منظمة حقوقية تقول إن التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت لم تتوصل إلى نتائج ذات مصداقية
انفجار مرفأ بيروت أسفر عن سقوط أكثر من 200 قتيل وما يزيد عن 7000 جريح - صورة أرشيفية.

ثلاث سنوات انقضت على انفجار مرفأ بيروت، ولا تزال بصماته بارزة على أجساد الجرحى ندوبا وإعاقات، منهم من استطاع النهوض وإكمال مشواره على هذه الأرض ولو بصعوبة، ومنهم من لا يزال يصارع من أجل العودة للحياة وإن بصورة مختلفة لا تشبه ما قبل الرابع من أغسطس 2020، وآخرون لم يستيقظوا بعد من هول الكارثة.

منذ ذلك اليوم المشؤوم ولارا حايك تغط في غيبوبة، هي التي أصيبت برأسها خلال تواجدها في منزلها بباب خلع من شدة عصف الانفجار، نقلت إلى المستشفى بوعيها ليتوقف بعدها قلبها عن النبض وتدخل في غيبوبة، وفي الوقت الذي كانت فيه والدتها نجوى تأمل في شفائها خلال أشهر كما أطلعها الأطباء، فقدت الأمل بعدما ساء وضع فلذة كبدها الصحي كثيراً لا سيما في الأسبوعين الماضيين.

تقول نجوى لموقع "الحرة"، "جفت الدموع من عينيّ وبدأ قلبي ينزف قهراً وعذاباً وأنا أرى ابنتي بهذا الحال، أعمل وابني كل ما في وسعنا لتأمين كلفة علاجها، فقط مؤسسة الإمام الصدر خصصت وما تزال مبلغاً شهرياً لها، كما أن الشركة التي تعمل فيها استمرت بدفع راتبها، ومديري في العمل يقف إلى جانبي في هذه المأساة التي ألزمتني العيش على المسكنات".

ما بين 1500 و2000 دولار كلفة علاج لارا شهرياً في مستشفى "بحنس" حيث ترقد، عدا عن أدويتها وحاجياتها، لم تسجلها والدتها في وزارة الشؤون الاجتماعية؛ لأنها تعلم كما تقول إن "أياً من الجهات المعنيّة وتحديداً وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية لا تحرك ساكناً ولا تقوم بأدنى واجباتها"، وتشدد على أن "القضية أكبر من ابنتي، فهي تتعلق بآلاف الجرحى ومئات الضحايا، بمنطقة نكبت وبيوت هدمت، وبحياة عائلات انقلبت رأساً على عقب، ورغم عظم المصاب لا أتوقع أن تتحقق العدالة على هذه الأرض". 

لارا ووالدتها نجوى

يذكر أن الانفجار المروع، أسفر عن سقوط أكثر من 200 ضحية وإصابة ما يزيد عن الـ 7000 آخرين، إضافة إلى دمار جزء كبير من العاصمة، أما سببه فعزته السلطات اللبنانية إلى تخزين 2700 طنا من نيترات الأمونيوم لمدة نحو 7 أعوام داخل العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، من دون إجراءات وقاية، لتنفجر إثر اندلاع حريق لم تحدد أسبابه.

جوزيف.. والخسارة الفادحة

جوزيف غفري، واحد من الجرحى الذين خطف الانفجار قطعة من جسدهم، منه اختار ساقه، فارضاً عليه أن يمضي بقية عمره مستنداً على طرف اصطناعي. لحظة وقوع الكارثة كان غفري يمارس الرياضة بالقرب من منزله في منطقة الأشرفية، وإذ به يقع أرضاً قبل أن يسقط جدار فوقه، نزف ما يقارب الساعة لينقل بعدها إلى المستشفى ويبدأ رحلة علاج لم تنته بعد.

خضع غفري (59 سنة) لحوالي ست عمليات جراحية على نفقة وزارة الصحة، قبل أن تسحب يدها كلياً من علاجه، ويُجبر هو على تأمين كلفته وأدويته وطرفه الاصطناعي، ويقول "أول طرف اصطناعي حصلت عليه كان هبة من شيخة إماراتية، وبعد سنة كان لا بد من استبداله حكماً، فتبرع لبناني بثمنه منذ تسعة أشهر، لكن الطرف الجديد يتسبب لي بآلام، لذلك أبحث عمن يتكفّل بشراء بديل عنه، فلا يمكنني أن أنتظر مرور خمس سنوات كما يُفترض".

