ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال أو احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو
ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال أو احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو

"نعيش حالة من الخوف والقلق والتوتر، أولادي لا يجرؤون على النوم في المخيم، حالهم كحال باقي الشبان، يحملون بطانياتهم ليلا ويتوجهون إلى السهل غير مبالين بالأشواك التي تنخر أجسادهم والأفاعي والحيوانات التي يمكن أن تهاجمهم، فكل شيء أسهل لديهم من توقيف الجيش اللبناني لهم وتسليمهم للنظام السوري".. كلمات قالتها بحرقة اللاجئة السورية "أم أحمد".

لم تعد العنصرية التي ازدادت حدتها في الآونة الأخيرة الهمّ الأكبر للاجئين السوريين، بحسب "أم أحمد"، "فهذا الأمر اعتدنا عليه، لكن مداهمات الجيش اللبناني لمساكننا هي الرعب المستجد منذ شهر أبريل الماضي، فنحن على استعداد لتحمّل كل الظروف الصعبة التي نواجهها في لبنان على العودة إلى سوريا وما يترتب عن ذلك من اعتقال أبنائنا وإلزامهم بالخدمة في صفوف جيش النظام".

حتى الآن داهم الجيش اللبناني مخيم غزة في البقاع الغربي حيث تقيم "أم أحمد"، مرتين، وتشرح لموقع "الحرة" "عدا عن بكاء وصراخ الأطفال وإصابة بعضهم بإسهال نتيجة الرعب، رحّل الجيش عددا من الشبان منهم أربعة من أقاربي، أُجبر ثلاثة منهم على الخدمة العسكرية الإلزامية والرابع على الانضمام إلى صفوف الاحتياطي"، وتضيف "في النهار يخشى أولادي من مغادرة الخيمة وفي الليل يخشون أن يبيتوا فيها"!

في أبريل والأسابيع الأولى من مايو، نفذ الجيش اللبناني أكثر من 93 مداهمة، واعتقل ما لا يقل عن 2137 شخصا (بين المداهمات ونقاط التفتيش)، رحّل ما لا يقل عن 1473 لاجئا، وتضمنت هذه العمليات حالات انفصال عائلي، بما في ذلك حالات فصل قاصرين عن عائلاتهم.

الحملة الأخيرة ضد اللاجئين السوريين في لبنان جعلتهم في حيرة، فهم يخشون البقاء في مساكنهم من أن تتم مداهمتها وكذلك مغادرتها كي لا يتم توقيفهم على أحد الحواجز العسكرية.

العديد من الذين أعيدوا قسرا مسجّلون أو معروفون، بحسب منظمة العفو الدولية، لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وقال لاجئون للمنظمة إنهم لم يُمنحوا فرصة للتحدث إلى محام أو المفوضية، وحُرموا من الحق في الاعتراض على ترحيلهم والدفاع عن حقهم في الحماية، وإن الجيش اللبناني اقتاد المرحلين إلى الحدود وسلمهم مباشرة إلى السلطات السورية. بعضهم اعتُقلوا أو اختفوا بعد عودتهم إلى سوريا.

وأكدت 19 منظمة لبنانية ودولية من بينها "العفو الدولية"، مواصلتها توثيق الانتهاكات المروعة التي يرتكبها الجيش السوري وقوات الأمن ضد العائدين السوريين، بمن فيهم الأطفال، مثل الاحتجاز غير القانوني أو التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاغتصاب والعنف الجنسي، والإخفاء القسري.

"حصار" ثلاثي الأبعاد

قبل ثماني سنوات هربت "أم أحمد" من الحرب الدائرة في بلدها، دخلت وأبناؤها السبعة لبنان بصورة غير شرعية، كان كل همها ألا يجرفهم شلال الدم الذي ابتلع آلاف الأرواح، وجدت في خيمة مأوى لعائلتها، وتقول "حلمي كان بسيطا جدا وهو أن يكبر أطفالي بأمان وأن استند عليهم بعدما حضنتهم منذ طفولتهم وكنت لهم الأم والأب، لكن للأسف لم أذق طعم الأمن والأمان في لبنان، وكل يوم نحاصر بالتخويف والتجويع والذل أكثر".

