الأمم المتحدة علقت المساعدات النقدية للاجئين السوريين في لبنان "أرشيف"
أحد مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان- أرشيف

"نحسد على بضعة دولارات تصلنا شهرياً من الأمم المتحدة، بل نُتّهم بأن بقاءنا في لبنان سببه المساعدات التي نحصل عليها، لكن ليت اللبنانيين يعلمون أنني أحياناً كثيرة أنام وأولادي ببطون خاوية".. بهذه الكلمات علّقت منى على خبر تعليق المساعدات النقدية للاجئين السوريين في لبنان بالعملتين المحلية والدولار للشهر المقبل.

تعيش منى، كما تشدد، على الاستدانة من دكان الحي الذي تسكنه في بلدة مجدل عنجر في البقاع، وهي من المستفيدين من المساعدة المالية التي تقدمها مفوضية شؤون اللاجئين، البالغة 25 دولارا للعائلة، وتقول "كيف لأحد أن يصدق أن هكذا مبلغا يكفي حتى فرد واحد، لذلك أتمنى أن تتضح الحقيقة بأن الصور التي ينشرها البعض على وسائل التواصل الاجتماعي لطوابير اللاجئين أمام أجهزة الصرف الآلية، هي من أجل سحب مبلغ لا يسمن ولا يغني من جوع".

والسبت الماضي، أعلنت الأمم المتحدة في بيان أنه "نتيجة سلسلة لقاءات عقدت مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ووزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار، وبناءً على طلبهما، تمّ اتخاذ القرار بتعليق تقديم المساعدات النقدية بالعملتين (الليرة اللبنانية والدولار) للاجئين للشهر المقبل، في الوقت الذي تستمر فيه المناقشات بشأن الآليّة المناسبة الممكن إتباعها".

وكان حجار أكد في مؤتمر صحفي رفض لبنان إعطاء اللاجئين السوريين المساعدات بالدولار، لأن "الشعب اللبناني رافض لهذا النزوح وهو يقارن بين المساعدات التي يحصل عليها النازحون والمساعدات البسيطة التي يحصلون عليها كلبنانيين"، مشيراً إلى أنه "تسلّمنا طلباً بدولرة المساعدات بحجة أن الـ ATM لا تتّسع للمبالغ بالليرة، ورفضنا إعطاء العائلة 40 دولاراً بناء على طلب المفوضيّة، كما رفضنا الدولرة لأنّنا نقوم بتحريك عجلة عودة النازحين وستزيد التوتر بين النازحين واللبنانيين في كل المناطق" مطالباً بدفع المساعدات في سوريا "من أجل تحفيزهم على العودة".

وأضاف حجار "اليد ممدودة للعودة عن الخطأ، ولا نريد افتعال إشكال مع الأمم المتحدة لكن مدّ اليد لا يعني التخلي عن مسؤوليتنا وسيادتنا"، وفي حديث إعلامي شدد على أن "المصلحة القومية العليا للبنان تقتضي بأن لا يحصل النازح السوري على المساعدات المالية بالدولار التي يجب أن تكون مشروطة"، وأن "أعباء النزوح السوري تكلف الدولة اللبنانية 3 مليارات دولار سنوياً".

على عكس ما اعتقد بعض اللاجئين السوريين أنهم لن يحصلوا على مساعدات مالية عن شهر يونيو، أوضحت الناطقة باسم مفوضية شؤون اللاجئين، دلال حرب، لموقع "الحرة" أنه وبناء على طلب الحكومة اللبنانية، تمّ تعليق قرار تقديم المساعدات النقدية للاجئين بالعملتين إما بالدولار أو بالعملة اللبنانية، غير أن اللاجئين سيستمرون بتلقي المساعدات النقدية من المفوضية والغذائية من برنامج الغذاء العالمي بالليرة اللبنانية فقط، إلى أن يتمّ التوافق على الآلية المناسب اتباعها".

فرحة لم تكتمل

لم تطل فرحة اللاجئين بقرار استئناف الأمم المتحدة تقديم المساعدات النقدية بعملة مزدوجة، الصادر في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، وذلك بعد مشاورات مكثفة بين المنظمة الأممية و"النظراء المعنيين والرسميين في الحكومة اللبنانية والبنك المركزي خلال الأشهر الأخيرة"، بحسب ما جاء في بيان مشترك صادر عن منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في لبنان، عمران ريزا، وممثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إيفو فرايسن، وممثل برنامج الأغذية العالمي، عبدالله الوردات.