تسبب الانفجار كذلك بكسر كتف غفري، هو يحتاج بحسب ما يشير في حديث لموقع "الحرة" إلى عملية جراحية، يعجز عن إجرائها كون يتوجب عليه دفع ألفي دولار فرق تغطية تعاونية موظفي الدولة، في حين أن الأموال التي إدخرها صرفها على رحلة علاجه، ومع ذلك يشدد الوالد لطبيبة نفسية على أن "حالتي النفسية جيدة ومعنوياتي مرتفعة، من دون أن يقلل ذلك من الآلام التي مررت ولا زلت بها".

جوزيف غفري

ثلاث سنوات مرّت على الكارثة أتيحت للسلطات اللبنانية خلالها "التحقيق في أسباب الانفجار المدمر وإخضاع المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية للمحاسبة" ومع ذلك، فإنه لغاية اليوم، كما تقول نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في "منظمة العفو الدولية"، آية مجذوب، "لم يُحمَّل أحد بتاتاً المسؤولية عن المأساة".

وأضافت "بدلًا من ذلك، استخدمت السلطات كل السّبل التي في متناولها لتقويض التحقيق المحلي وعرقلته بـ(وقاحة) لحماية نفسها من المسؤولية – وترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب في البلاد"، مؤكدة أنّ "المجتمع الدولي ندّد مراراً وتكراراً بالتدخّل السياسي السافر للسلطات في التحقيق المحلي، بما في ذلك في بيان مشترك صدر في مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة في فترة سابقة من هذه السنة".

كما أشارت مجذوب إلى أنه "اليوم، تناشد أكثر من 300 من منظمات المجتمع المدني اللبنانية والدولية والأفراد والناجين وأسر الضحايا، مجلس حقوق الإنسان مجدّداً بالمبادرة على وجه سرعة إلى إنشاء بعثة دولية لتقصي الحقائق للتحقيق في أسباب انفجار مرفأ بيروت وتحديد هوية المسؤولين عن وقوع هذه الكارثة".

ليليان.. وبارقة الفرج

بعد أن أثارت قضيتها الرأي العام، بسبب حرمانها من رؤية طفلها وهي على سرير المستشفى، وكذلك اتهام عائلتها لزوجها بحجز جواز سفرها ومنعها من متابعة علاجها في الخارج، وصلت ليليان شعيتو قبل تسعة أشهر إلى تركيا، وأخبار وضعها الصحي مبشّرة، إذ كما تقول شقيقتها نوال "أصبحت تتحرك بشكل جيد، تأكل وتشرب وتجلس من دون مساعدة أحد، تركل الكرة وتنطق بضع كلمات، وتمشي أولى الخطوات، أملنا كبير بالنتيجة التي ستصل إليها بعد استكمال خطة العلاج التي وضعها الأطباء لها والتي تستغرق ما بين سنة ونصف إلى سنتين بحسب تجاوبها". 

لحظة وقوع الانفجار، كانت ليليان في وسط العاصمة اللبنانية لشراء هدية لزوجها، أصيبت في رأسها ودخلت في غيبوبة".

وتقول شقيقتها نوال لموقع "الحرة"، إن "وزارة الصحة اللبنانية لم تغط كلفة علاجها لا في لبنان ولا خارجه، ومن يتحمّل الآن فاتورة علاجها مغترب لبناني".

وتشدد قائلة: "دمّر الانفجار حياتنا ومستقبل ليليان، هو لم يجرحها جسدياً فقط، بل معنوياً ونفسياً، فقد تخلى عنها أقرب الناس إليها، ومنذ مغادرتها لبنان لم تر ابنها حتى عبر خاصية الفيديو كول، هي محرومة من أبسط حقوقها، كذلك حال طفلها الذي من حقه أن يراها، فعدم قدرتها على الكلام أو المشي لا يبرر حرمانها منه، فأي كتاب سماوي وأي قانون يشرعان ذلك، ورغم كل الصعوبات التي مررنا بها أنا متفائلة بأن بارقة فرج تلوح في الأفق".