توقف أبناء "أم أحمد" عن العمل خوفا من توقيفهم على أحد الحواجز العسكرية، لذلك "اضطررت إلى إرسال ابنتي ذات الـ 14 سنة وشقيقها الذي يصغرها بعامين إلى الحاويات لجمع الخردوات وبيعها، حيث يجنيان يوميا نحو مئتي ألف ليرة ما يعادل الدولارين، بالكاد تكفي لشراء الخبز، وفوق هذا يتعرضان كما بقية السوريين لعنصرية مقيتة، فلا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع عبارات (حلّوا عنا) و (يلي متوفر لكم ما متوفر للبنانيين)، رغم أننا لا نلمس سوى توفر الفئران والجرذان والحشرات التي لا تفارق خيمنا".

وتزامنا مع زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية السابق ميشال عون إلى دمشق، حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من التلاعب بملف اللاجئين ومن إمكانية الاتفاق على إعادتهم قسرا دون ضمانات دولية تضمن حقوقهم ولا تعرضهم للملاحقة الأمنية والتتبع القضائي لدى قضاء النظام بسبب معارضتهم، مشددا أنه "رغم أن العديد من المحافظات والمناطق السورية لم تشهد أي أعمال قتالية منذ سنوات، لازال البلد غير آمن من جميع النواحي لإعادة اللاجئين والفارين من الحرب سابقا ولازالت البنية التحتية مهترئة".

وأشار المرصد إلى صرخات الاستغاثة التي يوجهها اللاجئون عبره "جراء ما يتعرضون له من تنكيل وقمع وحملات عنصرية ومضايقات وترحيل قسري من قبل الجيش اللبناني وقوات الأمن اللبناني، حيث يمنعون من الخروج إلى الشوارع والتوجه للعمل، وسط معاناة كبيرة لهم".

وأكد المرصد تسليم المرحلين " لقوات تابعة للفرقة الرابعة على الحدود السورية – اللبنانية"، وتعرض الكثير منهم "للاعتقال فور وصولهم إلى سوريا"، حيث قال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لموقع "الحرة" "وثقنا في شهر أبريل اعتقال 49 مرحّلا وهذه العمليات مستمرة".

مشنقة "رسمية"

كما حال اللاجئين السوريين الذين لا يملكون إقامات شرعية في لبنان أو انتهى تاريخ صلاحيتها، يعيش محمد (اسم مستعار) حالة من الترقب، ويقول "أصبح البقاء في المنزل أو مغادرته مجازفة، وقد تفاجأت قبل أيام بعناصر من الجيش اللبناني يطرقون باب منزلي مساء، أطلعتهم بأني قدمت أوراقي وعائلتي للأمن العام لتجديد إقامتنا، عندها سجلوا أسماءنا والتقطوا صورا لنا قبل أن يغادروا، فعلوا الأمر ذاته مع جيراننا، ومنذ ذلك الحين لم يغمض لي جفن، إذ أتوقع عودتهم في أي لحظة لترحيلنا". 

ابن إدلب السورية توقف عن العمل خارج بلدة الغابون في قضاء عالية حيث يسكن، لتضاعف صعوبة تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من خمسة أطفال الذين انضمت إليهم في شهر أبريل الطفلة رغد ذات الثماني أعوام، التي عادت حينها من مدرستها لتصعق بترحيل جميع أفراد عائلتها، ويقول محمد لموقع "الحرة"، "بعد ترحيله عاد والدها خلسة إلى لبنان عبر مهربين للاطمئنان عنها، ونتيجة تنقله بين منازل أقاربه خوفا من توقيفه مجددا أبقاها لدينا، كما أنها تتواصل مع والدتها وأشقائها عبر الهاتف، منتظرة تمكنهم من العودة إلى لبنان".

