Activists from the Lesbian, Gay, Bisexual, and Transgender  (LGBT) community in Lebanon shout slogans and hold up a rainbow…
لا يزال لبنان يجرم المثلية الجنسية استنادا للمادة 534 من قانون العقوبات

قبل 3 سنوات راود ليا حلمٌ بالسير قريباً في شوارع مدينة بيروت، معلنةً على الملأ هويتها الجندرية كامرأة عابرة.

كان ذلك في خضم الانتفاضة الشعبية التي شهدها لبنان بين عامي 2019 و2020، وتخللها خروج غير مسبوق لمجتمع "الميم عين" إلى الواجهة، ليعبّر عن وجوده ويطالب بحقوقه. 

"اختفت الألوان التي كانت تصنف الناس، شعرنا كلنا بالانتماء لشيء أكبر، وبالفعل راودني حلم أن أمارس حياتي الطبيعية في بيروت، أخرج بالشكل الذي أريده، أعبر عن نفسي وتوجهي بأريحية، حلمت حتى أن تشهد السنوات اللاحقة فرصة لإحياء مناسبات كشهر الفخر في بيروت وأن نكون أكثر حضورا وفعالية في المجتمع وأن نصل إلى التغيير المنشود"، تضيف ليا، وهي ناشطة حقوقية على صعيد القضايا المتعلقة بمجتمع "الميم عين" في لبنان. 

في ذلك الوقت، عام 2020 وعلى هامش الحراك الشعبي الذي شهده لبنان، سارت مسيرة ترفع أعلام قوس قزح، ضمت مئات المشاركين في الشوارع القديمة لبيروت وصولاً إلى وسطها، نادت بحقوق المثليين/ات والعابرين/ات جنسيا وجندرياً، وكانت أشبه بإعلان وجود صريح لهذه الفئات المهمشة في المجتمع اللبناني.

إلى حد وصفت بكونها "أول مسيرة فخر للمثليين" تشهدها دولة عربية. الأمر الذي ضاعف وقتها، آمال أفراد مجتمع "الميم عين" في لبنان بمستقبل أكثر تحرراً. 

لكن الواقع اليوم أن بيروت، تغيب للعام الثاني على التوالي عن أي فعاليات أو أنشطة علنية تتعلق بشهر الفخر لمجتمع "الميم عين"، الذي عاد أفراده ليختبئوا في الغرف المغلقة مجدداً، يقيمون تجمعات ولقاءات بعيداً عن الأضواء والأنظار، خوفاً من قمع السلطات الأمنية وهجمات المجموعات الدينية المتشددة، في ظل تصاعد لخطاب الكراهية في وجه هذه الفئات. 

"اليوم مع الأسف ما عاد هذا الحلم موجودا في المدى المنظور"، تقول ليا في حديثها لموقع "الحرة"، معبّرة عن خيبة أمل كبيرة مما وصلت إليه الأمور، "نعيش في لبنان اليوم واقعا مناقضا تماماً لمفهوم شهر الفخر الذي يعيشه العالم".

خوف مستمر

ولا يزال لبنان يجرم المثلية الجنسية، حيث تستند السلطات اللبنانية إلى المادة 534 من قانون العقوبات التي تنص على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة" وذلك من دون تحديد مفهوم الطبيعة وما يعدّ مخالفاً له. 

هذا المفهوم الفضفاض اعتمد عليه العديد من القضاة في لبنان، في إصدار أحكامهم لتبرئة مثليين من التجريم، عبر عدم اعترافهم بأن العلاقات الجنسية المثلية تمثل "مخالفة للطبيعة"، وهو ما اعتبر انتصارات صغيرة لمجتمع "الميم عين" في لبنان، دون أن تبدل وضعهم القانوني بصورة جذرية في البلاد.

تتابع ليا الفعاليات والاحتفالات العالمية في شهر الفخر عبر مواقع التواصل، "أرى ما يفعله أصدقائي وما يعيشونه في العديد من الدول الأوروبية والغربية. يحتفلون ويقضون أوقاتا ممتعة، يفتخرون بهوياتهم وميولهم دون أن يعيقهم ذلك، وسط أجواء دعم ومناصرة اجتماعية، بينما أعيش هنا في قلق وخوف مستمرين." 

