جرائم بحق الكلاب في لبنان تدق ناقوس الخطر
جرائم بحق الكلاب في لبنان تدق ناقوس الخطر | Source: Social Media

جريمتان صدمتا اللبنانيين قبل أيام، ضحيتاها كلاب أحرقت حيّة على أيدي قاصرَين في قضاء بعلبك، ما طرح علامات استفهام عن ظروف تنشئة الأطفال ومدى العنف المكبوت الذي قد ينفجر إجراماً في أي لحظة وبصور متنوعة.

وفي الرابع عشر من الشهر الحالي نشر الفتى "ه.ر" مقطع فيديو عبر خاصية الستوري على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لكلب تشتعل فيه النيران يركض داخل غرفة صغيرة، ولإخفاء صراخ الضحية من الألم والهلع، عمد ابن الـ15 عاماً إلى تشغيل موسيقى في الخلفية، ما دفع محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر إلى التواصل فوراً مع الأجهزة الأمنية التي أوقفت الفتى قبل أن تطلق سراحه بعد يومين، بحسب ما أكده خضر لموقع "الحرة".

وبعد أيام، صعق اللبنانيون بجريمة أكبر، هذه المرة جماعية، طالت كلبة و6 من جرائها، أضرم فتى يبلغ من العمر عشر سنوات النار فيها داخل غرفة صغيرة بجانب منزل، ما تسبب بمقتل خمسة منها، ومرة جديدة تحرك خضر متقدماً بشكوى أمام القضاء، فتم استدعاء الفتى ووالده بإشارة من المدعي العام البيئي في البقاع القاضي إياد البردان، حيث جرى التحقيق معهما بحضور مندوبة الأحداث.

ليست المرة الأولى التي تقع فيها مثل هذه الحوادث الإجرامية كما يؤكد خضر، "لكن الآن أصبح يتم التبليغ عنها من قبل الناشطين، وبدورنا نبلغ الجهات الرسمية، والمهم في مثل هذه الحالات التحرك الفوري، واللافت والإيجابي اهتمام اللبنانيين المتزايد بهذه القضايا، حيث يظهر ذلك من خلال تفاعلهم مع أي حادثة من هذا النوع وتعبيرهم عن استيائهم وغضبهم".

دق ناقوس الخطر

وازدادت في الآونة الأخيرة جرائم قتل الكلاب، بحسب الناشطة والمدافعة عن حقوق الحيوان، غنى نحفاوي، التي أشارت إلى وقوع جريمة ثالثة اتخذت من منطقة بشامون مسرحاً لها منذ أيام، حيث أقدم شخص راشد على إطلاق النار باتجاه مجموعة من الكلاب الشاردة.

ولفتت إلى أن "الإجرام بحق الحيوانات في لبنان تخطى كل الحدود التي يتخيلها عقل، من الحرق إلى استخدام اللانيت المحظور عالميا، فهذه المادة السامة التي تقتل الإنسان فيما لو تنشقها متوفرة في محلات بيع الأسمدة الزراعية من دون أن يفتح أي مسؤول تحقيقاً رسمياً بكيفية دخولها إلى البلاد".

حاول البعض كما تقول نحفاوي التخفيف مما ارتكبه ابن الـ15 سنة من خلال الإشارة إلى أن شقيقه قتل على حاجز للجيش اللبناني، وأن القضية لا تستحق كل هذا الاهتمام بما أن الضحية حيوان، ومن الأولى الإضاءة على قضايا اللبنانيين الذين يموتون جوعاً، لكن هذا الحديث غير مقبول، فالحيوان روح ينتمي إلى عائلة ولديه شعور بمعنى أنه لا يختلف عن الإنسان سوى أن الأخير ميّزه الله بالعقل".

هي جرائم وحشية كما تشدد رئيسة جمعية "نضال لأجل إنسان" ريما صليبا، قائلة لموقع "الحرة" "الأمر أخطر مما يظن البعض، فهو يشير إلى ما واجهه أو يواجهه القاصر من تعنيف أو من كونه شاهد لعنف، والخطورة تكمن فيما قد يقدم عليه في المستقبل".

