ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال أو احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو
ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال أو احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو

"نعيش حالة من الخوف والقلق والتوتر، أولادي لا يجرؤون على النوم في المخيم، حالهم كحال باقي الشبان، يحملون بطانياتهم ليلا ويتوجهون إلى السهل غير مبالين بالأشواك التي تنخر أجسادهم والأفاعي والحيوانات التي يمكن أن تهاجمهم، فكل شيء أسهل لديهم من توقيف الجيش اللبناني لهم وتسليمهم للنظام السوري".. كلمات قالتها بحرقة اللاجئة السورية "أم أحمد".

لم تعد العنصرية التي ازدادت حدتها في الآونة الأخيرة الهمّ الأكبر للاجئين السوريين، بحسب "أم أحمد"، "فهذا الأمر اعتدنا عليه، لكن مداهمات الجيش اللبناني لمساكننا هي الرعب المستجد منذ شهر أبريل الماضي، فنحن على استعداد لتحمّل كل الظروف الصعبة التي نواجهها في لبنان على العودة إلى سوريا وما يترتب عن ذلك من اعتقال أبنائنا وإلزامهم بالخدمة في صفوف جيش النظام".

حتى الآن داهم الجيش اللبناني مخيم غزة في البقاع الغربي حيث تقيم "أم أحمد"، مرتين، وتشرح لموقع "الحرة" "عدا عن بكاء وصراخ الأطفال وإصابة بعضهم بإسهال نتيجة الرعب، رحّل الجيش عددا من الشبان منهم أربعة من أقاربي، أُجبر ثلاثة منهم على الخدمة العسكرية الإلزامية والرابع على الانضمام إلى صفوف الاحتياطي"، وتضيف "في النهار يخشى أولادي من مغادرة الخيمة وفي الليل يخشون أن يبيتوا فيها"!

في أبريل والأسابيع الأولى من مايو، نفذ الجيش اللبناني أكثر من 93 مداهمة، واعتقل ما لا يقل عن 2137 شخصا (بين المداهمات ونقاط التفتيش)، رحّل ما لا يقل عن 1473 لاجئا، وتضمنت هذه العمليات حالات انفصال عائلي، بما في ذلك حالات فصل قاصرين عن عائلاتهم.

الحملة الأخيرة ضد اللاجئين السوريين في لبنان جعلتهم في حيرة، فهم يخشون البقاء في مساكنهم من أن تتم مداهمتها وكذلك مغادرتها كي لا يتم توقيفهم على أحد الحواجز العسكرية.

العديد من الذين أعيدوا قسرا مسجّلون أو معروفون، بحسب منظمة العفو الدولية، لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وقال لاجئون للمنظمة إنهم لم يُمنحوا فرصة للتحدث إلى محام أو المفوضية، وحُرموا من الحق في الاعتراض على ترحيلهم والدفاع عن حقهم في الحماية، وإن الجيش اللبناني اقتاد المرحلين إلى الحدود وسلمهم مباشرة إلى السلطات السورية. بعضهم اعتُقلوا أو اختفوا بعد عودتهم إلى سوريا.

وأكدت 19 منظمة لبنانية ودولية من بينها "العفو الدولية"، مواصلتها توثيق الانتهاكات المروعة التي يرتكبها الجيش السوري وقوات الأمن ضد العائدين السوريين، بمن فيهم الأطفال، مثل الاحتجاز غير القانوني أو التعسفي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاغتصاب والعنف الجنسي، والإخفاء القسري.

"حصار" ثلاثي الأبعاد

قبل ثماني سنوات هربت "أم أحمد" من الحرب الدائرة في بلدها، دخلت وأبناؤها السبعة لبنان بصورة غير شرعية، كان كل همها ألا يجرفهم شلال الدم الذي ابتلع آلاف الأرواح، وجدت في خيمة مأوى لعائلتها، وتقول "حلمي كان بسيطا جدا وهو أن يكبر أطفالي بأمان وأن استند عليهم بعدما حضنتهم منذ طفولتهم وكنت لهم الأم والأب، لكن للأسف لم أذق طعم الأمن والأمان في لبنان، وكل يوم نحاصر بالتخويف والتجويع والذل أكثر".

