لبنان - صورة تعبيرية. أرشيف
وصلت نسبة البطالة إلى 38 في المئة من حجم القوى العاملة اللبنانية - صورة تعبيرية. أرشيف

"جلّ ما كنت أحلم به تكوين عائلة سعيدة، وبالفعل اتخذت الخطوة، ارتبطت بشابة وقبل خمس سنوات رزقت بطفلة منها، حينها شعرت أنني ملكت الدنيا، لكن الأمر لم يطل، إذ اصطدمت بالواقع المرير وهو عجزي عن تأمين أبسط احتياجاتها بعدما فرض عليّ كما مئات الآلاف من الشبان اللبنانيين أن نكون على لائحة العاطلين عن العمل".. بهذه العبارات بدأ مصطفى الحديث عن معاناته لسنوات من البطالة.

حاول ابن بلدة إيزال الضنية في شمال لبنان كثيراً الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى توقف عمله في مجال البناء، اعتقد بداية أن الأمر لن يطول، لكن مرّت كما يقول لموقع "الحرة" "ثلاث سنوات من دون أي مدخول" ويشرح "انهارت أحلامي مع كل يوم مرّ من دون العثور على عمل، ومع كل شهر لم أتمكّن من تأمين بدل إيجار المنزل، لأجد نفسي في النهاية ألملم خيباتي في حقيبة، وأسلّم مفتاح البيت إلى مالكه وأعود أدراجي مع أسرتي للسكن مع عائلتي".

وضع الموظفين في لبنان ليس أفضل حالاً من وضع العاطلين عن العمل، فقد تراجعت قيمة رواتبهم إلى الحد الذي لم تعد تكفي لتأمين احتياجاتهم الأساسية، لاسيما رواتب العاملين في القطاع العام، منهم رامي، الرقيب أول في قوى الأمن الداخلي، الذي تراجعت قيمة راتبه من 1200 دولار إلى 70 دولار نتيجة انهيار قيمة العملة المحلية".

منذ الأزمة الاقتصادية ورامي كما يصف "يعمل بالسخرة"، ويشدد "إن كان الراتب يكفي فقط لتأمين لقمة العيش يكون الإنسان عبداً وليس موظفاً فكيف إن كان لا يكفي لذلك حتى؟"، ويشرح "إضافة إلى السبعين دولارا أحصل على المساعدة الشهرية من الولايات المتحدة الأميركية لقوى الأمن الداخلي، البالغة مئة دولار، أي أن راتبي يصل إلى 170  دولارا، في حين أن بدل إيجار منزلي مئتي دولار، وفاتورة المولد 120 دولارا، أما بالنسبة للطعام فكيلو اللحم بمليون ليرة وربطة الخبز بـ 60 ألف ليرة، في حين شارف سعر صفيحة البنزين على المليوني ليرة".

وفقاً للمعايير الدولية، يعتبر عاطل عن العمل، بحسب ما يشرح الباحث في الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين، "كل شخص يفوق عمره الـ16 سنة ويقل عن 64 سنة تقدم بطلب للحصول على وظيفة من دون أن يتمكّن من ذلك خلال 15 يوما، لكن في لبنان قد يبحث الشخص عن وظيفة على مدى سنوات ومن ثم يتوقف عن ذلك، وعند سؤاله عما إن بحث عن وظيفة خلال 15 يوما سيكون جوابه بالنفي، بالتالي وفقاً للمعايير الدولية هو غير عاطل عن العمل لكن فعلياً هو كذلك، مما يعني أن هذه المعايير لا تطبّق في لبنان".

وصلت نسبة البطالة، وفق ما يشير شمس الدين لموقع "الحرة" إلى "38 في المئة من حجم القوى العاملة اللبنانية، مما يعني أن نحو 430,000 لبناني من دون عمل، ولولا هجرة عدد كبير من الشبان للعمل في الخارج لكان الرقم أكبر، في وقت ارتفعت فيه كلفة المعيشة منذ الأزمة الاقتصادية 3900 في المئة، أما الرواتب فلم تلحق بارتفاع الأسعار، حيث ارتفعت 700 في المئة".