وذكر البيان حينها أنه "أصبح من المستحيل على الأمم المتحدة وشركائها الاستمرار في تقديم المساعدات النقدية بالليرة اللبنانية فقط، نظرا للتحديات التشغيلية - ومنها التدهور السريع في قيمة العملة المحلية والتقلبات المتزايدة في سعر الصرف، والضغط على المُزّود المالي في توفير كميات كبيرة من النقد بالليرة اللبنانية"، لكن بعد المؤتمر الصحفي لوزير الشؤون الاجتماعية تم تعليق القرار.

ولفت البيان إلى أنه في حلول نهاية عام 2022، تم تحويل معظم برامج المساعدات في لبنان، بما في ذلك البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقرا التابع للحكومة، إلى الدولار الأميركي أو بالعملة المزدوجة، وأن اعتماد المساعدات للاجئين بالعملة المزدوجة يتماشى مع هذا النهج.

وتشدد حرب على أن "أولوية الأمم المتحدة ورسالتها الإنسانية هي الوقوف إلى جانب الأكثر ضعفاً، بمن فيهم اللاجئون، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي يعاني منها كلّ من اللبنانيين واللاجئين"، وأشارت إلى أنه "ليس كلّ اللاجئين يتلقون المساعدات. عدد من العائلات اللاجئة الأكثر ضعفاً تحصل على المساعدتين المالية والغذائية معاً، فيما تحصل عائلات أخرى على مساعدة واحدة من الاثنتين".

قبل الأزمة الاقتصادية، أي "حين كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة، كانت قيمة المساعدة المالية التي تقدمها مفوضية اللاجئين 173.5 دولار للعائلة أو ما يعادلها بالليرة اللبنانية" كما يقول الناشط الاجتماعي، الشيخ عبدالناصر العسلي، لموقع "الحرة"، أما الآن "يحصل اللاجئ على مليونين ونصف المليون ليرة، أي نحو 25 دولارا".

كذلك الحال كما يقول العسلي فيما يتعلق بالمساعدة التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، حيث "كان اللاجئ يحصل قبل الأزمة على 27 دولارا ليتراجع المبلغ إلى مليون ومئة ألف ليرة أي حوالي 11 دولارا، أما الشهر الجاري فحصل كل فرد على 20 دولارا"، مشدداً على أنه لديه واللاجئين شكوك بأنه يتم اقتطاع جزءاً كبيراً من المبالغ التي تصلهم، وهذا ما نفته المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي في لبنان، رشا أبو ضرغام، في اتصال مع موقع "الحرة".

لكن الرسائل النصية التي وصلت للمستفيدين من المساعدات الغذائية للشهر الجاري أشارت إلى أنه "من أجل دعم الأسر للحفاظ على قيمة مساعداتها، اعتباراً من مايو، تم تحميل قيمة المساعدات الغذائية والمالية الشهرية من برنامج الأغذية العالمي بالدولار الأميركي".. كما تضمنت أنه "تمّ تعبئة بطاقتكم بـ 20 دولارا أميركيا للفرد حتى خمسة أفراد للأسرة الواحدة، وبأنه بإمكانهم سحب المساعدة بالليرة اللبنانية أو الدولار الأميركي". 

يشدد العسلي على أن "هذه المساعدات هي في الأصل أمانة ولا يحق للمصارف أو غيرها تبديلها، وحتى إن كانت ستعطى بالليرة اللبنانية فالمطلوب أن تؤدى الأمانة بقيمتها، إذ من حق اللاجئ أن يتقاضى الأموال التي أودعت باسمه كاملة".