توقف أبناء "أم أحمد" عن العمل خوفا من توقيفهم على أحد الحواجز العسكرية، لذلك "اضطررت إلى إرسال ابنتي ذات الـ 14 سنة وشقيقها الذي يصغرها بعامين إلى الحاويات لجمع الخردوات وبيعها، حيث يجنيان يوميا نحو مئتي ألف ليرة ما يعادل الدولارين، بالكاد تكفي لشراء الخبز، وفوق هذا يتعرضان كما بقية السوريين لعنصرية مقيتة، فلا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع عبارات (حلّوا عنا) و (يلي متوفر لكم ما متوفر للبنانيين)، رغم أننا لا نلمس سوى توفر الفئران والجرذان والحشرات التي لا تفارق خيمنا".

وتزامنا مع زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية السابق ميشال عون إلى دمشق، حذر المرصد السوري لحقوق الإنسان من التلاعب بملف اللاجئين ومن إمكانية الاتفاق على إعادتهم قسرا دون ضمانات دولية تضمن حقوقهم ولا تعرضهم للملاحقة الأمنية والتتبع القضائي لدى قضاء النظام بسبب معارضتهم، مشددا أنه "رغم أن العديد من المحافظات والمناطق السورية لم تشهد أي أعمال قتالية منذ سنوات، لازال البلد غير آمن من جميع النواحي لإعادة اللاجئين والفارين من الحرب سابقا ولازالت البنية التحتية مهترئة".

وأشار المرصد إلى صرخات الاستغاثة التي يوجهها اللاجئون عبره "جراء ما يتعرضون له من تنكيل وقمع وحملات عنصرية ومضايقات وترحيل قسري من قبل الجيش اللبناني وقوات الأمن اللبناني، حيث يمنعون من الخروج إلى الشوارع والتوجه للعمل، وسط معاناة كبيرة لهم".

وأكد المرصد تسليم المرحلين " لقوات تابعة للفرقة الرابعة على الحدود السورية – اللبنانية"، وتعرض الكثير منهم "للاعتقال فور وصولهم إلى سوريا"، حيث قال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لموقع "الحرة" "وثقنا في شهر أبريل اعتقال 49 مرحّلا وهذه العمليات مستمرة".

مشنقة "رسمية"

كما حال اللاجئين السوريين الذين لا يملكون إقامات شرعية في لبنان أو انتهى تاريخ صلاحيتها، يعيش محمد (اسم مستعار) حالة من الترقب، ويقول "أصبح البقاء في المنزل أو مغادرته مجازفة، وقد تفاجأت قبل أيام بعناصر من الجيش اللبناني يطرقون باب منزلي مساء، أطلعتهم بأني قدمت أوراقي وعائلتي للأمن العام لتجديد إقامتنا، عندها سجلوا أسماءنا والتقطوا صورا لنا قبل أن يغادروا، فعلوا الأمر ذاته مع جيراننا، ومنذ ذلك الحين لم يغمض لي جفن، إذ أتوقع عودتهم في أي لحظة لترحيلنا". 

ابن إدلب السورية توقف عن العمل خارج بلدة الغابون في قضاء عالية حيث يسكن، لتضاعف صعوبة تأمين حاجيات عائلته المؤلفة من خمسة أطفال الذين انضمت إليهم في شهر أبريل الطفلة رغد ذات الثماني أعوام، التي عادت حينها من مدرستها لتصعق بترحيل جميع أفراد عائلتها، ويقول محمد لموقع "الحرة"، "بعد ترحيله عاد والدها خلسة إلى لبنان عبر مهربين للاطمئنان عنها، ونتيجة تنقله بين منازل أقاربه خوفا من توقيفه مجددا أبقاها لدينا، كما أنها تتواصل مع والدتها وأشقائها عبر الهاتف، منتظرة تمكنهم من العودة إلى لبنان".

