطلب المسبق.

لكن بعد الأزمة أقبل الناس على شراء الذهب بكل ما لديهم من أموال وبصورة فورية،  إذ باتت محال الصاغة تفرغ من الليرات والأونصات المعروضة بشكل يومي، وانتقل الطلب الزائد من الصاغة إلى تجار الذهب بالجملة، ولكن بقي الأمر تحت السيطرة إلى ما قبل 3 أشهر من اليوم، وفق حمود.

ويكشف الصائغ أن انقطاع الليرات وأونصات الذهبية لا يرتبط حصراً بالإقبال على الذهب، فبعد الزلزال الذي ضرب تركيا، تضررت الكثير من معامل تصنيع الذهب هناك، وتراجعت نسبة توريده إلى لبنان مما أدى إلى ارتفاع عمولة التصنيع على الذهب من 4 دولارات إلى 6.5 دولار للغرام الواحد، وهو ما يوازي نحو 50 في المئة من الكلفة.

هذا الواقع فتح شهية التجار اللبنانيين الذين عمدوا في مرحلة معينة إلى إعادة تذويب ما لديهم من ذهب خام على شكل ليرات وأونصات لاستخدامه في الذهب المصنع الذي بات يعود عليهم بربح نحو 7 دولارات في كل غرام، وهو ما يفوق بأشواط أرباحهم المحققة من بيع الليرات والأونصات، فضلاً أن تلك العملية سمحت لهم بتحقيق أرباح بفارق الوزن، إذ أن 30 غراماً من الذهب الخالص من شأنها أن تصبح 40 غراماً من الذهب المصنع بعيار 18.

إلا أن الطلب على الأونصات استمر بالارتفاع وهو ما أدى إلى انقطاع ما يعرف بالأونصة السويسرية (الصادرة عن شركة فالكامبي) وارتفع ثمنها ونسبة العمولات عليها بشكل كبير، وصلت إلي حد زيادة بنحو 100 دولار، أما الأونصة التي يتم سكها في لبنان لدى عدد من الشركات التي تملك حق السك، فقد استمرت متوفرة في السوق اللبنانية لكن الاقبال على السويسرية أعلى.

والفرق بين السويسرية واللبنانية، بحسب حمود، أن الأولى تحظى بثقة عالمية لناحية احتوائها على صافي ذهب بنسبة 999 من ألف وبالتالي تبقى أكثر أماناً ويسهل بيعها في الخارج، فيما يخشى في الخارج من الذهب المسكوك في دول مثل لبنان قد تشهد غشاً في نسبة الذهب الصافي فتكون نسبة الذهب 990 أو 995 من أصل ألف، وتضعف الثقة العالمية بها بحكم عدم وجود ثقة في القطاع في بلاد تعمها الفوضى والغش.

ويطمئن حمود إلى ان الذهب ليس مقطوعا في لبنان، حتى الأونصة السويسرية عادت لتتوفر بعمولة تصل إلى نحو 60 دولار، لافتاً إلى أن الاقبال على الذهب لا يمكن اعتباره حالة عامة في لبنان، رغم ارتفاعها بشكل كبير، "لكن الفئات الوحيدة القادرة على شراء الذهب اليوم هم حائزو الدولار، أو من يتقاضون أجورهم بالدولار، إضافة إلى المغتربين."

ويشير إلى أن الطلب لا يزال عند مستويات أقل مما كانت تشهده أسواق الذهب قبل الأزمة الاقتصادية في لبنان.

كيف سيتأثر الاقتصاد اللبناني؟

مع بروز ظاهرة الاقبال على شراء الذهب بدأت تساؤلات تطرح لدى الرأي العام اللبناني بشأن تأثير هذه الخطوة الاقتصادية على المسار المالي العام في البلاد، لاسيما من ناحية زيادة الطلب على الدولار أو انخفاضه، وتأثير ذلك على سعر صرف الليرة اللبنانية.

البعض يرى أن الاقبال على الذهب من شأنه أن يضعف الطلب على الدولار وإدخاره في المنازل، مما قد يساهم في توفره بصورة أكبر في الأسواق وبالتالي يخفض سعر صرفه بالليرة.

فيما يخشى قسم آخر أن يحمل الإقبال على الذهب زيادة في الإقبال على الدولار لشراء الذهب عبره، مما قد يعني مزيداً من الارتفاع في سعر الصرف.

وفي هذا السياق توضح الخبيرة الاقتصادية أن إقبال الناس على شراء الذهب لن يؤثر على واقع الدولار أو الليرة في البلاد، فحجم الشراء أصغر بكثير من أن يكون له انعكاسات، فالسوق اللبنانية لا تساوي شيئا بالنسبة إلى الأسواق العالمية الكبيرة كالصين او الهند مثلاً، فيما يقتصر شراء الذهب في لبنان على الميسورين من حملة الدولار والمغتربين فقط وهذا لا يصنع فرقاً.

