"بطاقة هويّة رسمت مجرى حياتي، حرمتني من طفولتي وإكمال تعليمي، فبسببها أجبرت على الزواج بوالد لسبعة أبناء يكبرني بـ 28 سنة، وبعد مرور كل هذه السنوات لا زلت أعاني، لا بل ورث أولادي ذات المأساة، فقد فرض عليهم كذلك أن يكونوا مكتومي القيد في دولة تضع سلطتها السياسية كل العراقيل لحرماننا من حقنا بالحصول على جنسيتنا اللبنانية"... كلمات قالتها بحرقة سناء (اسم مستعار).
ولدت سناء لوالدين مكتومي القيد، لم تدرك انعكاس ذلك عليها إلا حين تقدم رجل للزواج بها وهي في عمر الـ 15 سنة، فعندما رفضت الارتباط به لرغبتها في إكمال تعليمها تفاجأت بموقف والدتها وعباراتها الجارحة، حيث قالت لها حينها "لا تعتقدي أنك ستتمكنين من التسجيل في الجامعة أو الحصول على وظيفة في المستقبل وذلك لأنك لا تمتلكين بطاقة هوية، كما أن فرصك في الارتباط محدودة، إذ لن يقبل الزواج بك سوى مكتوم القيد مثلك".
وتناثرت أحلام سناء مع كل حرف نطقت به والدتها، وتقول لموقع "الحرة" "كانت لحظات مصيرية أيقظتني على واقع تزداد مرارته كل يوم".
من مقاعد الدراسة إلى بيت زوجية فيه زوجة وسبعة أولاد أكبرهم تصغرها بأربع سنوات، وجدت سناء نفسها مجبرة على تحمل مسؤوليات تفوق سنّها، وتقول "كان ثوب التعاسة وليس الفرح، واجهت مشاكل عدة مع الزوجة الأولى وأسرته، وها أنا أواجه مع أولادي الستة (أصغرهم تبلغ من العمر ثلاث سنوات) مشاكل من نوع آخر".
سبق أن قدّم والد سناء (38 سنة) الوثائق المطلوبة لكي يستفيد وعائلته من مرسوم التجنيس الصادر في العام 1994، ليتفاجأ بأن غالبية أقاربه حصلوا على الجنسية اللبنانية وبأن ملفه "سقط سهواً"، وتقول "في الوقت الذي ننتظر فيه أن تضع السلطة السياسية حداً لمعاناتنا، صدمت باقتراح القانون الذي تناقشه لجنة الإدارة والعدل النيابية، والرامي إلى عدم إعطاء الجنسية اللبنانية لمكتومي القيد مواليد 2011 وما بعد.
وتقول "ألا يكفي الآلام التي تجرعناها، ما الذنب الذي ارتكبه أطفالنا حتى يكرّس بقانون حرمانهم من جنسية بلدهم، أي سلطة هذه التي لا تراعي أبسط حقوق الإنسان، فبدلاً من إيجاد حل لمشكلتنا تضيّق الخناق أكثر علينا وعلى أولادنا".
وكانت اللجنة النيابية أرجأت قبل أيام البت باقتراح القانون الذي سبق أن تقدم به النائب، جورج عطا الله، في العام 2021، حيث ربط مكتبه الإعلامي حينها بينه وبين الأزمة السورية، مبرراً طرحه بـ "توقيف العديد من المخاتير الذين يبيعون شهادات مكتومي قيد لمواليد النازحين السوريين".
"جهل واستخفاف"
"نحن مجرد أسماء في هذه الحياة، وقانوناً لم نولد بعد" بحسب ما تصف سناء مضيفة "أولادي لا يمكنهم إكمال تعليمهم، مدارس البلدة وافقت على تسجيلهم استناداً على إفادة تعريف من المختار، إلا أنه لا توجد جامعة تقبل بذلك، كما أنه لا يمكنهم العثور على وظيفة، فأي شركة أو صاحب عمل سيرضى بموظف لا يملك بطاقة هوية؟.. لذلك لا مدخول مادي لدينا، لاسيما وأن زوجي توقف عن العمل منذ سنوات".
الوضع ازداد سوءا منذ الأزمة الاقتصادية، بحسب ابنة عكار شمال لبنان، مشددة على أنه "أصبح كل ما نتمناه تأمين ربطة خبز كي لا نمضي يومنا جياع، طرقت باب وزارة الشؤون الاجتماعية علّها تشملنا أي من المساعدات التي تقدمها لكن من دون نتيجة، كذلك وزارة الصحة ترفض تغطية استشفائنا، فإذا مرض أحدنا علينا أن نشحذ المال له لدفع فاتورته الاستشفائية".