يشبّه محمد الحملة التي تشنها الحكومة والجيش اللبناني على اللاجئين بحبل "يشتد حول أعناقنا أكثر وأكثر، نحن نختنق بكل ما للكلمة من معنى ولا نعلم متى نلفظ آخر أنفاسنا، وقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها البقاء في لبنان أشبه بالموت وكذلك الأمر في حال عودتنا إلى سوريا كوني سأجبر على الخدمة الاحتياطية، وكل مطلبنا الآن أن نرحل إلى أي بقعة في العالم تعاملنا حكومتها وشعبها كأشخاص يحق لهم العيش بكرامة".

ما لا يقل عن 226 حالة اعتقال/ احتجاز تعسفي بينهم 6 أطفال و11 امرأة، وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهر مايو، وهو أعلى معدل للاعتقال في عام 2023 على يد قوات النظام السوري بحسب ما أشارت في تقرير أصدرته مطلع الشهر الجاري، لافتة إلى أنه "منذ بداية العام سجلت 863 حالة اعتقال تعسفي بينهم 40 طفلا و32 امرأة، تحول 706 منهم إلى مخفيّين قسريا"ً.

وأرجعت الشبكة أسباب ارتفاع حصيلة عمليات الاعتقال في مايو الماضي إلى استهداف اللاجئين الذين تم ترحيلهم من لبنان والمدنيين على خلفية قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، مشيرة في تقريرها إلى أن كافة مراسيم العفو أفرجت عن 7351 معتقلا تعسفيا وما زال لدى النظام السوري قرابة 135253 معتقلا/مختفٍ قسريا. 

سجون من نوع آخر

طالت المداهمات منزل حسين (اسم مستعار) حيث أوقف الجيش اللبناني في شهر أبريل ثلاثة من أبنائه أحدهم قاصر لانتهاء تاريخ صلاحية إقامتهم، إلا أنهم كما يؤكد تمكنوا من العودة إلى لبنان، ويشرح "أطلعوني أنه لم يعبروا الحدود عند المصنع، بل سلمهم الجيش اللبناني إلى الجيش السوري في منطقة حدودية، حيث تم توقيفهم لمدة ستة أيام، وقبل أن يطلق سراحهم طلب من كل شاب بلغ الـ 19 سنة وما فوق مراجعة شعبة التجنيد في محافظته خلال مهلة عشرة أيام لأداء الخدمة الإلزامية". 

خلال المهلة التي منحت لهم استطاع أولاد حسين من الدخول خلسة إلى لبنان عبر مهربين، مقابل 800 دولار إستدانها والدهم، ويقول لموقع "الحرة"، "بعد الذي حصل يلازم أولادي المنزل متأهبين للهروب في حال سماعهم صوت آليات الجيش اللبناني، فهم يخشون الخروج وتوقيفهم من دون أن أعلم مصيرهم، وهذه المرة لن يسلموا إذا ما رحلوا من جديد".

وكان 75 لاجئا من المرحلين كشفوا لمركز "وصول" لحقوق الإنسان أن السلطات السورية أعادت تسليمهم إلى مهربين متواجدين عند الحدود اللبنانية بعد التفاوض معهم لإعادتهم إلى لبنان لقاء مبالغ مالية تتراوح بين 150 و300 دولار أميركي للفرد الواحد، بينما وصلت المبالغ المالية إلى نحو 3000 دولار للأفراد الذين يواجهون مخاطر أمنية مباشرة في سوريا، وأكد 51 لاجئا منهم أن الجيش اللبناني قام بتسليمهم إلى السلطات السورية بشكل مباشر. 

 يتساءل حسين "أي حياة هذه التي تحولت فيها منازلنا إلى سجون، أولادي مكبلون لا يمكنهم العمل، فحتى لو احتاجوا إلى طبيب يفضلون تحمّل الألم على مجازفة التنقل".    