وتضيف "نختبئ أكثر فأكثر، ونحضر أنفسنا للأسوأ، للاعتداءات والحملات وخطاب الكراهية، الذي يتصاعد أكثر في هذا الشهر تحديداً، باتوا يترصدوننا، يتابعون التواريخ، ينتظرون حلول المناسبات لكي ينفذوا تهديداتهم على الأرض ويشنوا حملاتهم على مواقع التواصل وفي الإعلام، حولوا شهر الفخر إلى شهر رعب، يخوفون الناس منه."

حتى النشاطات الترفيهية التي عادة ما كانت تشهدها حانات وأماكن "صديقة لمجتمع الميم عين" في بيروت، باتت تحصل بالخفاء أكثر، وبهامش حرية أضيق، بحسب ليا، التي ترى أن "لبنان يتغنى شكلياً في محيطه من الدول، بأنه الأكثر انفتاحاً وتحضراً، وهذا وهم". 

كذلك توقفت النشاطات التوعوية والتثقيفية التي كانت تقيمها الجمعيات والمنظمات المناصرة لقضايا مجتمع "الميم عين" في هذا الشهر، حيث كانت تجد فيه مناسبة لنشر المعلومات ومناقشة القضايا الجندرية والجنسانية على نطاق أوسع في لبنان. 

"الفعاليات والأنشطة اليوم باتت تتم على نطاق ضيق جداً، وفي الأماكن الخاصة والمغلقة، بدون دعوات عامة"، وفق ما يؤكد مسؤول التواصل في منظمة حلم، ضوميط قزي، في حديثه لموقع "الحرة". 

وبحسب قزي يعود ذلك لعوامل عدة، "أولها العنف الممارس من قبل الدولة وأجهزتها، وتحديداً ما صدر عن وزير الداخلية اللبناني من قرارات وتصريحات، تأمر القوى الأمنية بمنع إقامة أي نشاط أو تجمع لأفراد مجتمع الميم عين، حيث قام بالفعل بإلغاء العديد من النشاطات التي نظمتها بعض الجمعيات والمنظمات." 

وكان وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي قد طلب في كتاب أصدره في 24 يونيو 2022 من القوى الأمنية اللبنانية منع إقامة أنشطة قال إن هدفها "الترويج للشذوذ الجنسي"، على حد تعبيره، وذلك بعدما تلقت وزارته "اتصالات من المراجع الدينية الرافضة لانتشار هذه الظاهرة"، على حد تعبيره.

وفي تصريحات له، قال مولوي حينها: "لا يمكن التذرع بالحرية الشخصية.. الأمر مخالف للعادات والتقاليد في مجتمعنا ويتناقض مع مبادئ الأديان السماوية".

أما العامل الثاني "وهو الأخطر" بحسب قزي، فيتمثل بعامل السلامة والأمن الذي بات يمثل هاجسا حقيقيا لدى أفراد مجتمع "الميم عين"، لاسيما لناحية تهديدات الجماعات المتطرفة، "أكانوا جنود الرب أو الجماعات الإسلامية المتشددة". 

وتزامن قرار المولوي مع اعتداءات تعرضت لها أنشطة لمجتمع "الميم عين" في بيروت وتهديدات صدرت عن جهات ومجموعات دينية متشددة إسلامية ومسيحية تتوعد بمواجهة أي تجمع يقام لمجتمع "الميم عين" في لبنان.

"تم تهديدنا بالسيوف وبالقتل إن أقمنا تظاهرة أمام وزارة الداخلية، وألغيناها حفاظاً على سلامتنا"، يقول قزي، مستذكراً أيضاً الاعتداءات والحملات التي شنتها مجموعة "جنود الرب" المتشددة مسيحياً في منطقة الأشرفية ومحيطها في بيروت. 

ويضيف "نحن نعرف ما يمكن أن تفعله القوى الأمنية إن أتت لقمعنا، ولكن لا نعرف ما قد تفعله هذه الجماعات، لاسيما مع إيديولوجيات وعقائد تبيح لهم قتل أفراد مجتمع الميم عين أو التنكيل بهم".

وعليه كان قرار المنظمات والجمعيات حجب نشاطاتها عن العلن في هذه المرحلة، "من جهة حرصاً على سلامة وأمن المشاركين، ولتجنيب الجمعيات والمنظمات وزر تحمل دم في الشارع، من جهة أخرى"، بحسب قزي.