نعيم "وهمي"

يستفيد اللاجئ "أبو خالد" من برنامجي المساعدات المالية والغذائية، وكونه لديه ثلاثة أولاد قبض، أمس الاثنين، 125 دولار، ويقول "في السابق كنت أحصل على مليون ومئة ألف ليرة، وبعدما سمح لنا بسحب المبلغ بالدولار شعرت بفارق كبير، إذ حصلت على 20 دولارا عن كل فرد أي ما يعادل نحو مليوني ألف ليرة"، ويضيف في حديث لموقع "الحرة" أنه بعدما سمع خبر تعليق الأمم المتحدة لمساعداتها النقدية بالعملتين اعتقد أنه لن يحصل على أي مبلغ، وهو الذي يستند على المساعدات لتأمين قوت يوم عائلته، فراتبه من سكان المبنى الذي يعمل فيه كناطور لا يتعدى المليون ليرة، أي نحو 10 دولارات.

أما منى فاعتادت من أجل تأمين الحد الأدنى من قوت عائلتها الاستدانة من الدكان المقابل لمنزلها، وتشير إلى أنه "في الفترة الأخيرة بدأت أخجل من مراكمة الدين أكثر، والليلة الماضية رقدت وأولادي من دون طعام لكوني لا أملك ثمن ربطة خبز، كما أن أبنائي بدأوا يتأففون من أكل الزعتر، لكن ما باليد حيلة، وما يحزنني أكثر أن المسؤولين اللبنانيين يشنون حرباً إعلامية علينا ويعملون كل ما في وسعهم لإعادتنا إلى بلدنا، من دون أن يعوا أنه نتمنى قبلهم العودة لكن الأمر خارج عن إرادتنا".

رغم الأوضاع الصعبة التي تعيشها منى وأولادها إلا أن عودتها إلى بلدها "مستحيلة" كونها، كما تقول "لدي طفلان يحملان الجنسية اللبنانية، ولن يقبل طليقي أن أصحبهما معي إلى سوريا، ومن المستحيل أن أبتعد عنهما، لذلك أفضل أن أتحمّل وإياهما وشقيقتهما من زوجي الأول كل المآسي والفقر المدقع على أن أنسلخ عمن رآهما قلبي قبل عينيّ".

كذلك يخشى "أبو خالد" من أن يجبر على العودة إلى بلده، لا سيما وأن منزله في الرقة أصبح ركاماً، عدا عن سيطرة الأكراد على بلدته كما يقول، وفي لبنان يشعر أنه في سجن كبير، حيث يعجز عن العمل خارج المبنى الذي يحرسه، ونتيجة ارتفاع الأسعار بصورة خيالية، اضطرت زوجته للعمل في تنظيف المنازل، إذ كما يقول "كيلو الفواكه والخضار أصبح بمئات آلاف الليرات، والحبوب هي الأخرى غالية الثمن، لذلك أعتبر أن كل يوم يمر من دون أن ينام فيه أولادي جياعا بمثابة انتصار لي".

من جانبه، يخصص أحمد، اللاجئ في مخيم عرسال، المبلغ المالي الذي يصله من المساعدات لشراء الخبز وبضعة كيلوغرامات من الحبوب، ومثل منى، كان يعتقد أنه لن يحصل على مساعدة في شهر يونيو، لافتاً إلى أنه " في 25 من الشهر الجاري بدأت تصل الرسائل النصية على هواتف اللاجئين إشعاراً بإمكانية سحب مخصصاتهم من أجهزة الصراف الآلي، هذا التأخير بالدفع تسبب بعدم مقدرة عائلات كثيرة في المخيم على تأمين ربطة خبز، فالعدد الأكبر من اللاجئين عاطلين عن العمل ويستندون بشكل أساسي على هذه المساعدات".

ارتفاع الأسعار وانتشار البطالة أجبر اللاجئين بحسب أحمد، على التقشف إلى أقصى درجة، "فهم لا يعيشون في نعيم كما يحاول المسؤولون اللبنانيون تصوير الأمر، ومنهم محافظ مدينة بعلبك الهرمل في البقاع، بشير خضر، الذي سبق أن أشار إلى أن راتبه أقل مما يحصل عليه اللاجئ رغم إنه في أعلى وظيفة إدارية في الدولة، وكذلك وزير الشؤون الاجتماعية الذي قال في حديث إعلامي إن على النازح أن يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية ولا يفوق راتب المدير اللبناني، بل ما يكفيه ليؤمن الحاجات الأساسية فهناك عائلات لبنانية لا تدخل الـ20 دولارا في الشهر".