يشبّه محمد الحملة التي تشنها الحكومة والجيش اللبناني على اللاجئين بحبل "يشتد حول أعناقنا أكثر وأكثر، نحن نختنق بكل ما للكلمة من معنى ولا نعلم متى نلفظ آخر أنفاسنا، وقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البقاء في لبنان أشبه بالموت وكذلك الأمر في حال عودتنا إلى سوريا كوني سأجبر على الخدمة الاحتياطية، وكل مطلبنا الآن أن نرحل إلى أي بقعة في العالم تعاملنا حكومتها وشعبها كأشخاص يحق لهم العيش بكرامة".

ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال/ احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو، وهو أعلى معدل للاعتقال في عام 2023 على يد قوات النظام السوري بحسب ما أشارت في تقرير أصدرته مطلع الشهر الجاري، لافتة إلى أنه "منذ بداية العام سجلت 863 حالة اعتقال تعسفي بينهم 40 طفلا و32 امرأة، تحول 706 منهم إلى مخفيّين قسريا"ً.

وأرجعت الشبكة أسباب ارتفاع حصيلة عمليات الاعتقال في مايو الماضي إلى استهداف اللاجئين الذين تم ترحيلهم من لبنان والمدنيين على خلفية قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، مشيرة في تقريرها إلى أن كافة مراسيم العفو أفرجت عن 7351 معتقلا تعسفيا وما زال لدى النظام السوري قرابة 135253 معتقلا/مختفٍ قسريا. 

سجون من نوع آخر

طالت المداهمات منزل حسين (اسم مستعار) حيث أوقف الجيش اللبناني في شهر أبريل ثلاثة من أبنائه أحدهم قاصر لانتهاء تاريخ صلاحية إقامتهم، إلا أنهم كما يؤكد تمكنوا من العودة إلى لبنان، ويشرح "أطلعوني أنه لم يعبروا الحدود عند المصنع، بل سلمهم الجيش اللبناني إلى الجيش السوري في منطقة حدودية، حيث تم توقيفهم لمدة ستة أيام، وقبل أن يطلق سراحهم طلب من كل شاب بلغ الـ 19 سنة وما فوق مراجعة شعبة التجنيد في محافظته خلال مهلة عشرة أيام لأداء الخدمة الإلزامية". 

خلال المهلة التي منحت لهم استطاع أولاد حسين من الدخول خلسة إلى لبنان عبر مهربين، مقابل 800 دولار إستدانها والدهم، ويقول لموقع "الحرة"، "بعد الذي حصل يلازم أولادي المنزل متأهبين للهروب في حال سماعهم صوت آليات الجيش اللبناني، فهم يخشون الخروج وتوقيفهم من دون أن أعلم مصيرهم، وهذه المرة لن يسلموا إذا ما رحلوا من جديد".

وكان 75 لاجئا من المرحلين كشفوا لمركز "وصول" لحقوق الإنسان أن السلطات السورية أعادت تسليمهم إلى مهربين متواجدين عند الحدود اللبنانية بعد التفاوض معهم لإعادتهم إلى لبنان لقاء مبالغ مالية تتراوح بين 150 و300 دولار أميركي للفرد الواحد، بينما وصلت المبالغ المالية إلى نحو 3000 دولار للأفراد الذين يواجهون مخاطر أمنية مباشرة في سوريا، وأكد 51 لاجئا منهم أن الجيش اللبناني قام بتسليمهم إلى السلطات السورية بشكل مباشر. 

 يتساءل حسين "أي حياة هذه التي تحولت فيها منازلنا إلى سجون، أولادي مكبلون لا يمكنهم العمل، فحتى لو احتاجوا إلى طبيب يفضلون تحمّل الألم على مجازفة التنقل".    