وتضيف شارحة أن الليرة اللبنانية لن تتأثر بأي شكل بالعوامل الخارجية "فمشكلتها داخلية تتعلق بحجم طبع العملة الجاري الذي يزيد من تضخمها وبالتالي استبدالها بالدولار، في حين أن الطلب على الدولار في لبنان لا يقتصر على هدف الإدخار وانما يمتد إلى التجارة والاستيراد والأسواق لا تزال كلها تسير بالدولار.

وتختم منصور ناصحة باعتماد الذهب خيار إدخار بعيد الأمد، حيث لا يصلح هذا النوع من الاستثمار على مدى 6 أشهر أو سنة، وإنما هو خيار طويل الأجل، بكونه خيار موثوق به، لكنه ليس خياراً لتحقيق أرباح عالية وسريعة".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من المقال "يدرك الجميع أنّ نصرالله ينفّذ إرادة الولي الفقيه"- أرشيفية
زعيم حزب الله حسن نصر الله مخاطبا مؤيديه من خلال شاشة كبيرة.

أثار الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، موجة من الجدل بين المواطنين اللبنانيين بعد تصريحات له ربط فيها بين اغتيال قيادات في "حزب الله" من قبل إسرائيل وبين الخروقات نتيجة استخدام الهواتف الذكية، داعياً مناصريه إلى "التخلي عن الهواتف الخلوية".

نصر الله قال في كلمة متلفزة: "الهاتف الخلوي هو جهاز تنصت.. على إخواننا في القرى الحدودية وفي كل الجنوب لا سيما المقاتلين وعائلاتهم الاستغناء عن هواتفهم الخلوية من أجل حفظ وسلامة دماء وكرامات الناس.. الخلوي هو عميل قاتل يقدم معلومات محددة ودقيقة".

نصر الله أضاف في كلمته أن "أغلب الحالات (الاغتيالات) التي تحدث، هي نتيجة الخلوي.. نحن نقوم بإجراءات داخلية. لكن يبدو أن الخليوي تحول إلى ما يشبه الأوكسيجين للناس، ولا يستطيعون العيش من دونه".

وتوجه إلى عناصره بالقول: "أنتم تعلمون أن هذا جهاز تنصّت وصوتكم وأصوات زوجاتكم وما يحدث في البيت والعمل تصل إلى الإسرائيليين. ومع ذلك يبقى العناصر متمسكون بالخلوي".

وتابع نصرالله بلهجة حازمة: "هذا أمر غير جائز من الناحية الشرعية في الحدّ الأدنى في مرحلة القتال والمعركة والتهديد وتعريض أمن وحياة الآخرين للقتل".

 

كلام نصرالله يكشف عن مدى الخرق الذي يتعرض له "حزب الله" في المواجهة التي يخوضها من حدود لبنان الجنوبية مع الجيش الإسرائيلي. وهو يكشف أيضاً أن التكولوجيا، وإن شكّلت في بعض مواضعها أداة دعم للمليشيات المسلحة في المنطقة، من مثل "حزب الله" والحوثيين والمليشيات العراقية التابعة لإيران، عبر المسيّرات وبعض التقنيات المتطورة المرتبطة بها، بالإضافة إلى الصواريخ الموجهة والذكية، إلا أنها تتحول، وبسبب التفوق التقني لدى الدول التي تواجهها هذه المليشيات، إلى نقطة ضعف قاتلة لدى هذه الجماعات، خصوصاً لجهة "اصطياد" قياداتها ومسؤوليها العسكريين عبر إصابات دقيقة.

الأمين العام لحركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية زياد نخالة، كان اعترف في تصريحات تعود إلى مايو 2023 (أي قبل هجوم السابع من أكتوبر) أن اغتيال قادة الحركة بغارات إسرائيلية "ليس بسبب كفاءة العدو ولكن بسبب تصرفنا الذي لا يتناسب مع طبيعة معركتنا مع العدو". وتابع: "استخدام الهاتف الجوال هو أخطر شيء في قتالنا ويؤدي إلى اغتيالنا".

هذا الإقرار من نخالة يشبه إقرار نصر الله بتصريح علني بأن الخرق الأساسي الذي يعاني منه حزبه يرتبط بخرق شبكة الهواتف الذكية، والقدرة على تحديد تحركات القيادات أو المقاتلين عبر تتبّع الهواتف التي يحملونها، والمتصلة بمعضمها بخدمة الإنترنت.  

"هل الخرق هو لنظام الاتصالات والشبكات الداخلية في لبنان، أم أنّ الخرق هو على مستوى الأجهزة الخلوية التي يستخدمها اللبنانيون، وبينهم عناصر "حزب الله"؟ هذا هو السؤال الأساسي بحسب خبير الاتصالات وسيم منصور، الذي كان يشغل سابقاً منصب مدير عام في شركة "تاتش"، إحدى الشركتين المشغّلتين للهاتف الخلوي في لبنان.

منصور يعتقد أن الشبكات اللبنانية لديها نظام حماية (firewall)، لكنه لا يستطيع أن يؤكد إذا كانت هذه الأنظمة محدّثة أم لا.