لكن مدير العناية الطبيّة في وزارة الصحة الدكتور، جوزيف الحلو، يؤكد لموقع "الحرة" أن "الوزارة مستمرة بتغطية الجرحى ضمن القانون، وإلى حد الآن جميع عقود الصناديق الرسمية تدفع على سعر صرف 1500ليرة، في حين أن سعر صرف الدولار حوالي التسعين ألف ليرة، ما يعني أن ما تغطيه جزء لا يذكر من الفاتورة الاستشفائية" ويشدد "لن تحل مشكلة الجرحى إذا لم تقرّ الحكومة إنشاء صندوق خاص يغطي تكاليف متابعة علاجهم".

وعن سبب عدم تكفّل وزارة الصحة بعلاج لارا أجاب الحلو "لا يوجد أي صندوق ضامن متعاقد مع مستشفى بحنس"، وفيما يتعلق بليليان "تكفلت الجامعة الأميركية بعلاجها في لبنان"، ولفت إلى أنه "بعد وقوع الانفجار، تمّ تشكيل لجنة في مجلس الوزراء برئاسة وزارة الدفاع لمتابعة قضية الشهداء والمصابين".

رقم يعكس مدى الثقة

"لا يتجاوز عدد المعوّقين الذين سجلوا أسماءهم في وزارة الشؤون الاجتماعية ممن حددوا إصابتهم بانفجار المرفأ الـ30 شخصاً، أما عدد المعوقين المسجلين ضمن المناطق التي تضررت بالانفجار فيتجاوز الألف ومئتين شخص، وقد أصيب بعضهم في ذلك اليوم" بحسب ما تقوله مديرة برنامج تأمين حقوق المعوّقين في وزارة الشؤون الاجتماعية، هيام فاخوري.

ليليان

خلال الأشهر الستة الأولى من الكارثة، شكّلت وزارة الشؤون الاجتماعية بحسب فاخوري، "فريقاً زار المعوقين المسجلين لديها، وحوّل أسمائهم إلى جمعيات تقدم مساعدات، كون الوزارات المعنية لم يصلها شيئاً من الهبات التي كانت معظمها مشروطة بذلك، ولم يتم بعدها وضع أي برنامج خاص لمعوقي الانفجار".

ترد فاخوري سبب عدم تسجيل من أصيب بإعاقة نتيجة الانفجار لأسمائهم في وزارة الشؤون إلى احتمالات عدة منها "تغطية وزارة الصحة علاج جميع المصابين خلال الأشهر الأولى التي تلت الكارثة، بالتالي لم يكونوا بحاجة إلى بطاقة تخولهم الاستشفاء على حساب وزارة الصحة، مع العلم أن ليس جميع المصابين يمكنهم الحصول على بطاقة معوّق بسبب التصنيفات المعتمدة، كما أن مبادرة التسجيل شخصية وليست إلزامية". 

وعن تقديمات وزارة الشؤون لحاملي بطاقتها في ظل الأزمة الاقتصادية، شرحت فاخوري "الرعاية في المؤسسات التي لا تزال مستمرة في تقديم خدماتها رغم عدم دفع وزارة المالية لمستحقاتها وعدم رفع سعر الكلفة بشكل كاف، والحصول على شهادة إعفاء من الرسوم البلدية والأملاك المبنية والجمركية وبطاقة موقف خاص، كما أن مواليد 1995 إلى 2005 يحصلون منذ أبريل الماضي على 40 دولار شهرياً من اليونيسيف لمدة سنة كحد أدنى".

كما أن لحاملي بطاقة معوّق الأولوية في مراكز الخدمات الإنمائية ومستوصفات وزارة الشؤون الاجتماعية فيما يتعلق بالحصول على الأدوية بأسعار رمزية إذا توفرت، وتؤكد فاخوري أن "مراكز وزارة الشؤون الثمانية، دائما جاهزة ومستعدة لاستقبال جميع من يطلبون هذه البطاقة من دون أي تمييز". 