من يرتكب هكذا جريمة لا بد من أنه سبق وأعطى إشارات عديدة عن نوع من السلوك الانحرافي، بحسب صليبا "لكن أهله لم يأخذوها بعين الاعتبار، إما عن جهل أو إهمال، فهم المسؤولون المباشرون عن صحة أطفالهم النفسية تليهم البيئة المحيطة به، والمجالس البلدية والاختيارية والجمعيات التي أخذت على عاتقها ملف حماية الأطفال، والتي يتوجب عليها القيام بحملات توعية وتنظيم نشاطات في مختلف المناطق تسمح لهؤلاء الصغار تفريغ طاقتهم السلبية، ولذلك سنطلق في يونيو المقبل حملة لتوعيتهم على حماية أنفسهم من التعرض للعنف أو مشاهداته".

ما خلف ستار الجرائم

تؤثر التربية المنزلية على سلوك الطفل وتشكل نمطه السلوكي، بما في ذلك بث روح العنف، بحسب الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية البروفيسورة، وديعة الأميوني، وتشرح في حديث لموقع "الحرة"، "إذا تعرض الطفل للعنف أو شهد حالات عنف في بيئته المنزلية، فقد يتعلم أن العنف هو وسيلة لحل المشكلات أو التعامل مع الآخرين. يمكن أن يؤدي هذا النمط التربوي إلى تكوين صورة سلبية عن العنف وتعزيز انتشاره في المجتمع. وإذا كان الطفل يشهد أو يتعرض للعنف في بيئته، فقد يصبح أكثر عرضة لتكرار هذا السلوك في المستقبل".

والعنف بمختلف أشكاله دليل انحراف وقلة إدراك ووعي، كما تقول أستاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية، الدكتورة ماري آنج نهرا، التي شرحت لموقع "الحرة"، أنه "في المبدأ العام الأشخاص المنحرفون قد يصابون باضطرابات العنف بفعل مسارهم الانحرافي، وذلك يعود لسببين أولهما نتيجة معاناتهم من مشاكل نفسية مرتبطة بالتربية التي تلقوها خلال صغرهم وبالتحديد علاقتهم مع السلطة الأبوية، ثانيهما معاناتهم من اضطرابات عقلية او نفسية مرتبطة بطباعهم منذ ولادتهم ومن أمراض عصبية رافقتهم خلال نشأتهم حتى سن المراهقة".

تجزم الدكتورة نهرا أن "الأطفال الذين يتعرضون للعنف سيمارسون الأمر ذاته على من هم أضعف منهم، وليس هناك أسهل من التسلط على حيوان لا يمكنه الدفاع عن نفسه ولا يجد من يحميه"، مشددة "من يؤذي عن قصد هو سادي، يتلذذ بتعذيب الآخر، هذا الاضطراب ممكن علاجه إذا كان المصاب به مازال صغيرا، كي لا يصبح مرضا في عمر المراهقة أو يتحول الولد إلى حدث منحرف، وشخصا مؤذ لمجتمعه عن سابق تصميم".

من جانبها تعرّف اختصاصية علم النفس هيفاء السيّد، السادية ضد الحيوانات، بأنها "سلوك يتلذذ فيه الشخص بممارسة القسوة وأشكال التعذيب كالركل والدهس وصولاً إلى قتل الحيوان وحرقه".

وعن أسباب التي تؤدي إلى هذا السلوك تشرح "قد تكون وراثية نتيجة جينات معينة تساعد على ظهور اضطرابات في الشخصية تمتد إلى عدة أجيال، أو قد تتعلق بالمشاكل والعنف الأسري بين الوالدين أو الأخوة، كما قد تكون نتيجة سوء المعاملة التي يتعرض لها الطفل من قبل أفراد عائلته كالعقاب والتهديد والتنمر عليه من قبلهم أو من قبل أفراد محيطه، أو معاناته من ضعف في شخصيته، ما يسبب لديه مشاكل نفسية تصل إلى الاكتئاب".