تضع سناء اللوم على والدها الذي لم يتابع قضية تجنيسهم، قائلة "بسبب إهماله نحن منبوذون من وطننا" متمنية "لو أن نواب الأمة الذين يريدون حرمان أبنائنا من الجنسية بحجة اللاجئين السوريين يعلمون أننا نحسد هؤلاء كونهم يمتلكون بطاقة هوية".
ويتوزع مكتومو القيد في لبنان على ثلاث فئات، بحسب رئيس جمعية "جنسيتي كرامتي"، مصطفى الشعار، ويشرح لموقع "الحرة" "الفئة الأولى تشمل مكتومي القيد المولودين لأبوين لبنانيين، هؤلاء يحق لهم الحصول على الجنسية اللبنانية في أي زمان، أما الفئة الثانية فتشمل مكتومي القيد ضمن الجنسية الأجنبية من أم لبنانية، والفئة الثالثة تشمل عديمي الجنسية وهم من أغفل تسجيلهم في إحصاء عام 1932، من هؤلاء من حصل في ستينيات القرن الماضي على بطاقات قيد الدرس من الأمن العام من دون أن يغيّر ذلك من وضعهم القانوني".
يؤكد الشعار أن "لا إحصاءات لعدد مكتومي القيد في لبنان، وإن كان يقدّر بما يزيد عن الـ 80 ألفاً، هؤلاء محرومون من مواطنيتهم بسبب تعنت السلطة السياسية الذي يتخذ صوراً عدة آخرها اقتراح قانون عطا الله".
لكن الهدف من اقتراح القانون كما تشرح عضو لجنة الإدارة والعدل، النائبة غادة أيوب، هو "الحؤول دون استفادة النازحين السوريين غير المسجلين في سفارة بلدهم ولدى مفوضية شؤون اللاجئين، من أي مرسوم تجنيس يصدر في المستقبل بالاستناد إلى إفادة يحصلون عليها خلافاً للقانون من مخاتير تشير إلى أنهم مكتومو قيد، مع العلم أن صفة مكتوم القيد لا تعطى إلا لرعايا البلد"، لافتة إلى أن "ولادات النازحين تزايدت بشكل كبير حتى باتت تشكل ما نسبته 52% من إجمالي الولادات على الأراضي اللبنانية".
وتشدد أيوب في حديث لموقع "الحرة" على أن "من يحق له الحصول على الجنسية اللبنانية من مكتومي القيد يجب أن يكون من أب لبناني، على أن يتم إثبات رابطة الدم أمام المحكمة من خلال فحص الحمض النووي، أو عبر إجراء إداري نبحث في كيفية تفعيله لكي يعتمد كذلك على هذا الفحص".
من جانبه، يرى الشعار أن اقتراح القانون هذا لا يميز بين مكتوم القيد اللبناني والسوري "منا يعني أن السلطة لا تبالي بحرمان أطفال من حقهم بالجنسية اللبنانية بحجة وضع حد لتحايل اللاجئين على القانون، وهذا ليس بجديد على المسؤولين اللبنانيين الذين اعتدنا منهم معالجة الملفات المصيرية باستخفاف" ويضيف "كان على أعضاء اللجنة استشارة أهل المعرفة، وكجمعية نتابع هذه القضية منذ سنوات طويلة، وقد توقعنا دعوتنا لجلسات النقاش لإيضاح كل التفاصيل المرتبطة بها".
عثرة غير منطقية
بعد أن يبصر طفل النور في لبنان، سواء كان لبنانيا أو من اللاجئين، على والده كما يقول رئيس رابطة مخاتير عكار، مختار ببنين، زاهر الكسّار، "التوجه إلى مختار البلدة للحصول على وثيقة ولادة له تتضمن معلومات عنه، مثل اسم الأم والأب وجنسه وتاريخ ولادته، ومن ثم التوجه إلى الطبيب الذي أجرى عملية الولادة ليوقّع عليها، أو وزارة الصحة إذا ما كانت قابلة قانونية هي من أقدمت على ذلك، ليعود ويصادق عليها المختار بعد ذلك".
الحصول على وثيقة ولادة لا يعني أن الطفل أصبح مسجلاً في الدوائر الرسمية اللبنانية كما يشدد الكسّار لموقع "الحرة"، إذ "لا بد من تنفيذها في دائرة النفوس، ونتيجة جهل بعض الأهالي لكيفية إنجاز المعاملة أو إهمالهم، يصبح صغيرهم من مكتومي القيد بمجرد بلوغه العام، عندها لا يمكن تسجيله إلا بحكم محكمة بالاستناد إلى فحص الحمض النووي، وكون هذه العملية مكلفة يبقى معظم هؤلاء الأطفال من دون هوية".