تمييز مخالف للقوانين 

يرى قزي أن هناك تمييزا بحق مجتمع "الميم عين" في لبنان، إلى حد أن الدولة لا تعطي أفراده حقهم الطبيعي كمواطنين بالحماية، رغم أن حماية حق التظاهر والتعبير والتجمع السياسي وإبداء الرأي أمور مكفولة بالدستور اللبناني. 

ويذكّر قزي أن الحكومة اللبنانية سبق لها أن وافقت عام 2021، خلال الاستعراض الدوري الشامل في "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة"، على التوصيات لضمان الحق في التجمع السلمي والتعبير لأفراد مجتمع "الميم عين"، وأعلنت الحكومة حينها انه من حق أفراد مجتمع الميم عين أن يمارسوا العمل السياسي، "وهذه سابقة غير موجودة في كل الدول العربية". 

وفيما "لم تف الحكومة اللبنانية بالتزاماتها"، بحسب قزي، "لم يلتزم وزير الداخلية أيضاً بالقانون"، مشيراً إلى أن دور وزارة الداخلية تأمين الحماية والأمن لجميع اللبنانيين دون تمييز، والحرص على تمتعهم بحقوقهم المدنية والسياسية، "لكن الوزير بدلا من ذلك تذرع بالحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاشتباك واراقة الدماء لمنع نشاطات المنظمات الداعمة لمجتمع الميم عين، عوضاً عن ضبط الجماعات المتطرفة والمتفلتة التي تمارس الترهيب". 

وكانت جمعيات قانونية وحقوقية (جمعية حلم والمفكرة القانونية) قد قدمت طعناً بقرار وزير الداخلية لمجلس شورى الدولة، الذي علّق بدوره قرار الوزير بالفعل، ولا يزال قانونياً معلقاً حتى اليوم، إلا أن ذلك لم يمنع مولوي من إصدار قرار آخر بعد أيام من قرار مجلس الشورى، يشدد على منع تجمعات مجتمع "الميم عين"، "كان مفاده أنه هو صاحب القرار، متخذاً تهديدات الجماعات المتطرفة كذريعة للقمع"، وفق قزي. 

لبنان يعتبر أكثر تساهلاً مع المثليين مقارنة بدول عربية أخرى
القضاء "ينصف" المثليين في لبنان.. التجمعات مسموحة "حتى إشعار آخر"
أوقف مجلس شورى الدولة في لبنان، العمل بقرار صادر عن وزير الداخلية بسام المولوي في يونيو الماضي، يطلب من قوى الأمن منع أي لقاء أو تجمع لأفراد مجتمع "الميم عين" في لبنان وكل ما يتصل بالمثلية الجنسية. وهو تطور اعتبره الحقوقيون والمتابعون للقضية انتصار قضائي للمثليين/ات في لبنان 

وعن سبب عدم لجوء جمعيات وأفراد مجتمع "الميم عين" لمحاولة الاستحصال على تراخيص قانونية لإقامة تجمعات، يوضح قزي أن المنظمات هذا العام لم تسلك المسار القانوني بحكم أن المولوي هو نفسه المسؤول عن إعطاء هذه التراخيص كوزير داخلية، "فيما هو معروف بمواقفه، وفيما أثبتت الفترة الماضية أن المسار القانوني في البلد دون مفاعيل واقعية، رغم احترامنا له ومطالبتنا به". 

موقع "الحرة" تواصل مع مكتب وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي، لمنحه فرصة الرد والاطلاع على وجهة نظره من هذه القضية، دون الحصول على أي جواب حتى نشر هذا التقرير. 

"حتى ولو حصلنا على تراخيص يبقى الهاجس الأكبر هو سلامة المشاركين في هكذا نشاطات"، وفق قزي الذي يشدد على ضرورة خلق ظروف وصيغة مناسبة تسمح بتفعيل النشاطات، "خاصة أن ميليشيات وجماعات متطرفة تحكم الشارع بدون حسيب ولا رقيب". 

يذكر أن الاعتداءات التي طالت نشاطات وتجمعات مجتمع "الميم عين" في لبنان بلغت مراحل متطرفة في الفترة الأخيرة، حيث لم يعد يقتصر الأمر على مهاجمة إعلانات وحملات لمجتمع الميم عين، بل وصلت إلى حد مهاجمة كل ما يمكن أن يفهم على أنه مرتبط بمجتمع "الميم عين".