إصابات خفيّة

إضافة إلى الإصابات الجسدية، خلف الانفجار "آثاراً نفسية جماعية كبيرة وعميقة لدى كل من تعرّض له بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تمثلت بحسب مديرة جمعية "مفتاح الحياة"، الأخصائية النفسية والاجتماعية، لانا قصقص، "باضطرابات ما بعد الصدمة ومن أهم أعراض هذه الحالة، استعادة المشاهد والمشاعر المؤلمة مراراً وتكراراً، صعوبة النوم وعدم الرغبة بتناول الطعام، فقدان الأمان ورفض التفكير في المستقبل، الخوف من مواجهة حادثة مشابهة وتجنب الذهاب إلى مكان الكارثة والاقتراب من كل ما يرتبط بها، واليقظة المفرطة، كذلك الخوف المستمر والقلق".

أما من أصيبوا بإعاقات دائمة، فسيواجهون بحسب ما تقوله قصقص لموقع "الحرة"، "عوارض نفسية مضاعفة لعدم تقبل وضعهم بداية، ومن ثم سيمرّون بسيرورة التأقلم وصولاً إلى الشفاء النفسي، حالهم كحال من فقدوا عزيزاً في الانفجار".

وتشدد على أن "من لا يزال يعاني من عوارض اضطراب ما بعد الصدمة عليه طلب المساعدة من متخصص وإحاطة نفسه بأشخاص إيجابيين وداعمين له للسير على طريق الشفاء".

رغم كبر المصاب وعظم المعاناة، "عرقلت السلطات اللبنانية بشكل متكرر ومتعمد التحقيق في الانفجار طوال ثلاث سنوات" كما ذكر الباحث اللبناني في منظمة هيومن رايتس ووتش، رمزي قيس، معتبراً أنها تجاهلت "تماماً حق الضحايا وعائلاتهم في الحقيقة والعدالة".

وشدد خلال بيان صادر عن المنظمة، على أنه "ثمة حاجة إلى تحرك دولي لكسر ثقافة الإفلات من العقاب في لبنان". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا
شعبية الحزب في ارتفاع متواصل بألمانيا

حقق اليمين المتطرف في ألمانيا أكبر نجاح انتخابي له منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك بتحقيقه "نتائج قوية" في الانتخابات الإقليمية لمقاطعتي تورينغن وساكسونيا، شرق البلاد، متفوقا على أحزاب الائتلاف الحاكم الذي يقوده المستشار، أولاف شولتس.

ويعدّ انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في منطقة كانت تحت السيطرة الشيوعية خلال الحرب الباردة، ضربة قوية للأحزاب الثلاثة المكونة للائتلاف الحاكم والتي تكبدت خسائر كبيرة في هذه الانتخابات، وفقا لموقع "بوليتيكو".

وأصبح حزب البديل من أجل ألمانيا القوة السياسية الأولى في تورينغن بعد أن تقدم على خصومه بنسبة كبيرة من الأصوات، بينما حل ثانيا خلف المحافظين في ساكسونيا.

وتحدثت صحيفة "دير شبيغل" اليومية عن "زلزال سياسي في الشرق"، بينما وصفت صحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" النتيجة  بـ"المقلقة للديمقراطيين".

حزب فتي

وتأسس حزب البديل من أجل ألمانيا في 2013 كمجموعة مناهضة لليورو قبل أن يتحول إلى حزب معاد للهجرة، بعد تزايد أعداد المهاجرين خلال العقد الماضي، وبرز بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية التي أضعفت الاقتصاد الأول في أوروبا ورفعت الأسعار.

ويضم الحزب نحو 40 ألف عضو، بينهم 77 عضوا في البرلمان الاتحادي من إجمالي 733 عضوا، بحسب معطيات لموقع "دويتشلاند" الحكومي.

ويتم تصنيف الحزب من قبل المكتب الاتحادي لحماية الدستور على أنه "مشتبه فيه بالتطرف اليميني". وتخضع جهات من الحزب للمراقبة الأمنية بسبب تبنيها أفكارا متطرفة ومعارضة للقوانين المحلية.

ويتواجد الحزب في برلمانات جميع الولايات وكذلك في البوندستاغ، ويتمتع بشعبية كبيرة بشكل خاص في الولايات الشرقية.

وحقق الحزب نتائج قياسية في الانتخابات الأوروبية في يونيو، بحصوله على 15.9 في المئة من الأصوات. وهي أفضل نتيجة له على الإطلاق في الانتخابات التي يشارك فيها منذ تأسيسه قبل 11 عاما.