"سلاح متأهب"

التصويب على المساعدات التي يحصل عليها اللاجئون سلاح إضافي يلجأ إليه المسؤولون اللبنانيون في "حربهم" لترحيل اللاجئين السوريين التي بدأوها منذ فترة، كما يقول العسلي وذلك "على الرغم من أن الجميع يعلم أنه من بين اللاجئين أرامل وأيتام ومعوّقين ومصابو حرب وبينهم أيضاً لاجئون سياسيون ربما لا يستطيعون العمل لأنه ليس بحوزتهم أوراق رسمية للتنقل من مكان إلى آخر، وأحياناً يتعذر عليهم تصحيح أوضاعهم لعدة أمور على رأسها خوفهم من أن يجري ترحيلهم".

وكان الجيش اللبناني بدأ في الخامس والعشرين من الشهر الماضي حملة أمنية على مساكن اللاجئين على امتداد الأراضي اللبنانية، حيث داهمت عناصره منازلهم واعتقلت المئات منهم، وذلك تطبيقاً لقرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في الرابع والعشرين من سبتمبر 2019 حول ترحيل الذين يدخلون منهم لبنان عبر المعابر الحدودية غير الشرعية وغير الحائزين على الوثائق الرسمية والقانونية.

المشكلة الأكبر بحسب العسلي أن "الأمن اللبناني لا يسأل المرحّلين فيما إن كانوا مطلوبين للنظام السوري من عدمه، يرسلهم إلى الحدود ليجدوا أنفسهم أمام خيارين، إما العودة إلى لبنان عن طريق المهربين أو دخول سوريا والوقوع بين يديّ النظام، حينها يجبر بعضهم على الخدمة الإلزامية ومنهم من يكون السجن مصيره وما يستتبع ذلك من تصفيتهم معنوياً أو جسدياً أو انقطاع كل خبر عنهم".

يختم الناشط الاجتماعي مشدداً على أن "الأموال التي تصل إلى اللاجئين ليست شراً على لبنان، بل على العكس، كلها تصرف في هذا البلد، ورغم ذلك يحاربون ويحسدون وتتردد على مسامعهم أن اللبناني أحق منهم بهذه الأموال، فهل يريد المسؤولون اللبنانيون أن يعاني بلدهم من حرب واضطرار اللبنانيين إلى الوقوف في طوابير للحصول على مبلغ زهيد كما فرض على اللاجئين السوريين".

مواضيع ذات صلة:

شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين
شمال لبنان يشهد حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين

كان محمود في العاشرة من عمره عندما اضطر إلى الهرب مع والدته من القصف الذي دمر مدينته إدلب، تاركاً وراءه طفولته وذكرياته، ليجدا نفسيهما لاجئين في لبنان، حيث استقر بهما الحال في دكان صغير بمنطقة جبل البداوي شمالي البلاد، وذلك بسبب معاناة والدته من آلام مزمنة في الظهر مما يحول دون إمكانية سكنهما في شقة تتطلب صعود الأدراج.

يكافح محمود لتأمين الإيجار وتوفير الأدوية والطعام لوالدته، حيث عمل ولا يزال في محل لبيع ألعاب الأطفال براتب شهري لا يتجاوز 300 دولار، بينما يدفع كما يقول لموقع "الحرة" 100 دولار كإيجار للدكان الذي يسكنان فيه، إلى جانب 50 دولارا أخرى لتغطية فاتورة المياه والخدمات الأساسية.

في مايو الماضي، واجه ابن الـ 22 عاما صدمة كبيرة عندما أبلغته البلدية بضرورة إخلاء الدكان بناءً على قرار محافظ الشمال، رمزي نهرا، القاضي بترحيل كل لاجئ لا يمتلك أوراقا قانونية. وبعد عدة أيام من تلقيه الإنذار، لم يكن أمام محمود خيار سوى الانتقال مع والدته إلى منزل شقيقته مؤقتا.

ويشهد شمال لبنان حملة واسعة لإخلاء اللاجئين السوريين، وذلك بناءً على سلسلة قرارات يصدرها محافظ الشمال، نهرا، الذي دعا "المخالفين السوريين إلى مغادرة البلاد بالحسنى"، محذرا من "ترحيلهم بالقوة إذا اقتضى الأمر".