لاحظت فرق منظمة "أطباء بلا حدود" تغيّب بعض المرضى عن مواعيدهم، ويعود ذلك بحسب ما وردها إلى خوفهم من الترحيل أثناء مرورهم بنقاط التفتيش للوصول إلى المرافق الصحية، حيث أشارت في تقرير إلى العوائق المتزايدة التي "تصعّب حصول اللاجئين على الخدمات الطبية الضرورية".

أدى التطبيق الأخير والصارم للسياسات والقيود القانونية التي تعنى باللاجئين في لبنان إلى مصادرة سيارات والدراجات النارية للكثيرين منهم، بحسب المنظمة الدولية، "علما أنها غالبا ما تكون وسيلتهم الوحيدة للتنقل بأسعار معقولة، بعدما تسببت الأزمة الاقتصادية بارتفاع كبير في تكلفة سيارات الأجرة والنقل العام".

ولفت رئيس بعثة أطباء بلا حدود في لبنان، الدكتور مارسيلو فرنانديز، إلى أن مريضا رفض إحالته إلى المستشفى رغم حاجته الملحة إلى الرعاية الطبية، و"يعود ذلك بشكل خاص إلى خوفه من الترحيل، لا سيما أنه غير مسجل"، مشددا "لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. ولا يجوز تطبيق أي إجراء على حساب صحة الناس. لا بد من أن تتمتع جميع الفئات المهمشة بالقدرة نفسها على الوصول إلى الرعاية الصحية في الوقت المناسب، بغض النظر عن خلفيتهم أو وضعهم".

بين الإصرار والإجحاف

أكد المدير السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، العام الماضي، وجود مليونين و80 الف سوري على الأراضي اللبنانية، منهم 805,326 مسجلا لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي كشفت الجولة الثامنة من استطلاع الرأي الذي أجرته في كل مصر والأردن ولبنان، حول رغبة اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم، أن  93.5في المئة لا نية لديهم للعودة إلى بلدهم خلال الاثني عشرة شهرا القادمة، في حين أكد 1.1 في المئة نيتهم ذلك، أما الـ 5.4 في المئة المتبقية فلم يحسموا قرارهم بعد.

وأكد 51.3 من اللاجئين أنهم لا يأملون العودة إلى سوريا في غضون خمس سنوات، على عكس 25.2 في المئة من المستطلعة آرائهم، في حين لم يحسم 23.6 في المئة قرارهم، لا بل 43.5 لا يأملون العودة إلى سوريا في يوم من الأيام، مقابل 40.6 في المئة يأملون ذلك وعدم حسم 15.8 في المئة قرارهم.

وعن الأمل العام في العودة، (يشمل المشاركين الذين ينوون العودة إلى سوريا في غضون الاثني عشر شهرا القادمة، والذين يأملون العودة في غضون خمس سنوات وكذلك الذين يأملون العودة يوما ما)، كشف الاستطلاع أن 56 في المئة يأملون العودة، شرط توافر فرص العمل، حيث تقدم العامل الاقتصادي على الوضع الأمني الذي حل في المرتبة الثانية.

وبغض النظر عن آراء اللاجئين، أصدرت الحكومة اللبنانية الشهر الماضي قرار التشدد في ملاحقة المخالفين منهم والبحث في إمكانية تسليم الموقوفين والمحكومين لنظام بلدهم، وأعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني استئناف عمليات العودة الطوعية، مشيرة إلى أنه يمكن للراغبين بذلك البدء تقديم الطلبات في المراكز المخصصة لهذه الغاية على كافة الأراضي اللبنانية، و"سيصار الى تسوية أوضاعهم مجانا فور المغادرة".

أما وزير الداخلية بسام مولوي فأشار إلى أن ما تقوم به القوى الأمنية في هذا الملف "ليس تعرضاً لحقوق الإنسان، إنما هو حفاظ على مصلحة الدولة والنظام العام"، في حين اعتبر وزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار أن عودة اللاجئين باتت "قضية حياة وموت"، محذرا من تغييرات ديموغرافية خطيرة، قائلا "سنصبح لاجئين في بلدنا".