أما رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، فيلفت إلى أن "نسبة البطالة لدى الذكور تناهز الـ 40 في المئة في حين تصل إلى 50 في المئة لدى الإناث، وهي تتركز في القطاع الخاص وناتجة عن عدم التوظيف في القطاع العام بقرار من مجلس الوزراء".

الأسمر شدد في حديث لموقع "الحرة" على البطالة المقنعة كون "رواتب موظفي القطاع الخاص لا تكفي لعدة أيام من الشهر رغم أن بعض القطاعات الخاصة تمكنت من الوصول إلى نوع من التوازن مع ازدهار أعمالها، كما أن رواتب القطاع العام متدنية إلى أقصى حد، خاصة رواتب العسكريين".

اعتراف رسمي.. سخرة وجبر

الوجع كبير كما يشدد مصطفى، "فعلى الرغم من أن أقصى أحلامنا بسيطة، بل لا تتعدى كونها حقاً من حقوق الإنسان، فإنها في بلدنا صعبة المنال، فأنا لا أطلب سوى مدخول أحصل عليه من تعبي لأعيش مع عائلتي ولو في غرفة خاصة وأتمكّن من تأمين طلبات طفلتي المحرومة من كل شيء".

قبل الأزمة الاقتصادية استبعد مصطفى (30 سنة) فكرة الهجرة، لكن منذ أن قطع الأمل بالعثور على فرصة عمل أصبح كل همّه كيفية مغادرة وطنه، ويقول "حتى تحقيق هذه الأمنية أمر مستحيل، فأنا لا أملك المال للحصول على جواز سفر فكيف ببقية الخطوات المطلوبة. لم أعد أحتمل، أشعر أني مكبل وأكاد أختنق من ضيق العيش".

أما رامي فلا يزال يستبعد فكرة الهجرة، "أولاً كون مؤسستي ترفض طلبات التسريح وثانياً كوني مسؤولاً عن والدتي، مع العلم أنه حين انضممت إلى قوى الأمن الداخلي قبل 17 سنة كان كل هدفي تأمين استشفاء وطبابة والدتي التي ربتني وأشقائي الأربعة أيتاماً منذ طفولتنا، لكن الآن بالكاد تغطي المؤسسة العسكرية جزء بسيطاً من هذه الفواتير".

خلال مؤتمر منظمة العمل الدولية في جنيف، الشهر الحالي، ألقى وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى بيرم، كلمة أشار فيها إلى أن "بلدي كله قد تحول إلى عمل السخرة والعمل الجبري سواء على مستوى الدولة وإداراتها التي باتت تفتقد لأدنى المقومات اللوجستية لتسيير مرافقها أو على مستوى غالبية الناس الذين أصبحوا تحت خط الفقر".

ولفت إلى "إجراءات حاسمة وتنفيذية أخذت طريقها إلى أرض الواقع"، لخصها بإقرار الحكومة لخطة استراتيجية لوزارة العمل (2022 - 2025) ومما تتضمنه "التدريب المهني المعجل، وقد أطلقنا مساره من المناطق النائية والمهملة تاريخياً، والرفع المتكرر للحد الأدنى لأجور العمال".

والشهر الماضي أشار الاتحاد العمالي العام في بيان لمناسبة عيد العمّال إلى أنه "لا يُحسد العامل والعاملة والموظف والموظفة في لبنان على ما آل إليه وضعهم في السنوات الثلاث الماضية من تدهور مريع في أجورهم وضماناتهم وخسارة مواقع عملهم ومثلهم المزارع الصغير والسائق العمومي وموظفو القطاع العام ومعلمو المدارس وأساتذة الجامعات وموظفو وعمال المصالح المستقلة والمصالح العامة والخاصة، وكذلك القطاعات العسكرية والأمنية والعاملون والمتقاعدون واللائحة لا نهاية لها، حيث تشمل العمال المياومين واللانظاميين وسواهم".