جاء تصريح نهرا خلال اجتماع ترأسه في سرايا طرابلس، في مايو الماضي، بحضور نواب الكورة ورؤساء البلديات، حيث أعلن عن إطلاق حملة "إزالة الوجود السوري غير الشرعي" من جميع أقضية الشمال، بمشاركة البلديات واتحاد البلديات وبمؤازرة الأجهزة الأمنية.

ومؤخرا أصدر نهرا سلسلة قرارات جديدة تضاف إلى حملة إخلاء اللاجئين السوريين من مناطق شمال لبنان. ففي 12 من الشهر الحالي، أمر بإخلاء بلدتي مرياطة والقادرية-كفرزينا خلال 15 يوما، وبلدة عرجس في قضاء زغرتا خلال أسبوع. كما أصدر، في 6 أغسطس، قرارا بإخلاء السوريين غير الشرعيين من بلدات برسا وكفرعقا وبصرما في قضاء الكورة.

كما شملت قرارات الإخلاء في أغسطس الحالي، بلدات فرصغاب وكفرحبو وكفرحلدا ودير بللا وكفور العربي ودوما وحردين وبشعلة ومحمرش ونيحا وراشانا وراشكيدا وكفرحاتا.

وقد حددت هذه القرارات مهلة زمنية للسوريين العاملين والساكنين لمغادرة المناطق المستهدفة، مع التهديد بتنفيذ عمليات إخلاء قسرية في حال عدم امتثالهم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، بما في ذلك إقفال المساكن المخالفة بالشمع الأحمر.

"أين المفر؟"

حاول محمود الهرب من الواقع المرير عبر البحر إلى أوروبا، عن طريق المراكب غير الشرعية، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل، ويشرح "غرقت في البحر، اعتقلت، ورحلت إلى الحدود السورية، ومع ذلك، لم أستسلم، وحاولت مرة أخرى، لكن الحظ لم يحالفني حيث أوقف الأمن اللبناني المركب قبل انطلاقه".

ويشير محمود إلى أن "السلطات اللبنانية لا ترغب في وجودنا هنا، ولذلك تعرقل عملية تجديد إقاماتنا. لكن ما يثير الحيرة هو أنها في الوقت ذاته تحاصرنا من البحر، مانعة إيانا من مغادرة هذا البلد".

اليوم، يعيش محمود في حالة من اليأس العميق، حيث يشعر بأنه محاصر في دوامة من المشاكل، فهو غير قادر على العودة إلى سوريا بسبب الأوضاع الأمنية وكونه مطلوبا للخدمة العسكرية، وفي الوقت ذاته يجد صعوبة في البقاء في لبنان نظرا للظروف الصعبة والمضايقات التي يتعرض لها اللاجئون.

ويعبر عن حزنه قائلا: "أشعر أنني أعيش في جحيم، حيث الإنسانية مفقودة. لا أملك حتى سقفا يؤويني أنا ووالدتي. كل ما أتمناه هو أن أجد مكانا آمناً نعيش فيه".

وكما محمود، يعيش هادي كابوس الإخلاء والترحيل. هو الذي فرّ من جحيم الحرب في سوريا، عام 2013، تاركاً خلفه كل ما يحب، آملًا في بناء حياة جديدة.

استقر في أحد أزقة طرابلس شمال لبنان، حيث عمل في كل الفرص التي أتيحت له، متحملا مشاق الحياة لتأمين لقمة العيش لأولاده الثلاثة.

رغم الصعوبات، رأى هادي في لبنان ملاذا آمناً ومكاناً يمكن لأطفاله أن يكبروا فيه بعيداً عن القذائف والصواريخ، لكن هذا الأمل بدأ يتلاشى ويتحوّل إلى كابوس، مع صدور قرارات نهرا، "التي تنبع من خلفية سياسية وحزبية وعنصرية تجاه اللاجئين"، كما يقول.

"أين المفر؟" يسأل هادي نفسه يوميا، بينما الخوف يرتسم على وجوه أولاده واليأس يسيطر على قلوبهم. ويقول لموقع "الحرة": "لا أستطيع العودة إلى سوريا كوني من المطلوبين لنظام بشار الأسد، أشعر بأني مكبّل، يوما بعد يوم، يتفاقم شعوري بالعجز، فإلى متى سيستمر هذا العذاب".