لاحظت فرق منظمة "أطباء بلا حدود" تغيّب بعض المرضى عن مواعيدهم، ويعود ذلك بحسب ما وردها إلى خوفهم من الترحيل أثناء مرورهم بنقاط التفتيش للوصول إلى المرافق الصحية، حيث أشارت في تقرير إلى العوائق المتزايدة التي "تصعّب حصول اللاجئين على الخدمات الطبية الضرورية".

أدى التطبيق الأخير والصارم للسياسات والقيود القانونية التي تعنى باللاجئين في لبنان إلى مصادرة سيارات والدراجات النارية للكثيرين منهم، بحسب المنظمة الدولية، "علما أنها غالبا ما تكون وسيلتهم الوحيدة للتنقل بأسعار معقولة، بعدما تسببت الأزمة الاقتصادية بارتفاع كبير في تكلفة سيارات الأجرة والنقل العام".

ولفت رئيس بعثة أطباء بلا حدود في لبنان، الدكتور مارسيلو فرنانديز، إلى أن مريضا رفض إحالته إلى المستشفى رغم حاجته الملحة إلى الرعاية الطبية، و"يعود ذلك بشكل خاص إلى خوفه من الترحيل، لا سيما أنه غير مسجل"، مشددا "لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. ولا يجوز تطبيق أي إجراء على حساب صحة الناس. لا بد من أن تتمتع جميع الفئات المهمشة بالقدرة نفسها على الوصول إلى الرعاية الصحية في الوقت المناسب، بغض النظر عن خلفيتهم أو وضعهم".

بين الإصرار والإجحاف

أكد المدير السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، العام الماضي، وجود مليونين و80 الف سوري على الأراضي اللبنانية، منهم 805,326 مسجلا لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي كشفت الجولة الثامنة من استطلاع الرأي الذي أجرته في كل مصر والأردن ولبنان، حول رغبة اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم، أن  93.5في المئة لا نية لديهم للعودة إلى بلدهم خلال الاثني عشرة شهرا القادمة، في حين أكد 1.1 في المئة نيتهم ذلك، أما الـ 5.4 في المئة المتبقية فلم يحسموا قرارهم بعد.

وأكد 51.3 من اللاجئين أنهم لا يأملون العودة إلى سوريا في غضون خمس سنوات، على عكس 25.2 في المئة من المستطلعة آرائهم، في حين لم يحسم 23.6 في المئة قرارهم، لا بل 43.5 لا يأملون العودة إلى سوريا في يوم من الأيام، مقابل 40.6 في المئة يأملون ذلك وعدم حسم 15.8 في المئة قرارهم.

وعن الأمل العام في العودة، (يشمل المشاركين الذين ينوون العودة إلى سوريا في غضون الاثني عشر شهرا القادمة، والذين يأملون العودة في غضون خمس سنوات وكذلك الذين يأملون العودة يوما ما)، كشف الاستطلاع أن 56 في المئة يأملون العودة، شرط توافر فرص العمل، حيث تقدم العامل الاقتصادي على الوضع الأمني الذي حل في المرتبة الثانية.

وبغض النظر عن آراء اللاجئين، أصدرت الحكومة اللبنانية الشهر الماضي قرار التشدد في ملاحقة المخالفين منهم والبحث في إمكانية تسليم الموقوفين والمحكومين لنظام بلدهم، وأعلنت المديرية العامة للأمن العام اللبناني استئناف عمليات العودة الطوعية، مشيرة إلى أنه يمكن للراغبين بذلك البدء تقديم الطلبات في المراكز المخصصة لهذه الغاية على كافة الأراضي اللبنانية، و"سيصار الى تسوية أوضاعهم مجانا فور المغادرة".