فأطلقت حملة على شركة لبنانية تصنع الشيبس لاعتمادها صورة قوس قزح على بعض أكياسها، رغم أنها تعتمد هذا التصميم منذ سنوات طويلة، وتكرر الأمر نفسه مع محل "باتيسيري" حيث هاجمته مجموعة "جنود الرب" بسبب تقديمه قالب كيك بألوان قوس قزح. كل ذلك بالإضافة إلى اعتداءات متكررة طالت أفراداً من مجتمع "الميم عين" في أكثر من منطقة. 

إحباط حتى الهجرة

رغم ذلك، لا تزال ليا تحاول ممارسة حياتها الطبيعية بقدر ما يمكن، تتخذ احتياطاتها في كثير من الأحيان، تتجنب أماكن نفوذ وانتشار الجماعات المتطرفة، وأحياناً كثيرة تضطر لإخفاء هويتها وتغيير شكلها تماشيا مع الظروف. 

ولكن طيلة الوقت وخلال التنقل والتواجد في الأماكن العامة يبقى في رأس ليا  فكرة عالقة "مفادها أن جنود الرب موجودين، وقد يحضرون في أي لحظة".

 زاد من هذا الهاجس، اعتداء نفذه "جنود الرب" على عابرات جنسياً في منطقة الأشرفية، منذ ذلك الحين باتت تعاني ليا من صدمة أبقتها شهر كامل في المنزل عقب قرار الوزير. 

كل ذلك يدفع ليا للبحث اليوم عن خيار الهجرة "إلى مكان أكثر تقبلاً لكي أعيش حياة طبيعية بقدر الإمكان، ولن أقول لا لأي فرصة." 

هذا الشعور بات منتشراً في مجتمع "الميم عين" بحسب قزي الذي يؤكد أن هناك إحباط وفقدان أمل بالبلاد والتغيير الاجتماعي فيها، مضيفاً "اليوم ليس هناك شخص مثلي في لبنان لا يفكر بالهجرة". 

ويشدد على أن مجتمع "الميم العين" يواجه اليوم أزمة بأصل وجوده في لبنان، "قبل الحديث عن تعديل قوانين أو حقوق أو مطالب، لا زلنا في مرحلة ما إذا كنا قادرين على إعلان وجودنا في هذا المجتمع أم لا." 

تقول ليا إنها استسلمت بوجه هذا المجتمع وهذا البلد، "لا زلت أعاني حتى في تغيير اسمي على باسبوري (جواز سفري) ليتناسب مع هويتي الجندرية، أواجه مشاكل كلما احتجت لإبراز هويتي او عبور حاجز أمني، وأسمع كلاماً جارحاً، أريد اليوم أن أجد نفسي أن أشعر كإنسانة ولست موضوعة في خانة أو ككائن فضائي من كوكب ثاني. أريد حياة طبيعية اليوم."

وتختم "مع الأسف لبنان مثله مثل أي دولة عربية محيطة به، ولا صحة للصورة التي يقدمها الإعلام العالمي عن بيروت بكونها جنة لمجتمع الميم عين بين الدول العربية، وبكونها أكثر أمانا وتقبلاً من غيرها، هذا وهم غير صحيح بتاتاً." 

يذكر أن منظمة أوكسفام سبق أن حذرت عام 2021، من أن مجتمع الميم يواجه تحديات هائلة في لبنان، حيث حرمت الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت في صيف 2020، أفراد هذا المجتمع مساحاتهم "الآمنة" ومصادر دخلهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لجواز سفر سوري- المصدر: ibtimes
صورة تعبيرية لجواز سفر سوري

يعيش اللاجئون السوريون في مصر والعراق تحديات وضغوطات جديدة، تزيد من هشاشة أوضاعهم وتعقّد محاولاتهم لتحقيق الاستقرار، حيث أصدرت حكومات هذين البلدين قرارات صارمة تطالبهم بتصحيح أوضاعهم القانونية أو مواجهة الترحيل الفوري.

يأتي ذلك في سياق الضغوط المتزايدة على اللاجئين السوريين في الشرق الأوسط، وضمن حملة بدأت من تركيا ولبنان، بذريعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجهها البلدان المضيفة، إذ اتخذت هذه الدول إجراءات مماثلة لتنظيم وجود اللاجئين، كما نفذت عمليات ترحيل قسري وأعيد بعضهم إلى مناطق تقع تحت سيطرة النظام أو مناطق المعارضة في الشمال السوري.

يقول السوري محمد يحيى (39 عاما) المقيم في بغداد "ضاقت بنا الأرض والبلدان، وكلما بحثنا عن حلول نواجه مشكلة جديدة".