مصير محمود وهادي وعائلته، كحال آلاف اللاجئين السوريين في شمال لبنان، أصبح معلقا على قرارات المحافظ نهرا، فهم يعيشون في حالة من المجهول، وأملهم الوحيد اكمال ما تبقى لهم من عمر في أمان واستقرار.

وكان نهرا قد طلب من بلدية طرابلس، في 29 مايو، البدء بعملية مسح شاملة للسوريين المقيمين في نطاق البلدية، مشددا على ضرورة تنفيذ قرار مجلس الوزراء وتعاميم وزير الداخلية والبلديات المتعلقة بالوجود السوري غير الشرعي.

واتهم نهرا بلدية طرابلس بالتراخي في تنفيذ الإجراءات المطلوبة، مما أدى إلى تفاقم التحديات الأمنية والاقتصادية في المدينة.

من جهته، رد رئيس بلدية طرابلس، رياض يمق، على هذه الانتقادات بالتأكيد أن المجلس البلدي يبذل جهودا كبيرة للتعامل مع أزمة اللجوء السوري، مطالبا بدعم إضافي للبلدية في مواجهة هذه الأزمة، ومعبرا عن استعداد المجلس للتعاون الكامل مع جميع الجهات المعنية رغم الصعوبات القائمة.

الآلاف في دائرة الخطر

سبق أن أكد نهرا أنه لن يهدأ حتى "عودة كل السوريين إلى وطنهم"، مشددا على "تطبيق القوانين، باستثناء الأشخاص المضطهدين من قبل النظام السوري، والذين يقدر عددهم بنحو 20 في المئة من المتواجدين على الأراضي اللبنانية".

وأضاف نهرا خلال لقاء موسع في بلدة بشمزين بالكورة أن "الاعتقاد بأن النظام السوري أو المنظمات الدولية سيساهمون في عودة اللاجئين هو اعتقاد خاطئ"، مؤكدا أن هذه الحملة ستستمر حتى تحقيق الهدف المنشود.

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى "زيادة في خطر الطرد الجماعي للاجئين السوريين في لبنان"، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإجراءات الإدارية التي تستهدف سوريين في مختلف أنحاء البلاد.

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أوضحت المفوضية أن "الربع الأول من عام 2024، شهد تبني العديد من البلديات اللبنانية سياسات تقييدية صارمة ضد اللاجئين السوريين. وتم تسجيل أكثر من 100 إجراء إداري جديد على سوريين تضمنت فرض قيود على الحركة، وتنفيذ مداهمات، وفرض ضرائب جديدة، وإقامة نقاط تفتيش، إضافة إلى قيود مشددة على الإيجار وإصدار هويات بلدية".

كما رصدت المفوضية "138 حادثة طرد جماعي بين شهري يناير ويوليو 2024، حيث يتم تعريف 'الطرد الجماعي' على أنه تلك الحالات التي تؤثر فيها عمليات الطرد أو التهديد بالطرد على خمس أسر أو أكثر، كما صدر 91 إشعارا بالإخلاء خلال هذه الفترة، مما أثر على حوالي 22917 شخصا، غالبيتهم في مناطق الشمال والبقاع، كذلك تم تنفيذ 53 عملية إخلاء فعليا، ما أدى إلى تهجير 4,473 شخصا، مع ملاحظة زيادة في عدد هذه العمليات خلال الفترة ما بين أبريل ويونيو".

وتتابع المفوضية عن كثب أوضاع اللاجئين المهددين بالطرد أو المتضررين منه، لتقييم احتياجاتهم العاجلة وتقديم الدعم اللازم بالتعاون مع شركائها، وتشدد على "جهودها المستمرة للتخفيف من تأثير هذه الإجراءات على اللاجئين، وتأمين الدعم لهم بحسب احتياجاتهم".

وفي الوقت ذاته، تعي المفوضية التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، "خاصة في ظل الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعاني منها البلد"، مشيرة إلى أنها تبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهم خارج لبنان.

وفي الفترة من 1 يناير حتى 14 يوليو عام 2024، وثّق مرصد السكن 148 بلاغا، 61 في المئة منها تتعلق بسوريين، خاصة بعد مقتل باسكال سليمان، منسّق حزب "القوات اللبنانية" في جبيل، في 7 أبريل.