أما وزير الداخلية بسام مولوي فأشار إلى أن ما تقوم به القوى الأمنية في هذا الملف "ليس تعرضاً لحقوق الإنسان، إنما هو حفاظ على مصلحة الدولة والنظام العام"، في حين اعتبر وزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار أن عودة اللاجئين باتت "قضية حياة وموت"، محذرا من تغييرات ديموغرافية خطيرة، قائلا "سنصبح لاجئين في بلدنا".

وأمس الأربعاء التقى رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي وزير المهجرين عصام شرف الدين الذي أكد أن هدف اللقاء التنسيق وزيادة بنود جديدة على ورقة التفاهم القديمة التي ستطرح خلال زيارته التحضيرية إلى سوريا الأسبوع المقبل.

وقبل أيام صرّح ميقاتي بأن الحكومة اللبنانية بصدد تشكيل لجنة وزارية للذهاب إلى دمشق لبحث هذا الملف، مشيرا إلى وجود خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى لحله، لافتا إلى أن "الموضوع غير موجه ضد جنسية محددة، ولا يمكن اتهامنا بالعنصرية، كل ما نريده ممارسة حقنا في السيادة على كامل أرضنا، ومن هنا يأتي القرار بترحيل أي أجنبي لا يمتلك الوثائق القانونية اللازمة لإقامته في بلدنا".

في المقابل، دعت 19 منظمة دولية من بينها منظمة العفو الدولية، إلى "وقف ترحيل اللاجئين السوريين بموجب إجراءات موجزة"، كما دعا المرصد السوري لحقوق الإنسان المجتمع الدولي لمواصلة مساندة الشعب السوري ودعم اللاجئين بتوفير المناخ الآمن للعودة الطوعية لا العودة القسرية الإجبارية حتى لا تتعرض حياتهم للخطر، مشددا أن لا حل لهذا الملف دون حل سوري شامل، و"ما دون ذلك هو اجحاف بحق المهجّرين بفعل العمليات العسكرية".

مواضيع ذات صلة:

نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية
نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية

غادرت 200 عائلة أيزيدية، أمس الجمعة، مخيمات النازحين في كردستان العراق باتجاه سنجار، خوفا من "خطابات كراهية" أطلقها متطرفون مسلمون على خلفية حديث مصور لقائد قوات سنجار قاسم ششو، فُسّر لاحقاً على أنه إساءة للرسول المسلم محمد.

وشهدت صفحات التواصل الاجتماعي انتشار "خطابات كراهية" ضد الأيزيديين شملت تهديدات بشن هجمات عليهم والثأر منهم عقب خطاب ششو الذي ألقاه في سنجار، بتاريخ الثالث من أغسطس الجاري، الموافق إحياء الذكرى العاشرة للإبادة الجماعية التي تعرضت لها الأقلية الدينية في شمال العراق على يد تنظيم داعش الإرهابي.

ورغم استباب الأوضاع الأمنية في مدن إقليم كردستان التي تحتضن 15 مخيما للنازحين الأيزيديين، إلا أن الأيزيديين عاشوا خلال اليومين الماضيين حالة من الخوف والهلع والارتباك، إثر التهديدات وخطابات الكراهية التي تعرضوا لها، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم إلى ترك المخيمات.

يقول عبد العزيز يونس، مدير جمعية "التحرير" للتنمية وهي منظمة محلية عراقية، إن "أعداداً كبيرة غادرت من مخيمات قاديا وباجد كندالا وجمشكو في محافظة دهوك وإدارة زاخو".

ويبين لـ"ارفع صوتك": "وفق التقرير الذي تلقيناه من إحدى المنظمات الميدانية الشريكة لنا، ساد مناخ من الخوف والرعب بين الناس في المخيمات إثر خطابات الكراهية التي استهدفت المجتمع الأيزيدي، وأسفرت عن فرار أكثر من 700 عائلة من المخيمات باتجاه سنجار".

لكن مسؤولا في مكتب الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك، الذي يشرف على إدارة مخيمات النزوح، نفى هروب 700 عائلة من المخيمات وعودتها الى سنجار.