ولا تستبعد هيفاء تأثر الطفل بمشاهد تعنيف أشخاص للحيوانات سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو البرامج التلفزيونية وحتى الألعاب الإلكترونية التي تحفز على التعامل بعنف، كل ذلك يدفعه إلى "إفراغ غضبه محاولاً إظهار قوته على من هم أضعف منه كالحيوانات".

بين التأهيل والمحاسبة

توقيف الأولاد وتشديد العقوبة للذين يرتكبون هكذا جريمة ليسا كافيين ولن يجديا نفعاً بحسب صليبا "إذ لا بد من معالجتهم وتأهيلهم نفسياً لكي لا يكررون جريمتهم ومن هنا التشديد على أهمية برامج التأهيل النفسي خلال فترة التوقيف وتنفيذ الحكم"، في حين تعتبر نحفاوي أن التأهيل ضروري لهؤلاء، لكن "عدم المحاسبة هو السبب الرئيسي لانتشار مشاهد العنف هذه، إذ لا تتجاوز العقوبة الغرامة المالية وتوقيع تعهد بعدم تكرار الجريمة".

وحمّلت نحفاوي مسؤولية ما حصل إلى "كل مدعي عام وقاض لم يحكم بالعدل حين كان ينظر بهذه القضايا لاسيما حينما يكون المجرم راشداً" كما حمّلت المسؤولية إلى "القضاء المتخاذل الذي لا يحرك ساكنا وإلى كل مسؤول في بلدية لم ينفذ المادة 12 من قانون حماية ورعاية الحيوان رقم 47/2017، لمعالجة واقع الكلاب الشاردة، من خلال خصي الذكور وتعقيم الإناث منها، وبالتالي تسبب في تكاثرها، حتى وصل عددها إلى نحو ستين ألفاً".

من جانبه يشدد خضر على ضرورة تحديث القوانين "لكي ترتقي العقوبة إلى مستوى الجريمة خاصة عندما يرتكبها شخص راشد"، وبما ان العقوبة القانونية بجريمة قتل الحيوانات غير كافية، اقترح على القضاء إلزام من أحرقا الجراء بالخضوع لعلاج نفسي، وإلزامهما بالعمل خلال العطلة الصيفية بمأوى الكلاب الشاردة في بعلبك تحت إشراف صارم من قبل المتطوعين القيمين على المشروع، بهدف إعادة تأهيلهم.

ولفت إلى أنه "خلال شهرين كحد أقصى سيتم افتتاح مأوى للكلاب في بعلبك على أرض عائدة للبلدية، وقد بدأنا بدورة تدريبية للمتطوعين الذين سيكونون على تماس مع الكلاب وفي المرحلة القادمة سنستكمل تجهيزات المأوى التي تكفّل ناشط لبناني في مجال الرفق بالحيوان مقيم في الخارج بها، وبالتالي ستحل المشكلة فلا تتعرض الكلاب للقتل وفي ذات الوقت لا تزعج المواطنين وتعرضهم للخطر".

ويحظر قانون حماية ورعاية الحيوان في مادته الرابعة، القيام بأي عمل من شأنه التسبب للحيوانات بأية ضائقة، أو الم أو معاناة أو تعريضها للخطر أو التعذيب، ونص في المادة 26 على معاقبة كل من يخالف أحكام أي من مواد هذا القانون، بالغرامة من ثلاثة أضعاف إلى عشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور.

كما "يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر ولغاية سنتين، وبالغرامة من عشرين الى خمسين مليون ليرة لبنانية، إذا كان الجرم واقعا على حيوان مدرج في أي ملحق من ملاحق اتفاقية سايتس".