ينظم القرار رقم 15، الصادر عام 1925، والمعدل بقانون في عام 1960، موضوع الجنسية اللبنانية، وهو يحصر رابطة الدم بالأب، حيث تنص المادة الأولى منه على أنه يعد لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني.
هدف السلطة كما يرى الشعار "وضع عثرة جديدة في طريق اللاجئين الأطفال الذين تجاوز عمرهم السنة من دون أن يستحصل أهلهم على وثيقة ولادة لهم أو لم ينفذوها في دوائر النفوس اللبنانية، إذ يفرض عليهم كما مكتومي القيد اللبنانيين اللجوء إلى المحاكم اللبنانية، وما يستتبع ذلك من كلفة باهظة تصل إلى ثلاثة آلاف دولار، عدا عن أن حكم المحكمة يستغرق وقتاً يصل إلى 3 سنوات وأكثر، وذلك بدلاً من تسهيل حصولهم على أوراق رسمية من لبنان كي يتمكنوا من تسجيل أولادهم في الدوائر الرسمية السورية".
لا تخفي أيوب أن اقتراح القانون لا يخلو من إجحاف بحق مكتومي القيد اللبنانيين، وتقول "لأن استثناءهم بقانون قد يعتبر تعديّاً على صلاحية رئيس الجمهورية الأساسية ألا وهي منح الجنسية، كان لا بد من إعادة صياغة هذا الاقتراح بما يحفظ صلاحيات رئيس الجمهورية مع تشديد الإجراءات الإدارية من خلال إدراج نص يشير إلى أنه لا يمكن التثبت من مكتوم القيد إلا عبر فحص الحمض النووي".
لكن اللاجئ السوري يسارع بحسب مختار وادي خالد، مروان الوريدي، "للحصول على وثيقة ولادة لطفله لينفذها في دائرة النفوس كي يتمكن من تسجيله لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بهدف الاستفادة من المساعدات النقدية والعينية، وذلك على عكس ما يروج له البعض بأن هدفه تسجيله كمكتوم قيد ليتم تجنيسه فيما بعد، إذ ما الفائدة التي سيجنيها من ذلك".
كما أن تصحيح وضع مكتوم القيد اللبناني يتطلب بحسب ما يقوله الوريدي لموقع "الحرة" حكماً من المحكمة استناداً إلى فحص الحمض النووي، "فكيف سيتحايل اللاجئ في ظل الاستناد على نتيجة هذا الفحص، بالتالي من غير المنطقي أن يكون الهدف من هذا الاقتراح منع حصول مكتومي القيد السوريين على جنسية لبنانية".
تحذير من عواقب "الترقيع"
لم تكتمل فرحة، عبد الكريم العلي، بحصوله وزوجته وثلاثة من أبنائه على الجنسية اللبنانية بناء على مرسوم التجنيس الصادر في العام 1994، وذلك بعدما تفاجأ أن أسماء بقية أولاده (فتاتان وشاب) سقطت سهواً، ومن ذلك الحين وهو يحاول تصحيح وضعهم من دون نتيجة، ويقول "من يصدّق أن أولادي منقسمون بين من يحمل الجنسية اللبنانية ومن هم مكتومو القيد، وعود عدة تلقيناها من مرشحين للانتخابات النيابية بإيلاء ملفنا أهمية عند وصولهم إلى مجلس النواب، لكن بقيت وعودهم أقوال من دون أفعال".
اقتراح قانون "عطا الله" يحرم حفيد عبد الكريم البالغ من العمر سنة من حقه بالجنسية، بعدما حرم والده محمد منها، ويؤكد الجدّ "أي منطق هذا، فبدلاً من تصحيح الخطأ وإعطاء الناس حقوقها يريدون تكريس المعاناة، كونهم لم يذوقوا وأولادهم من ذات الكأس، لم يمرّوا على حاجز ويتم توقيفهم لساعات للتدقيق بإفادة المختار، ولم يحرموا من إكمال تعليمهم والحصول على وظيفة ورخصة قيادة، لم يمنعوا من التملك والإدلاء بصوتهم في الانتخابات، والأهم لم يشعروا بأنهم مهمّشون في بلدهم وبأنه لا وجود قانوني لهم".