عبودية مقنّعة

منذ صرفها من العمل قبل سنتين، تبحث، حياة، عن وظيفة لمساعدة والدها في تأمين حاجيات أسرتها، لكن كما تقول "معظم المؤسسات التي تطلب موظفين تحدد رواتب بالكاد تغطي تكلفة المواصلات، مستغلة الأوضاع المعيشية للمواطن وحاجته الملحة للعمل، فتعرض عليه راتبا بخساً لا يتجاوز المئتي دولار، وهذا قمة "الاستغلال"، وتشدد "لم أنل شهادة في إدارة الأعمال وخبرة لثلاث سنوات لكي أقبل بشروط مجحفة تصل إلى حد العبودية المقنّعة كما حال شقيقتي التي لا تزال مستمرة بالعمل رغم أنه لا يتبقى لها من راتبها سوى مئة دولار إذا حسمت منه بدلات النقل".

كما أن "حقوق الموظف مهدورة" تقول، حياة، في حديث لموقع "الحرة"، "من سهولة الاستغناء عنه عند أول اعتراض يبديه، إلى التأخر بدفع مستحقاته وتسجيله بالضمان الاجتماعي، لتضاف قضية تدني الرواتب، من هنا لا بد من أن نجيب أنفسنا قبل القبول بأي وظيفة عن هذا السؤال: ما الفائدة من عمل لا نستطيع من خلاله تأمين حاجياتنا الأساسية من سكن وطعام وشراب وكساء وطبابة واستشفاء؟".

أصبح كل أفراد العائلة في اضطرار للعمل برواتب متدنية من أجل مدخول شهري كان يحصل عليه فرد واحد منهم سابقاً، رغم أن معظم شركات القطاع الخاص تأقلمت كما تقول حياة مع الأزمة، إذ "حوّلت كل تعاملاتها المادية إلى الدولار، باستثناء الرواتب وإن خصصت جزءا بسيطاً بالعملة الخضراء فإنها تمنن موظفيها بذلك".

"تنعكس البطالة سلباً على مجمل اليد العاملة وعلى المستوى المعيشي للبنانيين" بحسب الأسمر، و"تلعب دوراً في الإخلال بالأمن الاجتماعي وارتفاع نسب الهجرة لا سيما لدى فئة الشباب، حيث تشير الأرقام إلى أن ما بين 75 و100 ألف جامعي غادروا لبنان منذ بداية الأزمة"، والأمر لا يختلف حين لا يكفي الراتب الموظف أو العامل.

وكان تقرير لـ"الدولية للمعلومات" كشف أن 257,852 شخصاً غادر لبنان خلال الأعوام 2017- 2022، أما العدد الأكبر سنويّاً خلال هذه الفترة فكان في العام 2021، إذ بلغ 79,134، يليه 67,884 شخصاً في العام 2011. وكان لافتاً أن نحو 100 ألف شخصٍ غادروا خلال الأعوام الثلاثة 1992-1994 التي تلت انتهاء الحرب، وكذلك سجّل العدد ارتفاعاً، ووصل إلى 205,237 شخصاً في الأعوام 2011- 2015.

زيادات وهمية

تمكّن الاتحاد العمالي العام "بقوّة العمال والعاملات والنقابيين والنقابيات ومثابرتهم" أن يساعد كما جاء في بيانه في الأول من مايو الماضي "في انتزاع القليل من حقوقهم المهدورة ومكتسباتهم الضائعة، فاستطاع أن يرفع الحد الأدنى الرسمي للأجور، إلى تسعة ملايين ليرة شهرياً ورفع بدل النقل عن كل يوم عمل إلى 250 ألف ليرة، ويسعى لاحقاً إلى رفعها الى 450 ألف ليرة مساواةً في القطاع العام".

وساهم الاتحاد "برفع رواتب جميع العاملين في الإدارة العامة إلى سبعة رواتب والمتقاعدين ستة رواتب وزاد من مداخيل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مبالغ إضافية كبيرة تمكّنه من زيادة التقديمات، إضافةً الى تعزيز مداخيل الهيئات الضامنة الأخرى".
 
ويشدد الأسمر: "زيادة سبعة رواتب للقطاع العام لا تحل أزمة العاملين فيه، كونها تحتسب على أساس راتب عام 2020 كما أنها غير محتسبة في تعويضات نهاية الخدمة ولا تدخل في صلب الراتب"، فإذا كان أساس راتب الموظف مليون ونصف المليون ليرة يعني أنه سيحصل على عشرة ملايين ونصف المليون ليرة أي ما يعادل حوالي مئة دولار".