وأمس الأربعاء التقى رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي وزير المهجرين عصام شرف الدين الذي أكد أن هدف اللقاء التنسيق وزيادة بنود جديدة على ورقة التفاهم القديمة التي ستطرح خلال زيارته التحضيرية إلى سوريا الأسبوع المقبل.

وقبل أيام صرّح ميقاتي بأن الحكومة اللبنانية بصدد تشكيل لجنة وزارية للذهاب إلى دمشق لبحث هذا الملف، مشيرا إلى وجود خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى لحله، لافتا إلى أن "الموضوع غير موجه ضد جنسية محددة، ولا يمكن اتهامنا بالعنصرية، كل ما نريده ممارسة حقنا في السيادة على كامل أرضنا، ومن هنا يأتي القرار بترحيل أي أجنبي لا يمتلك الوثائق القانونية اللازمة لإقامته في بلدنا".

في المقابل، دعت 19 منظمة دولية من بينها منظمة العفو الدولية، إلى "وقف ترحيل اللاجئين السوريين بموجب إجراءات موجزة"، كما دعا المرصد السوري لحقوق الإنسان المجتمع الدولي لمواصلة مساندة الشعب السوري ودعم اللاجئين بتوفير المناخ الآمن للعودة الطوعية لا العودة القسرية الإجبارية حتى لا تتعرض حياتهم للخطر، مشددا أن لا حل لهذا الملف دون حل سوري شامل، و"ما دون ذلك هو اجحاف بحق المهجّرين بفعل العمليات العسكرية".

مواضيع ذات صلة:

FILE PHOTO: Handout photograph of a woman and baby at the Zamzam displacement camp in North Darfur
حلت السودان في المركز الأخير على مستوى العالم في مؤشرات المساواة بين الجنسين- صورة تعبيرية.

"عادات مجتمعية بالية في أنظمة غالبيتها ذكورية، ولا تهتم بتمكين المرأة سياسيا واقتصاديا، ولا يسمحون بتوليها المناصب القيادية، وينظرون إليها على أن أداة للزواج والإنجاب في المقام الأول"، هكذا يعدد خبراء تحدث معهم موقع "الحرة" أسباب تكرار تذييل الدول العربيةمؤشر المساواة بين الجنسين.

واحتلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المرتبة الأخيرة بين جميع المناطق، وفق مؤشر المساواة بين الجنسين "GLOBAL GENDER GAR INDEX 2024"، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

 وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بلغت نسبة التكافؤ بين الجنسين 61.7 بالمئة، حيث احتلت دولة الإمارات المركز الأول بالمنطقة والـ74 عالميا من أصل 146 دولة، بينما حلت السودان في المركز الأخير على مستوى العالم.

 

ما واقع النساء بالدول العربية؟

يقيس "المؤشر العالمي للفجوة بين الجنسين" سنويا الوضع الحالي وتطور المساواة بين الجنسين عبر أربعة مؤشرات رئيسية وهي "المشاركة والفرص الاقتصادية، والتحصيل التعليمي، والصحة والبقاء على قيد الحياة، والتمكين السياسي".

وجميع تلك المؤشرات "متدنية ومتراجعة" في الدول العربية لأن غالبية الأنظمة "تسلطية ذكورية لا تؤمن بالديمقراطية والحريات ولا تسعى لتمكين المرأة"، حسبما يوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة مصر اليابان، سعيد صادق.

ويشير أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن "الأنظمة الاجتماعية في غالبية الدول العربية ضد المرأة والأقليات الدينية، ولا تؤمن بتمكين تلك الفئات مجتمعيا وسياسيا واقتصاديا، وفي بعض المهن هناك تخصصات هي (حكر على الرجال فقط)".