يميّز الوريدي بين "مُهمل القيد" و"مكتوم القيد" شارحاً "الفئة الأولى تشمل من أهمل والدهم تسجيلهم، هؤلاء يمكنهم أن يستحصلوا على هوية بحكم من المحكمة، أما الفئة الثانية فتشمل العائلات التي لم يرد اسمها في مرسوم التجنيس في العام 1994 أو أفراداً منها، وذلك نتيجة استهتار المسؤولين اللبنانيين القيمين على ذلك، حيث نجد ضمن البيت الواحد من حصل على بطاقة هوية ومن بقي مكتوم القيد، ولأن القانون اللبناني ينص على أن الطفل يأخذ جنسية والده عند الولادة، بالتالي هم بحاجة إلى مرسوم جديد لتجنيسهم".
وتعليقاً على مرسوم التجنيس الصادر في العام 1994 قال الشعار "كان عبارة عن محاصصة سياسية لذلك لم تتم دراسة ملفات المتقدمين للاستفادة منه، من هنا نجد عائلات حرم قسم من أبنائها من الجنسية، وأشخاص لم تطأ قدمهم لبنان منحت لهم من دون وجه حق، ولأسباب سياسية معروفة لا يجرؤ أحد على سحبها منهم".
المشكلة ككرة الثلج تكبر يوماً بعد يوم وهي تطال كل الطوائف، ففي وادي خالد يقول الوريدي "نحو 50 عائلة مكتومة القيد، والعدد إلى ارتفاع مع كل زواج جديد وإنجاب أطفال، من هنا كان الأولى بالنواب بدلاً من اقتراح قوانين ترقيعية، إقرار قانون لتجنيسهم ينص على شروط محددة من تتوفر فيهم ينالون الجنسية، وذلك لوضع حد لمأساة جماعية مستمرة منذ عشرات السنوات".
وسبق أن أكد عضو تكتل "الاعتدال الوطني" النائب، محمد سليمان، أنه سيتصدى مع زملائه من النواب لأي مرسوم تجنيس لا يصحح أوضاع مكتومي القيد الذين سقطت أسماؤهم من مرسوم التجنيس في العام 1994 وما تلاه من مراسيم تجنيس أخرى، كونهم أصحاب حق، مضيفاً في بيان، في يونيو الماضي، أن "هؤلاء الأشخاص هم لبنانيون أباً عن جد وقد لحقهم ظلم من قبل السلطات المتعاقبة قبل تصحيح أوضاعهم نسبياً في المرسوم المذكور".
حاولت جمعية "جنسيتي كرامتي" التواصل مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، لبحث القضية من دون أن يحدد لها موعداً إلى حد الآن، على عكس السفارة السورية كما يقول الشعار التي "سارعت وأبدت استعدادها لتسجيل اللاجئين السوريين إدارياً، أي بدون اللجوء إلى المحاكم، شرط أن يكون لديهم ورقة رسمية من السلطة اللبنانية تثبت أنهم ولدوا في لبنان، لكن بدلاً من ذلك يبتكر نوابنا عقبات جديدة في وجه مكتومي القيد السوريين واللبنانيين على حد سواء من دون أن يدركوا عواقب ذلك".
ما تبحثه لجنة الإدارة والعدل فيما خصّ اللاجئين السوريين لا يقتصر على اقتراح القانون هذا، بل بحسب أيوب "نبحث في مواضيع عدة تتمحور حول كيفية تنظيم النزوح السوري والمواكبة التشريعية لتأمين عودتهم إلى بلادهم، وكذلك التمييز بين النازح الذي يستفيد من المساعدات وبالتالي يُمنع عليه العمل في لبنان، وبين السوري الذي يعمل في لبنان وعليه الاستحصال على إقامة".
وتشدد "انتفت صفة النزوح عن عدد كبير من السوريين، من ضمنهم من يتنقلون بين لبنان وسوريا ومن انتخب نظامها، أما المعارضون فغادروا لبنان وإن بقي منهم فعدد قليل، والنسبة الأكبر من النازحين الذين يرفضون العودة هم من الشباب الذين لا يريدون أن يؤدوا الخدمة الإجبارية، في حين يجد البعض الآخر في بلدنا فرصة للعمل والحصول على مساعدات بالدولار والتعلم والطبابة، أي أننا أصبحنا أمام نزوح اقتصادي وليس إجبارياً نتيجة الحرب في سوريا، مع ما ينتج عن ذلك من عبء كبير على بلدنا".
محاولات السلطة اللبنانية التضييق على اللاجئين لا يجب أن يدفع ثمنها اللبناني، كما يشير الكسّار "إذ من الظلم حرمان مكتومي القيد اللبنانيين من الجنسية، وعلى وزارتي الداخلية والشؤون الاجتماعية التعاون مع الجمعيات المعنية بهذه القضية بهدف إجراء مسح شامل لكشف عددهم وتوكيل محامين لمتابعة قضيتهم لإخراجهم من النفق المظلم الذي يقضي على حاضرهم ومستقبلهم".