أياً تكن زيادة الرواتب فإنها بحسب رامي "وهمية لا تحرر الموظفين من العبودية ما لم تكن بالدولار، لاسيما أن كل الأسعار أصبحت مدولرة، فما نفع الحديث عن مضاعفة مدخولنا سبع مرات والمبلغ الذي سنحصل عليه بالكاد يصل إلى مئة دولار بالتالي لا يمكّننا من العيش الكريم من دون أن نضطر إلى الاستدانة لشراء الطعام والدواء واستجداء أهل الخير لتأمين فاتورة الاستشفاء" ويشدد "الأمر المستغرب هو اعتياد اللبنانيين على الأزمة وما ترتب عنها من ارتفاع سعر صرف الدولار وغلاء الأسعار".

وفقاً لتقرير المرصد الاقتصادي للبنان، الصادر عن البنك الدولي الشهر الماضي، بعنوان "التطبيع مع الأزمة ليس طريقاً للاستقرار"، فإنه بالرغم من ظهور علامات تطبيع مع الأزمة، "لا يزال الاقتصاد اللبناني في حالة تراجع حاد، وهو بعيد كل البعد عن مسار الاستقرار، ناهيك عن مسار التعافي. وقد أدى فشل النظام المصرفي في لبنان وانهيار العملة إلى تنامي ودولرة اقتصاد نقدي يُقدّر بنحو نصف إجمالي الناتج المحلي في عام 2022". 

ولا تزال صناعة السياسات بوضعها الراهن تتسم بحسب التقرير "بقرارات مجزأة وغير مناسبة لإدارة الأزمة، مقوضةً لأي خطة شاملة ومنصفة، مما يؤدي إلى استنزاف رأس المال بجميع أوجهه، لا سيما البشري والاجتماعي، ويفسح المجال أمام تعميق عدم المساواة الاجتماعية، بحيث يبرز عدد قليل فقط من الفائزين وغالبية من الخاسرين".

وتعليقاً على ذلك، قال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، "ما دام الاقتصاد في حالة انكماش وظروف الأزمة قائمة، سيزداد تراجع مستويات المعيشة، وستستمر معدلات الفقر في الارتفاع. إن التأخير في تنفيذ خطة شاملة للإصلاح والتعافي سيؤدي إلى تفاقم الخسائر على صعيد رأس المال البشري والاجتماعي ويجعل التعافي أطول أمداً وأكثر تكلفة".

ما يواجهه اللبنانيون اليوم يستدعي، بحسب الأسمر "دراسة شاملة لواقع الرواتب والحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، وواقع الرواتب والزيادات في القطاع العام، وهو ما نتابعه بشكل دائم مع الهيئات الاقتصادية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جلال ذياب خلال أحد خطاباته- أرشيف فرانس برس
جلال ذياب خلال أحد خطاباته- أرشيف فرانس برس

في أواخر أبريل 2013 كان جلال ذياب قد أنهى يوماً طويلاً اختتم فيه ورشة عمل عن حقوق الإنسان والأقليات في العراق، وهمّ بالخروج من مقر جمعيته ليفاجئه مسلحون برصاصات اخترقت حنجرته وقلبه، أسكتت صوته وأحالت قضيته إلى مجهول.

اغتيال جلال ذياب أثار الرأي العام داخل العراق وخارجه، ووصفه الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر دان بأنه "مخجل ومهين".

كان جلال ذياب كما يصفه رئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية سعد سلوم لـ"ارفع صوتك"، رجلاً "طويل القامة مرحاً ووسيماً" وكان "قادراً على مواجهة العنصرية بالسخرية"، وهي من الصفات التي جعلته رجلاً محبوباً في البصرة (أقصى جنوب العراق) حيث كان يعيش.

"مع ذلك دفع سواد بشرة ذياب به إلى هامش المجتمع، مثله مثل مئات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء"، يضيف سلوم.

ويشبّه ذياب بالناشط السياسي الأميركي من أصول أفريقية "مارتن لوثر كينغ"، ويعتبره "أحد أبرز رموز الحركة المدنية للدفاع عن حقوق السود في العراق".