وفي غالبية الدول العربية فإن صحة المرأة في "متدنية" وتوجد "أعلى نسب أمية" ولا يتم "تمكين النساء اقتصاديا" ولا يسمح لهن بـ"تولي مناصب سياسية قيادية"، وفق صادق.

ويتحدث أستاذ علم الاجتماع السياسي عن "ثقافة مجتمعية ترى في المرأة كائن أقل من الرجل، ومجرد أداة للإنجاب وتربية الأطفال"، دون الاهتمام بالمساواة بين الجنسين.

لكن على جانب آخر، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، عمار علي حسن، أن تلك المؤشرات "لا تقيس واقع غالبية الدول العربية بشكل دقيق" لأنها "نابعة عن نماذج مغايرة لواقع المنطقة".

ولدى المجتمعات العربية "مؤشرات ونماذج مختلفة"، فالمرأة في المجتمعات التقليدية والقبلية الريفية "لديها مصادر أخرى للقوة لا تراها هذه التقرير، فهي قد تتحكم في عائلة مثلا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير إلى أن بعض النساء في المجتمعات العربية "لديهن دور اجتماعي كبير جدا قد يكون أكبر من الرجل"، فهي تساعد زوجها في العمل وتربية الأطفال والعمل بالمنزل، لكن التقارير الغربية "لا تضع ذلك في الاعتبار".

ويتحدث أستاذ علم الاجتماع السياسي عن "حرية اختيار" فبعض النساء يفضلن "البقاء بالمنزل والاهتمام بأسرهن وأطفالهن"، ولذلك فتلك التقارير " لا تعبر دائما عن واقع المجتمعات العربية".

 

فجوة "كبيرة" بين الجنسين؟

يوجد في منطقة الدول العربية ثاني أكبر فجوة بين الجنسين في العالم بعد جنوب آسيا، وفقا لمؤشر التنمية الجنسانية (GDI) حيث تتخلف النساء عن المشاركة في الدخل والعمل.

ودفعت قضية عدم المساواة بين الجنسين أعدادا من البلدان إلى اتخاذ إجراءات من خلال تطوير استراتيجيات وقوانين وطنية تهدف إلى تحسين حياة 200 مليون امرأة وفتاة في المنطقة.

ومع ذلك، فقد تقدمت منطقة الدول العربية بوتيرة أبطأ من المتوسط العالمي على مدى السنوات العشر الماضية، وبالمعدل الحالي، يقدر أن الفجوة بين الجنسين في المنطقة تستغرق 153 سنة أخرى لتغلق، وفق "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي".

وعن أسباب ذلك، تتحدث أستاذ مناهج علم الاجتماع، عزة فتحي، عن "إرث ثقافي يحول دون ارتفاع نسبه المساواة بين المرأة والرجل ويزيد الفجوة بين الجنسين".

وعلى رأس تلك الأسباب "عدم الثقة في قدرات المرأة وبعض الأفكار المتطرفة التي ترفض عمل النساء وترى أن مكانهن هو المنزل وتربية الأطفال، وهو ما يجد استحسان كبير عند بعض الناس"، وفق حديثها لموقع "الحرة".

وتشير فتحي إلى أن "بعض الرجال يكون لديهم مخاوف من زيادة سيطرة المرأة على المنزل بفعل حصولها على وظيفة ودخل مالي قد يكون أحيانا أعلى من زوجها، ما يدفع بعضهم إلى (محاولة إفشال عمل زوجته بكافة الطرق)".

وفي بعض الدول فإن المستوى الاقتصادي للأسر يكون "منخفض" وخاصة في القرى والريف، ما يدفع الأهالي إلى "تعليم الأولاد وحرمان الفتيات من ذلك"، وفق أستاذ مناهج علم الاجتماع.

وتفضل بعض الأسر "زواج الفتيات بشكل مبكر وإنجابهن في سن صغيرة وبالتالي حرمانهن من فرص التعليم ومن ثم الوظائف"، حسبما تضيف.