محمد الذي تنقل بين عدة دول في السنوات الأربع الماضية، يشير إلى أن القوانين التي تُسن والمواقف المتململة تجاه الوجود السوري، تجعله يشعر بالإحباط والتشاؤم وعدم الاستقرار.

مواطنه يوسف بسيكي (52 عامًا) فرّ من سوريا إلى تركيا بحثا عن الأمان في  2015 ثم انتقل إلى العراق ويقيم فيها بصورة غير شرعية، والآن يواجه خطر الترحيل.

يقول "فكرت في الانتقال إلى مصر لكنني صُدمت بالقرارات الجديدة التي تجعل بقاءنا هناك صعبا ومهددا".

العراق

يبين إبراهيم عطوة (29 عامًا) الذي يعيش بشكل غير قانوني في بغداد منذ سنتين: "نعمل بالحد الأدنى ونتعرض للاستغلال.. نختبئ ونتجنب التجول كي لا يتم القبض علينا وترحيلنا. عندما أرى سيارة شرطة أصاب بالذعر، وأتجنب الخروج من منطقة سكني خوفا من أي نقطة تفتيش، وأختبئ عندما يأتي أي شخص للسؤال عن وجود سوري في مكان عملي".

وكانت السلطات الأمنية في العراق نفذت خلال الأشهر الماضية حملات واسعة للقبض على المخالفين لشروط الإقامة، بعد مداهمة منازلهم وأماكن عملهم، ما أسفر عن ترحيل مئات السوريين إلى مناطق سيطرة النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية.

وفي أبريل 2024، علّقت حكومة إقليم كردستان العراق إصدار تأشيرات للسوريين، بناء على طلب الحكومة الفيدرالية في بغداد، وسط جهود أوسع لتنظيم العمالة الأجنبية.

من جانبها، استنكرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" احتجاز السلطات العراقية في بغداد وأربيل لسوريين وترحيلهم تعسفياً إلى دمشق وشمال شرقي سوريا، مؤكدة أن العراق "ينتهك التزاماته كدولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب".

 وقالت إن بعض المُرحّلين كانوا يحملون وثائق عراقية رسمية تسمح لهم بالبقاء والعمل في البلاد، مطالبة العراق أن ينهي "فوراً" حملته المقلقة من الاعتقالات التعسفية والترحيل للسوريين الذين فرّوا إلى العراق بحثا عن الأمان.

واعتبرت المنظمة أن إعادتهم قسراً إلى سوريا تعرضهم لخطر الاعتقال والتعذيب.

ومؤخرا دعت وزارة الداخلية العراقية إلى ضرورة تصحيح أوضاع العمالة الأجنبية المخالفة، وشدد وزير الداخلية العراقي عبد الأمير كامل الشمري على ضرورة تواصل العمّال الموجودين في البلاد من دون إقامة رسمية أو لديهم تجاوز على مدتها، مع مديرية شؤون الإقامة لتصحيح الوضع القانوني لإقامتهم.

وأصدرت سفارة جمهورية العراق في دمشق  بيانا بتاريخ 29 يونيو 2024 بخصوص مخالفي الإقامة يطلب من أصحاب الشركات وكل من يؤوي العمالة الأجنبية، بضرورة تصحيح الوضع القانوني للعمالة المخالفة، عبر الموقع الإلكتروني، ابتداءً من بداية شهر تموز الجاري، ولغاية 7/09/2024 .

 ويستضيف العراق حوالي 280 ألف سوري غالبيتهم تقيم في إقليم كردستان.

لبنان.. هل تضرب سياسات ترحيل السوريين "العمود الفقري" لسوق العمل؟
ما كادت صفارة القطار الحكومي اللبناني الأخيرة تنطلق منذرة ببدء رحلة إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، حتى علت الأصوات من قطاعات لبنانية عدة، مؤكدة أهمية اليد العاملة السورية والحاجة الملحة إليها، وعدم القدرة على الاستغناء عنها.

مصر

مع انتهاء المدة التي أعلنتها الحكومة المصرية في حملة "سارع بتصحيح أوضاعك" لتنظيم وجود الأجانب في مصر، عبر بطاقة الإقامة الذكية بداية الشهر الجاري، بات اللاجئون السوريون في حالة حيرة وترقب حيال النتائج المترتبة على عدم تصحيح أوضاعهم، خاصة بعد إعلان وزارة الداخلية المصرية ترحيل أربعة سوريين لأسباب تتعلق "بالصالح العام" وفق تعبيرها.