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الخرق ممكن للشبكات، لكن ما هو مرجح أكثر هو خرق الهواتف نفسها، بسبب ربط هذه الأجهزة بالإنترنت، ما يجعلها عرضة للاختراق بشكل كبير، خصوصاً مع امتلاك إسرائيل تقنيات عالية في تحليل المعلومات الصادرة من الهواتف ومعالجتها والتصرف بناء على ذلك لتنفيذ عمليات الاغتيال.

لكن السؤال الثاني الذي يحضر هنا هو كيف حصلت إسرائيل على بيانات المشتركين لتتبع أرقام هواتف بعينها ورصد حركة الأجهزة وتتبعها؟

الطائرات المسيرة.. سلاح فتاك ضد الإرهابيين وخطر متنامٍ بأيديهم
في عام 1999 استُخدمت الطائرات المسيرة عسكرياً لأول مرة للقيام بعمليات استطلاع وتحديد أهدافٍ محتملة، وفي فبراير 2011 جرت تجربة إطلاق صاروخ من طائرة مسيرة "بريداتور"، وكانت بداية لاستعمال الطائرات الموجَّهة كسلاحٍ قاتل بعد استخدامها لسنوات في أغراض المراقبة والاستطلاع.

منصور يقول إن داتا الاتصالات في لبنان سلمت مثلا قبل أعوام إلى المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وأن العديد من بيانات اللبنانيين موجودة على الإنترنت، وهذا يجعل أمر الحصول عليها متاحاً خصوصا للجهات التي تمتلك تقنيات عالية كما هو الحال مع إسرائيل.

هذه المعطيات يؤكدها أيضاً عبد قطايا، مدير برامج الإعلام في منظمة "سمكس" للحقوق الرقمية. يقول لـ"ارفع صوتك": "الإسرائيليون استطاعوا الحصول على كم هائل من البيانات اللبنانية ويستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليلها والاستفادة منها عسكرياً. هناك الكثير من حالات تسريب البيانات الموثقة، مثل وجود جميع بيانات مصلحة تسجيل السيارات بالكامل عبر تطبيقات علنية غير مرخصة، تنتهك خصوصيات اللبنانيين. كما أنه بسهولة يمكن لأي شخص أن يدخل على شبكة الإنترنت ويحصل على بيانات الناخبين، بكل تفاصيلها".

ويضيف قطايا: "قبل سنوات اكتشف تجسس أحد موظفي شركتي الهاتف الخلوي في لبنان مع إسرائيل وتسريبه بيانات الشركة ولم نعرف ماذا حدث بعدها وهل فرضت إجراءات لحماية البيانات ولفهم طبيعة الخرق وحجمه".

منصور يشرح بدوره لـ"ارفع صوتك" أن ما تتفوق به إسرائيل بشكل أساسي هو قدرتها على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التي تحصل عليها وبالتالي مقاطعتها مع أمور أخرى لتحديد الأهداف وتنفيذ عمليات الاغتيال. هذا فضلاً عن امتلاك إسرائيل برامج تجسس متطورة جداً، مثل برنامج "بيغاسوس"، وهو برنامج باعته شركة اسرائيلية لأنظمة وبلدان أخرى (كما كشفت تحقيقات استقصائية) ويمتلك القدرة على خرق الهواتف الذكية وتتبعها والتنصت عليها وسحب ما فيها من بيانات واستخدام تطبيقاتها وكاميرا الهاتف وتسجيل الأصوات، من دون قدرة صاحب الهاتف على معرفة أنه تعرض للاختراق.

هذه التقنية (بيغاسوس) تسمح للإسرائيليين، بحسب منصور، بـ"الولوج إلى أي جهاز خلوي ذكي، بمعزل عن المصنّع وجودة الجهاز".

قطايا من جهته يرى أن "الإسرائيليين متقدمون تقنياً بشكل مهول، بالقدرة على الوصول إلى البيانات المرتبطة بالهواتف والحواسيب الموصولة بالإنترنت عبر الألياف الضوئية، بالإضافة إلى القدرة على خرق الاتصالات التي تجري عبر الأنترنت الجوي أو الفضائي، وهذا يتضمن ما يسمى حركة المرور (ترافيك) وجميع الداتا والتطبيقات التي يستخدمها الهاتف المستهدف، بالإضافة إلى القدرة على تحديد المكان الجغرافي (لوكايشن)".

هذه كلها خروقات "منطقية"، بحسب منصور، عندما يقوم المستخدمون بشبك هواتفهم بالإنترنت، والسماح للتطبيقات بالولوج إلى بيانات الهاتف واستخدامها، فضلاً عن ربط الهاتف بتقنية تحديد الموقع. ومع تطور التكنولوجيا تزيد التحديات المتعلقة بالخصوصية والأمن، و"إذا لم تكن متقدماً تكنولوجياً لحماية نفسك من التكنولوجيا، حينها قد يصير الحل الوحيد لحماية نفسك هو التخلي عن التكنولوجيا"، يختم منصور.