لكن على جانب آخر، ترى أستاذ علم الاجتماع، سامية خضر، أن "المساواة بين الجنسين في كل شيء، ليس أمرا إيجابيا ولا يمكن تحقيقه طوال الوقت".

وفي المجتمعات العربية يتم الاهتمام بالمرأة منذ سن صغير، وتكون الأولوية لدى الكثير من الأسر هي "حماية الفتيات"، وهي "عناصر غير مكتوبة" لكنها تمثل "إرث ثقافي ومجتمعي"، وفق حديثها لموقع "الحرة".

وتمارس المرأة "دورا مساويا للرجل ويزيد عنه أحيانا فهي تعمل وتهتم بأسرتها وتربي أبنائها"، حسبما تضيف خضر.

وتشير أستاذ علم الاجتماع إلى أنه" في حال المرأة المعيلة، فالمرأة تمارس دور الزوج والزوجة معا".

وفي الوقت نفسه فهناك بعض المهام التي تقع "على عاتق الرجل وهو المسؤول عنها ولا تستطيع المرأة القيام بها"، حسبما تشدد أستاذ علم الاجتماع.

 

تمييز "مجتمعي" ضد النساء؟

تتحدث أستاذ علم الاجتماع، هالة منصور، عن "تفسيرات دينية وعادات وتقاليد بالية وثقافة مجتمعية مغلوطة تحض من مكانة المرأة وتضعها في مرتبة متدنية بعض الرجل".

ودائما ما تكون المرأة "الحلقة الأضعف" عند وجود ظروف اقتصادية "صعبة"، وفي البيئات الفقيرة فهي "المسؤولة عن تدبير شؤون المنزل، على الرغم من ضعف الحالة التعليمية والثقافية وانهيار الوضع الصحي لهؤلاء النساء"، وفق حديثها لموقع "الحرة".

وتؤدي تلك الأسباب مجتمعة إلى "تدهور أوضاع النساء في تلك المجتمعات"، حسبما تؤكد أستاذ علم الاجتماع.

وتوضح منصور أن "القوانين والتشريعات والأوضاع السياسية في غالبية الدول العربية لا تمييز بين المرأة والرجل"، ولذلك يوجد مساواة من الناحية "القانونية والإدارية والتنظيمية".

لكن "الثقافة المجتمعية والثقافية والتفسيرات الدينية المغلوطة والأوضاع الاقتصادية الصعبة (تعوق تحقيق المرأة المساواة مع الرجل)"، وفق منصور.

وتتفق معها، استشاري الصحة النفسية، إيمان ممتاز، التي تتحدث عن "قيود ثقافية ودينية" تؤثر على حقوق المرأة وتؤدي إلى "فجوة في التمثيل السياسي والاقتصادي".

وفي حديثها لموقع "الحرة"، تشير إلى "القيود على الحريات الشخصية للمرأة وانعدام الحماية القانونية الكافية للمرأة في بعض القضايا"، ما يتسبب في "تذييل الدول العربية مؤشرات المساواة بين الجنسين".

وتمثل النساء والفتيات نصف سكان العالم، وبالتالي نصف إمكاناته أيضا، ولكن عدم المساواة بين الجنسين لا يزال قائما في كل مكان ويؤدي إلى "ركود التقدم الاجتماعي"، حسبما تشدد ممتاز.

وترى أن "التقاليد والثقافة التي قد تفضل دور الرجل على حساب دور المرأة في المجتمع"، تلعب دورا كبيرا في إضعاف مؤشرات المساواة بين الجنسين في الدول العربية. 

وهذه التقاليد تشجع على "فصل أدوار الرجل والمرأة في المجتمع"، مما يؤدي إلى تقليل الأدوار النسائية في القرارات والفرص الاقتصادية والاجتماعية، ما يعزز "التميز ضد النساء"، وفق ممتاز.