وأوضح لـ"ارفع صوتك" مفضلا عدم الكشف عن اسمه، "تركت نحو 200 عائلة ايزيدية مخيمات النازحين في دهوك وزاخو وعادت الى سنجار، هذه العائلات كانت لديها تخوف من تعرض المخيمات للهجوم من قبل المسلمين بعد انتهاء صلاة الجمعة، وهذا لم يحدث، لكن اطراف سياسية كانت تقف خلف انتشار هذه الاخبار وتأجيج الاحداث"، لافتا الى أن موجة النزوح توقفت حاليا والأوضاع في المخيمات مستقرة.

من جانبه نفى المركز المشترك لتنسيق الأزمات التابع لوزارة الداخلية في حكومة اقليم كردستان عودة النازحين من المخيمات في زاخو إلى سنجار بداعي الخوف.

وقال المركز في بيان "رداً على الشائعات والأخبار الكاذبة التي تداولها عدد من وسائل الإعلام عن عودة النازحين من مخيم في إدارة زاخو المستقلة بدعوى الخوف إلى أماكنهم في سنجار، نؤكد أن هذه الشائعات لا أساس لها من الصحة".

وأضاف "نؤكد لجميع سكان المخيمات أن إقليم كردستان سيظل دائما مركزا للتعايش وقبول الآخر، وسيبقى حضنه مفتوحاً للنازحين دائماً، حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم طوعاً وبكرامة".

واتخذت القوات الأمنية في محافظة دهوك وإدارة زاخو تدابير أمنية مشددة حول مخيمات الأيزيديين، الجمعة، ونشرت العديد من الدوريات بهدف توفير حماية مضاعفة لها، تجنباً لحدوث أي هجمات مسلحة قد تطالها.

تزامنت الإجراءات الأمنية مع إجراءات حكومية أخرى عبر توجيه أئمة المساجد وخطبائها رسائل تهدئة إلى المسلمين في الإقليم والعراق، والإعلان عن تحريم التحريض بحق الأيزديين.

جلال علي بركات، نازح أيزيدي يعيش في مخيم جمشكو الواقع في إدارة زاخو، يؤكد لـ"ارفع صوتك" أن ما عاشه النازحون خلال الأيام الماضية من حالة ارتباك كان سببه "كثافة التهديدات التي تعرضوا لها".

يوضح "حاولت تهدئة جيراني في المخيم وإقناعهم بعدم العودة، لكن الخوف من تنفيذ المتطرفين لتهديداتهم كان سيد الموقف والسبب الأبرز الذي دفع عددا من النازحين إلى ترك المخيم والعودة إلى سنجار".

ويشير بركات إلى أن مخاوف الأيزيديين أساسها "خطابات الكراهية والجماعات المتطرفة التي تتحدث باسم الدين والدين منها براء" بحسب تعبيره.

ويتابع أن "الأيزيديين يعتزون ويحترمون جميع الديانات لأن شريعتهم تؤكد على احترام الإنسانية".

ويمنع الدمار ونقص الخدمات الرئيسية والصراعات السياسية والاستقرار الهش في سنجار النازحين من العودة إليها، رغم مرور نحو 9 سنوات على تحريرها من داعش، ولا يزال 60% من سكانها نازحين في إقليم كردستان.

في السياق نفسه، يرى الناشط الأيزيدي فيصل علي، الذي يعيش في أحد مخيمات زاخو، أن "الدمار ونقص الخدمات وضعف الأحوال المعيشية كانت تمنع العائلات النازحة من العودة إلى سنجار في ما مضى، لكن الخوف الذي عاشته خلال اليومين الماضيين دفعها إلى ترك المخيم واختيار العودة رغم صعوبة ظروفها".

ويستدرك "لم نشهد أي خطوات ضدنا على الأرض ولم نرَ من أهالي قضاء زاخو الذي يحتضن عددا من مخيماتنا سوى الخير والمواقف الجيدة"، مشيرا الى أن عملية العودة الاضطرارية توقفت حالياً بشكل مؤقت.