عمل ذياب مع سلوم الذي تركز مؤسسته على حماية التنوع والحوار بين الأديان في أعمال عديدة مشتركة، وكان لديهما حلم مشترك هو "الحفاظ على تعددية المجتمع وتنوعه الثقافي".

 تأثر سلوم بموت ذياب كثيراً، فكتب عن حياته العديد من المقالات، وذكر سيرته في كتابه "ديناميات الهوية: نهاية وانبعاث التنوع في الشرق الأوسط".

"حركة العراقيين الحرة"

في عام 2007 أسس جلال ذياب "حركة العراقيين الحرة"، بعد ترشيح باراك أوباما لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث أعطى ذلك دفعة قوية لطموحه في تحقيق الحلم ذاته في بلده العراق.

وعبر تصريحات أدلى بها للإعلام عام 2008، قال ذياب "فوز أوباما عزز الروح المعنوية لدينا"، مضيفاً أن "حركة العراقيين الحرة ستكون أول من يتقدم بمرشحين سود في أي انتخابات عراقية حين تخوض انتخابات المحافظات عام 2009 بثمانية مرشحين".

يشرح سعد سلوم في كتابه أن دور ذياب "كان محورياً. فقد كان بليغاً، والبلاغة أن تسمي الأشياء بمسمياتها. وبهذا ارتقى إلى أن يكون أبرز ممثل لذوي البشرة السوداء في العراق".

وتابع أن ذياب "بقيادته للحركة الإنسانية استحق أن يحظى بتكريم بعثة الأمم المتحدة (يونامي) بوصفه أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في العراق".

اتخذ ذياب من خلال حركته مواقف اعتُبرت جريئة على المستوى السياسي، أبرزها ترشيح السود العراقيين في الانتخابات من أجل عضوية مجالس المحافظات التي يقطنونها، ورغبتهم بمقاعد "كوتا" في البرلمان العراقي، أسوةً بالمكونات العراقية الأصلية والصغيرة.

نتيجة لذلك، ترشح عراقيون من ذوي البشرة السمراء إلى الانتخابات في عامي 2009 و2013، لكنهم لم يحصلوا على أي مقعد. 

وفي 2010 أسس ذياب جمعية "أنصار الحرية الإنسانية" التي كان هدفها اجتماعياً، فيما استمرت "حركة العراقيين الحرة" بالعمل السياسي، بحسب قول صلاح رخيص سلمان، المدير التنفيذي للجمعية.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "الجمعية على المستوى الاجتماعي أقامت ورشاً تدريبية لتعليم مهن جديدة للشباب للفقراء من أبناء البشرة السمراء لانتشالهم من الظروف التي عاشوا فيها. كما أطلقت دورات تعليمية في مجالات مهنية عدة مثل الخياطة والكومبيوتر والحلاقة وجرى وضع صندوق مالي لمساعدتهم".

الجمعية أيضاً، يقول سلمان "أسست مدرسة لمحو الأمية بين مجتمع البشرة السمراء بدءاً من عام 2010 وحتى اغتيال جلال ذياب عام 2013، عبر دعم تم تقديمه من السفارات الأميركية والفرنسية والأسترالية وغيرها".

الناشط ماجد الخالدي- فرانس برس
العراقيون الأفارقة.. اضطهاد الماضي يخيم على الحاضر
يعيش عشرات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء في الأنحاء الجنوبية من العراق، وتختلف الروايات حول الأصول العرقية التي جاؤوا منها، إلا أن أغلب الآراء تربطهم بالعبيد الذين قدموا من شرق أفريقيا لاستصلاح الأراضي الزراعية في القرن الأول الهجري.

المطالبة باعتبارهم "أقلية"

في تصريحاته الصحافية، كان ذياب يؤكد أن ذوي البشرة السمراء يعانون من التمييز في العراق بسبب لون بشرتهم وبسبب عدم انتمائهم إلى قبائل في بلد تعتبر فيه التقسيمات العشائرية والأصول أمراً له أهمية كبيرة في حياة سكانه.

ورأى أن السود يوضعون في "مرتبة أدنى وهو أمر يرجع جزئياً إلى تاريخ من العبودية".