"تستغرق خطوات تجديد إقامة اللاجئ في مصر وقتا طويلا، مما يضعه أمام معضلة كبيرة مخافة مخالفة القوانين"، تقول بيان الشمعة المقيمة في مصر منذ ست سنوات.

وتشرح لـ"ارفع صوتك": "قدمت طلبا لتجديد إقامتي، وأُعطيت موعدا نهاية العام 2025، لكنهم أعطوني ورقة تثبت تقديمي على الإقامة، ولست أدري إن كانت كفيلة بمنحي الحماية والتواجد الشرعي على الأراضي المصرية أم لا أو ما يمكن  أن تقدمه لي من ميزات، فهناك الكثير من الشائعات المنتشرة حاليا التي تنشر الخوف والقلق بيننا".

من جهتها، تقول رحمة (33 عاما) لـ"ارفع صوتك" إنها "لم تحصل على موعد قريب من المفوضية،  لكنهم طلبوا منها طباعة الرسالة الواردة من المفوضية التي تثبت أنها قدمت طلبا، وهي تحميها من الترحيل في حال أوقفتها الشرطة المصرية".

محاسن حمزة، أم سورية لطفلين في ١٢ و١٣ من عمرهما، توضح أنها تقيم في مصر بموجب الإقامة السياحية، وستنتهي إقامتها خلال أيام. لذلك تم إبلاغها بعدم تجديد الإقامة السياحية وأن عليها الخروج من مصر والعودة إليها للحصول على إقامة لمدة ستة أشهر.

 بحسب محمود الآغا (56 عاما) فإن "هناك تململا واضحا من وجود السوريين في مصر باعتبار أن اللاجئ سبب الأزمات الاقتصادية وانقطاع الكهرباء و المضاربة بالعملة ومشاكل التعليم والصحة".

"وهناك أيضاً رغبة بترحيلنا، وطلب من المواطنين والمقيمين بالإبلاغ عن مخالفي الإقامة القانونية الموجودين في المناطق والأحياء. هذا يصيبنا بالخوف والقلق من الترحيل، فالعودة إلى بلادنا مستحيلة بسبب الظروف الأمنية وعدم الاستقرار، ورغم انتهاء المهلة القانونية، إلا أننا لم نقم بتعديل أوضاعنا بسبب الأوضاع المادية السيئة، لكننا نعمل على جمع المال لنيلها حالما يمكن ذلك".

وكان المحامي المصري أشرف ميلاد، وهو باحث في شؤون اللاجئين،  صرح خلال مقابلة تلفزيونية مع فضائية عربية، أن الشروط المطلوبة لتقنين أوضاع اللاجئين هي دفع ألف دولار أميركي، خاصة للذين دخلوا بشكل غير نظامي عبر الصحراء.

ومن لا يحمل الإقامة بعد انتهاء مدة تقنين أوضاع الأجانب، لن يُسمح لأولاده بالدخول إلى المدارس، وسيتم إيقاف خطوط الهواتف المحمولة لهم، ومنعهم من فتح أي حساب بنكي أو عمل توكيلات، كما سيتم توقيف تحويل الأموال لهم، بحسب ميلاد.

الحقوقية السورية نهى م.  المقيمة في مصر، وطلبت عدم ذكر اسمها الكامل، تبدو متفائلة، من خلال قولها "لا داعي للخوف والقلق، السوري أو الأجنبي الذي يملك المال بإمكانه الحصول على إقامة استثمارية أو إيداع مبلغ من المال أو شراء عقار، كما يمكن للأبناء المسجلين في المدارس الحصول على إقامة تعليمية لهم ولأهلهم بصفة مرافقين".

تتابع: "بعض مكاتب المحاماة تقوم بمساعدة الأجانب الراغبين بتعديل أوضاعهم، ويقوم بعضهم بالتحايل على القانون عبر إجراءات شكلية لتأمين الإقامة عن طريق زواج صوري من مصري/ مصرية، أو إقامة شركات وهمية لتأمين شرط الإقامة الاستثمارية".

وتستضيف مصر نحو تسعة ملايين مقيم أجنبي من أكثر من 130 دولة، ويبلغ عدد اللاجئين السوريين فيها مليون ونصف المليون، بحسب آخر إحصائيات لها.