بعد هذا الحادث، "أصدرت سلطات محلية تعاميم تمييزية ضد السوريين"، كما يشير مرصد السكن الذي شهد بحسب تقريره الصادر في 31 يوليو الماضي، ارتفاعا ملحوظاً في عدد بلاغات الإخلاء والتهديد بالإخلاء التي تلقاها من اللاجئين السوريين خلال الأشهر الثلاثة التي تلت 7 أبريل، حيث قفز العدد من 13 بلاغا في الأشهر الثلاثة السابقة إلى 74 بلاغا بعدها.

ويلفت التقرير إلى أن 67 في المئة من إنذارات الإخلاء ترافقت مع ممارسات تعسفية قاسية ضد السوريين، إلى جانب الانتهاكات التي اعتاد المرصد رصدها قبل صدور تعاميم السلطات المحلية، "تضمنت بعض الحالات مصادرة أوراق ثبوتية، كما رفض بعض المالكين تجديد عقود الإيجار لمنع السكان من تسوية أوضاعهم القانونية".

ومن بين هذه الممارسات، برزت حالات "تعسف" من قبل البلديات لاسيما بلديات الشمال "حيث أقدمت بلدية زغرتا على إغلاق البيوت والمباني بالشمع الأحمر، وفي بلدية البترون، تم إغلاق أحد المباني على السكان باستخدام الخشب والجنازير، تلاها عملية إخلاء قسري تخللها تكسير للأثاث والأبواب"، وفق التقرير.

أما في بلدة بطرّام، فقد أوقفت البلدية عددا من السوريين، وأجبرتهم على الوقوف إلى جانب الجدار تحت تهديد السلاح، مما أرعبهم ودفعهم إلى إخلاء المكان بسرعة".

عنصرية وانتهاكات قانونية

الإجراءات التي يتخذها نهرا بحق اللاجئين السوريين "غير قانونية وتجسد عنصرية واضحة"، كما يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، محذرا من خطورة هذه الإجراءات وتداعياتها الإنسانية والقانونية.

صبلوح يعرب في حديث لموقع "الحرة" عن قلقه من عمليات طرد اللاجئين من مخيماتهم في مناطق البترون والكورة، وجمعهم في منطقة واحدة، مشيرا إلى وجود "مخطط خبيث" يستهدفهم.

ويلفت صبلوح إلى أن العديد من اللاجئين يستأجرون المنازل والمحلات بشكل قانوني، ويدفعون الإيجارات مقدما، إلا أنهم يتعرضون للطرد التعسفي وتشميع ممتلكاتهم دون أي إجراءات قانونية.

ويشرح أنه "في الحالات القانونية العادية، يستغرق إصدار حكم قضائي بإخلاء المسكن نحو أربع سنوات، بينما يتم تشميع منازل ومحلات اللاجئين السوريين دون اتباع إجراءات قانونية، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقوانين والاتفاقيات الدولية وأبسط حقوق الإنسان".

ويشير إلى أن "بعض البلديات في الشمال تتبع نهجا عنصريا في التعامل مع اللاجئين، مما يؤدي إلى تصعيد التوتر ودفعهم إلى اللجوء إلى طرق غير شرعية للهجرة، أو الانخراط في أعمال غير قانونية".

ويخلص صبلوح إلى أن "هذه الإجراءات تثبت أن الحكومة اللبنانية تمارس سياسة عنصرية ممنهجة ضد اللاجئين السوريين"، داعيا إلى التدخل العاجل من قبل المنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف هذه الانتهاكات وحماية حقوق اللاجئين، ومشددا على وجود طرق بديلة لمعالجة قضيتهم، بعيدا عن التمييز والطرد القسري.

كذلك تؤكد الناشطة الحقوقية، المحامية ديالا شحادة، أن الحملات التي يقوم بها نهرا لترحيل اللاجئين السوريين من شمال لبنان "غير قانونية، واصفة اياها بأنها "اغتصاب للسلطة الإدارية التي تعود حصرا للمديرية العامة للأمن العام".