من أقوال ذياب: "لغاية اليوم لم يُعطَ الأسود حقه. لا نرى في مجالس المحافظات أو في البرلمان مدراء أو سفراء… لدينا كفاءات عديدة ولدينا شهادات الدكتوراة. لكن، للأسف الشديد لم نجد أي اهتمام".

كانت "حركة العراقيين الحرة" أول منظمة تطرح هذه الأفكار وتوجتها بترشيح ثمانية من أعضائها لانتخابات مجالس المحافظات، وواجهت تحفظات من المجتمع البصري كون الأخيرة تتضمن أكبر تجمع لذوي البشرة السمراء في العراق. 

من أبرز مطالب ذياب، اعتبار ذوي البشرة السمراء في العراق "أقلية " حتى تكون لديهم "مادة في الدستور تحميهم وتعاقب من يستخدم كلمة  عبد بوصفها قذفاً". 

وقال إن "أذل كلمة يوصف بها الإنسان هي كلمة العبد. العبد الذي ليس له قرار، العبد الذي ليس له كرامة، العبد الذي ليس له إنسانية. هذه الكلمة مؤذية جداً، السود فقط يحسّون بذلك".

ولكن الهدف الأساس من الترشيح بحسب سلمان، أن تصل "قضيتنا إلى مختلف أنحاء العراق، لأننا كنا نعي صعوبة الحصول على مقعد في مجلس المحافظة أو في البرلمان، وسط سيطرة الأحزاب الكبيرة على النتائج، ورغبتنا أن نكون مستقلين ونمثل ذوي البشرة السمراء. وهو ما حصل فعلاً".

 

فيلم.. لم يكتمل

يروي سعد سلوم عن جلال ذياب: "كان لديه حلم بسيط وعظيم، وهو أن يبني متحفاً للثقافة السوداء في العراق. يحركه لتنفيذ حلمه إيمان بأن للسود فضل تم إنكاره في تحديد هوية البصرة الثقافية في الموسيقى والغناء والرقص، بل ومن خلال مكانة البصرة المركزية في تشكيل خريطة الهوية الثقافية للخليج بأسره".

وكان يسعى "لإعادة تصنيع الآلات الموسيقية التي اختفت، وتجميع الآلات الموسيقية المرافقة للطقوس الأفريقية"، بحسب سلوم.

وخلال سعي سلوم لإنتاج فيلم وثائقي يتحدث عن معنى أن تكون أسود في العراق، يقول "قادني جلال في غابة من الطقوس المبهرة للسود في البصرة. وحاولتُ تسجيل الطقوس التي يؤديها ذوو البشرة السمراء في المكايد وهي طقوس دينية شفاهية ترافقها معزوفات تنتقل من جيل إلى آخر عبر الزمن، إلا أن الفيلم لم يكتمل".

"لكي لا يضيع صوت جلال وتضحيته، نحن مطالبون بألا ننسى رسالته ومشروعه، وأن نعمل على تحقيقها"، يتابع سلوم.

من جهته، يستذكر المدير التنفيذي لجمعية "أنصار الحرية" صلاح سلمان، ذياب، بقوله "حلمه لا يزال مستمراً رغم الأذى الذي تعرضنا له بعد عملية اغتياله".

ويشرح الأحداث التي تلت العملية، لـ"ارفع صوتك": "توقفت نشاطات المنظمة لعامين، حتى أن البعض هرب من البصرة بسبب عملية الاغتيال الغريبة وتوقيتها، الذي ترافق مع صعود نجم جلال ونشاطاته منذ تأسيس المنظمة إلى أن أُطلق عليه الرصاص".

بعد ذلك الوقت، يوضح سلمان "عدنا للعمل من جديد، إلا أن النشاطات تقلصت بنسبة 90% واليوم تقتصر نشاطاتنا على ورش العمل المتعلقة بحقوق الإنسان، وما زلنا نثقف حول حقوق ذوي البشرة السمراء في العراق".

"كما نسعى إلى إيصال صوتنا تحت قبة البرلمان وفي مجلس المحافظة، وهو طموح مشروع ويمكن تحقيقه، أيضاً كان يحلم به جلال"، يختم سلمان حديثه.