وبحسب استطلاعات سابقة، ارتفعت شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا، حيث يحظى بدعم 22 في المئة على المستوى الوطني، وتصل هذه النسبة إلى 30 في المئة في بعض الولايات.

وتزداد شعبية الحزب تحديدا في مناطق جمهورية ألمانيا الشرقية السابقة بسبب استمرار حالة من عدم المساواة منذ إعادة توحيد البلاد عام 1990، وأزمة ديمغرافية عميقة مرتبطة برحيل الشباب إلى مناطق أخرى على الرغم من الانتعاش الاقتصادي في شرق ألمانيا، وفقا لفرانس برس.

مواقف الحزب

وركز الحزب في بداياته على القضايا الاقتصادية بشكل رئيسي، ومع ذلك، شهد تحولا ملحوظا في أولوياته، منذ تزايد أعداد اللاجئين عام 2015، حين استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ.

وتحولت قضية الهجرة إلى محور أساسي في خطاب الحزب وبرامجه، إذ يربط المشاكل الاقتصادية في البلاد مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف الطاقة بازدياد أعداد المهاجرين.

ويتبنى الحزب أيضا خطابا قوميا شعبويا، يقوم على كراهية الأجانب ويرفع شعارات الحفاظ على الهوية والقومية الألمانية، وفقا لمنصة "فوكس".

وفي إطار سياساته التي تدعو للحد من الهجرة، يقترح الحزب زيادة عمليات ترحيل المهاجرين والحد من استقبال وافدين جدد.

كما يطالب بإنشاء معسكرات احتجاز خارج ألمانيا بهدف منع دخول المهاجرين إلى البلاد.

وبالإضافة إلى قضية الهجرة، يركز حزب البديل من أجل ألمانيا على موضوعي تغير المناخ وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

ويعتبر "البديل من أجل ألمانيا"، الحزب الوحيد في البلاد الذي ينكر تأثيرات التغيرات المناخية. ويستغل استياء جزء مهم من الألمان من السياسات البيئية الحالية للدعوة للتراجع عن التزامات البلاد في مجال الانتقال نحو الطاقة النظيفة والمتجددة والحياد الكربوني.

أما فيما يخص موقفه من الحرب في أوكرانيا، فقد تبنى الحزب مواقف مؤيدة لروسيا، ويطالب الحكومة بالامتناع عن إرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا.

ويستغل الحزب في هذا السياق التزام ألمانيا التاريخي بالنهج السلمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى التعاطف المستمر لدى بعض سكان أقاليم ألمانيا الشرقية تجاه الكرملين، نتيجة للفترة التي خضعت فيها المنطقة لسيطرة الاتحاد السوفييتي.

وفي قرار قضائي، بشهر مايو الماضي، رفضت المحكمة الإدارية العليا في ألمانيا طلب الحزب لإلغاء تصنيفه كـ"حالة متطرفة مشتبه بها".

ويتيح هذا القرار  لجهاز الاستخبارات الداخلية مواصلة مراقبة الحزب الذي أدى الكشف عن اجتماع سري ناقش فيه قادته ترحيل المهاجرين قسرا، إلى احتجاجات واسعة في البلاد.

ويصف خبراء البديل من أجل ألمانيا بأنه "الحزب الأكثر تطرفا"، متجاوزا باقي الأحزاب اليمينية المتطرفة الأخرى في أوروبا، وفقا لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، أشار إلى تبنيه (الحزب) أفكارا "تعارض حقوق التبني للأزواج المثليين، ودمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، وقانونية الإجهاض".

وبينما يؤكد التحليل أن "حزب البديل" من أجل ألمانيا وأمثاله من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية، لا تزال بعيدة عن الوصول إلى السلطة الكاملة، مقارنة بأحزاب مثل فيدس في المجر أو حزب القانون والعدالة في بولندا، يشدد على أن "نموذجه مبني على السعي لتقويض النظام الديمقراطي تدريجيا".

نتائج الحزب في الانتخابات

وتجرى انتخابات المقاطعات في ألمانيا في كل واحدة من الولايات الألمانية الـ16، حيث يقوم الناخبون فيها باختيار ممثليهم في البرلمان المحلي للولاية، والذي يعرف باسم "لاندتاغ".