خطوات مطلوبة

لا شك أن أطفال لبنان كانوا الحلقة الأضعف للأزمة الاقتصادية وأكثر من دفعوا ثمنها، كما ترى صليبا "فحرمانهم من أبسط حاجياتهم من طعام ولباس وألعاب ونشاطات ترفيهية وربما من مقاعد الدراسة، كل ذلك ولّد لديهم كبتاً، في وقت أدى تلهي الأهل بتأمين لقمة عيش أولادهم إلى اهمال مراقبتهم لمعرفة ما يتعرضون له من مشاهد عنف عبر الانترنت والألعاب الالكترونية وغيره"، وتشدد على ضرورة اصطحاب من يحتاجون لعلاج نفسي الى جمعيات تقدم هذه الخدمة، وهي "منتشرة في مختلف المناطق".

وطالبت صليبا بتعديل برنامج كتاب التربية الوطنية، لتضمينه دروساً حول مفهوم الإنسانية وأهمية التعاطف مع الآخر أياً يكن إنساناً أو حيواناً، وكذلك "على وزارة التربية القيام بدورها في مجال توعية الأطفال"، محذرة من أن القادم مرعب "إذا لم يتخذ جميع المعنيين الخطوات المطلوبة منهم بأقصى سرعة".

أما الدكتورة نهرا فتعتبر ان "ما نشهده من أنواع عنف هو نتيجة عدم سيطرة الدولة على كافة المناطق اللبنانية وعدم احترام المواطنين للقوانين المرعية، اذ من المفترض أن يكون الحيوان محمياً في الطبيعة كما يفترض أن يكون الإنسان محمياً في دولته، ولوضع حد لهذه المشاهدة لا بد من التوعية على صعيد المدارس وذلك على مستويين: مستوى احترام الطبيعة والحيوان، ومستوى تربوي بمقاربة تربوية مع الأهل لتوجيه أبنائهم بطريقة مستقيمة ومتزنة عقلياً".

ومن الأهمية بحسب البروفيسورة الأميوني "توفير بيئة تربوية صحية وخالية من العنف في المنزل. ونؤكد على بعض الحلول التي يمكن أن تساهم في ذلك، مثل التوعية والتثقيف وتوفير بيئة آمنة وخالية من العنف. يمكن توفير الموارد والمعلومات من قبل الآباء والأمهات التي تساعد في تعزيز العلاقات الإيجابية والحوار البناء، اضافة الى تعليم الطفل المهارات الاجتماعية بما في ذلك حل المشكلات والتعبير عن الانفعالات بطرق صحية وبنّاءة، وتعزيز التواصل الفعّال وتعليم استخدام الكلمات للتعبير عن الغضب والاحتجاج بدلاً من العنف".

وتضيف "يمكن للأهل ان يقدموا أنفسهم كنموذج إيجابي بعيد عن مظاهر العنف الجسدي واللفظي والتعامل مع الصعوبات بشكل هادئ وبناء، بل تقديم الدعم النفسي والعلاج إذا كان الطفل قد تعرض للعنف أو يشهد حالات عنف. ويمكن الاستعانة هنا بمتخصصين في الصحة النفسية لتقديم الدعم اللازم للطفل ومساعدته في التعامل مع تأثيرات العنف. إن تقديم بيئة آمنة ومُحبة للأطفال وتعزيز التواصل الإيجابي والحوار البنّاء يمكن أن يسهم في الحد من العنف ونشر ثقافة السلام والاحترام في المجتمع".

كذلك تؤكد هيفاء أن "تربية الأهل تلعب دوراً مهماً في تشكيل شخصية الطفل خاصة في سنواته الخمس الأولى، لذلك من الضروري تدريب الوالدين على كيفية تنشئة أبنائهم وتطوير التواصل معهم كونهما القدوة والنموذج لهم في التعامل مع الغير، وعند ملاحظة أي سلوك انحرافي يجب عرض الطفل بشكل فوري على معالج نفسي، لأن العلاج المبكر قد يصلح شخصيته ويقيه من ارتكاب الأفعال الإجرامية مستقبلاً، فمن تسوّل له نفسه إزهاق روح حيوان لا يستبعد عنه ازهاق روح انسان وبالتالي تهديد امن واستقرار المجتمع".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.