وتوضح شحادة في حديث لموقع "الحرة" أن "هذه الحملات ذات خلفية سياسية، مبنية على سياسة أعلنتها الحكومة دون أن تدرس مدى قانونيتها على الصعيدين الوطني والدولي".

وتضيف شحادة "هذه الإجراءات لن تسهم في حل مشكلة اللاجئين"، وأن الذين يتم ترحيلهم غالبا ما يعودون إلى لبنان خلسة هربا من الجحيم الإنساني والأمني في مناطقهم بسوريا، داعية لأهمية التوصل إلى حل سياسي "يتحمل فيه النظام السوري والمجتمع الدولي الدور الأكبر فيه".

فيدرالية مقنّعة؟

وأعرب نائب الشمال، إيهاب مطر، عن استيائه البالغ إزاء بعض المواقف والقرارات التي وصفها بأنها "ملفتة بالمعنى السلبي" ومثيرة للريبة في توقيتها، مشيرا إلى أن الهدف من هذه القرارات هو تمريرها دون معارضة تذكر.

وفي بيان أصدره، في السابع من أغسطس، انتقد مطر تعميما صادرا عن المحافظ نهرا، تضمن ثلاثة قرارات تقضي بإخلاء السوريين غير الشرعيين من ثلاث بلدات في قضاء الكورة، حيث وصف هذه القرارات بأنها "غريبة وعجيبة"، مشيرا إلى أنها تعكس "ملامح المناطقية والطائفية والعنصرية وسوء الإدارة والتفرد"، مؤكدا افتقارها إلى النظرة الوطنية الشاملة.

وانتقد مطر ما أسماه "الفيدرالية المقنّعة" في التعامل مع هذا الملف، معربا عن رفضه للقرارات المتفرقة التي تهدف إلى ترحيل اللاجئين من مناطق لبنانية معينة ودفعهم للتجمع في مناطق أخرى، واصفا هذه الإجراءات بأنها تنبع من "سياق عنصري مذهبي" من شأنه مفاقمة الأزمة بدلا من حلها.

ودعا مطر رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، إلى التدخل ومراجعة هذه القرارات، محذرا من أن "الشيطان يكمن في تفاصيلها وأهدافها"، ومؤكدا أنه "لا يمكن تمريرها".

كما أعرب عن دعمه لضرورة وضع خطة شاملة للتعامل مع ملف اللجوء السوري، تأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية.

وفي اتصال أجراه موقع "الحرة" مع المحافظ نهرا، نفى أن تكون التعاميم التي يصدرها ذات خلفيات سياسية، حزبية، طائفية، أو تشكل نوعاً من الفيدرالية المقنعة، مؤكداً أن "هذه التعاميم تأتي في إطار تطبيق قرارات الحكومة اللبنانية ووزارة الداخلية والبلديات المتعلقة بتنظيم وجود السوريين في البلاد".

ويشير نهرا إلى أن "البلديات، بصفتها سلطة محلية، تتحمل مسؤولية تنظيم الوجود السوري ضمن نطاقها الجغرافي، وهي تطلب مني مؤازرة أمنية لتنفيذ هذه المهام، وأنا أوافق على تقديم الدعم اللازم لتحقيق ذلك".

وسبق أن أكد مركز "وصول" لحقوق الانسان، أن سوريا لم تبلغ حالة من الأمان المناسب لعودة اللاجئين السوريين إلى مناطقهم الأصلية، "حيث انهار الاقتصاد جراء النزاع القائم في البلاد، وتدمرت العديد من البنى التحتية والمرافق العامة والأبنية السكنية، من دون أي ملامح واضحة حول توقيت إعمارها بتنسيق دولي".

ونتيجة لذلك، يعيش أكثر من 80 في المئة من السكان في سوريا تحت فقر مدقع، بحسب "وصول" فضلا عن "استمرار الأعمال العدائية في بعض المناطق، والاعتقالات التعسفية من قبل مختلف أطراف النزاع، على رأسهم الحكومة السورية، حيث يتهم ضباط المخابرات السورية اللاجئين العائدين إلى بلادهم بعدم الولاء أو مشاركتهم بأعمال إرهابية أو إجبارهم على تأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، وهذا استهداف واضح بسبب قرارهم بالفرار من سوريا خوفا على حياتهم من النزاع المسلح".