وتعقد هذه الانتخابات كل أربع إلى خمس سنوات، وتختلف مواعيدها من ولاية لأخرى، وتهدف إلى تشكيل الحكومة المحلية وتحديد السياسات الخاصة بالولاية في مجالات مثل التعليم والأمن والثقافة.

كما أن لنتائج هذه الانتخابات تأثير غير مباشر على السياسة الوطنية، حيث تساهم في تشكيل مجلس الولايات الفيدرالي (البوندسرات).

ونظمت، الأحد، الانتخابات في المقاطعتين الشرقيتين، تورينغن وساكسونيا، في سياق أجواء متوترة، بعد نحو أسبوع من مقتل ثلاثة أشخاص في عملية طعن في مدينة زولينغن في غرب البلاد، وأقر مشتبه به سوري بتنفيذها وتبناها تنظيم داعش، مجددة الجدل بشأن الهجرة في ألمانيا.

وتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج في تورينغن إحدى أصغر المقاطعات في البلاد حاصدا 33.1 في المئة من الأصوات، متقدما على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ الذي نال 24.3 في المئة من الأصوات، وفق النتائج الأولية.

وفي ساكسونيا، تقدم حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وهو حزب المستشارة السابقة، أنغيلا ميركل، بفارق بسيط إذ نال 31.7 في المئة من الأصوات، وحل حزب "البديل من أجل ألمانيا" ثانيا، (31.4 في المئة) بنتيجة متقاربة.

ويشكل نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تورينغن سابقة في البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، حتى لو كان من غير المرجح أن يتولى السلطة الإقليمية مع رفض كل الأحزاب الأخرى عقد أي تحالف معه.

غير أن مراقبين، يخشون أن يؤدي نجاحه، الأحد، إلى تقوية حظوظ الحزب أيضا في براندنبورغ، شرق البلاد أيضا، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات المحلية في 22 سبتمبر، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست".

ويحتل الحزب اليميني المتطرف هناك حاليا المركز الأول في استطلاعات الرأي بنسبة 24 في المئة.

التداعيات على التحالف الحاكم

وبحسب بلومبرغ، تمثل النتائج ضربة مريرة جديدة لشولتس وحكومته، وتسلط الضوء على الخطر الذي تواجهه قبل الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في غضون عام واحد.

ومع تباطؤ الاقتصاد الألماني وتزايد القلق بشأن الهجرة، سجلت شعبية الأحزاب الحاكمة الثلاثة تراجعا حادا على المستوى الوطني.

وبدا هذا واضحا في نتائج أحزاب الائتلاف الحاكم، وهي الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب الديمقراطي الحر، إذ حصل الأول على نحو 6.5 في المئة والثاني على نحو 3.8 في المئة، والثالث على 1.2 في المئة فقط.

وتأتي هذه الهزيمة، بعد أن منيت الأحزاب الثلاثة بخسارة كبيرة في الانتخابات الأوروبية التي جرت في التاسع من يونيو، بعد فوز المحافظين وتنامي اليمين المتطرف.

ووفقا لبلومبرغ، فإن تراجع التحالف الحاكم، يأتي بعد أن تبددت الآمال في انتعاش الاقتصاد الألماني خلال عام 2024 بعد عامين من الركود، حيث لم يتحقق الارتفاع المتوقع في إنفاق المستهلكين، واستمرت معاناة القطاع الصناعي.

كما أن سنوات من نقص الاستثمار في البنية التحتية الأساسية تركت إرثا سلبيا لا يمكن تجاهله.

وأدى الخلاف داخل الائتلاف الحاكم أيضا بشأن كيفية معالجة تحديات ثالث أكبر اقتصاد في العالم، مع عدم القدرة على تقديم حلول فعالة، إلى فقدان ثقة الكثيرين في الأحزاب الحاكمة الثلاثة.

ورغم أن النتائج في ولايتي ساكسونيا وتورينغن لم تكن مفاجئة، إلا أنها قد تؤدي إلى مطالبات متجددة بإجراء انتخابات عامة مبكرة. كما قد تثير تساؤلات بشأن ما إذا كان شولتس هو الشخص المناسب لقيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي في الانتخابات المقبلة.