عبور
الفيلم توعوي عن العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي في لبنان

وصلت شظايا حملات التحريض ضد مجتمع الميم عين في لبنان، إلى فيلم "عبور"، الذي واجه حملة تجييش حالت دون تمكنه من العبور إلى المسرح الوطني اللبناني في طرابلس، رغم أن الجمعية المنتجة له تؤكد أن مضمونه بعيد عما يدّعي مهاجموه.

الفيلم الذي أثار بلبلة من إنتاج جمعية ورد للتنمية والتطوير، وقد روّجت له بأنه فيلم توعوي عن العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي، وبعد أن كان مقررا عرضه في الثامن عشر من الشهر الجاري تم تأجيل ذلك نتيجة الحملة التي شنت ضده.

أول من أطلق الحملة على الفيلم هو الباحث في الفكر والسياسة، أحمد القصص، الذي تساءل في منشور على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" فيما إن كان أهل "مدينة العلم والعلماء يسمحون باستباحة مدينتهم ويشرّعون أبوابهم لهؤلاء المفسدين في الأرض".

القصص اعتبر في منشوره أن "طرابلس مستهدفة مجدّداً بهجوم جندري... عبر سينما أمبير هذه المرّة"، شارحاً "ما يؤكّد التهمة على هذا الفيلم أنّ الجمعيات الداعمة للنشاط هي جمعيات نسوية أو جندرية، ومنها مؤسّسة Kvinna till Kvinna، بالعربية: المرأة للمرأة. إنّها مؤسّسة سويدية المنشأ، أهمّ ما يلفت النظر فيها أنّ استراتيجيتها للفترة 2023-2028 تتضمّن العمل على مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي (الجندر)".

لكن رئيسة جمعية ورد للتنمية والتطوير، المعالجة النفسية والأسرية، مهى الأتاسي الجسر، تؤكد أن "من يقف خلف تجييش الشارع ضد الفيلم والجمعية هم أشخاص يستخدمون أسلوب الترهيب بهدف إحداث بلبلة ومن خلفها شهرة لهم، ادّعوا أننا نروّج للمثلية الجنسية قبل مشاهدتهم الفيلم، مع العلم أن محتواه مستوحى من قصص نساء طرابلسيات سبق أن خضعن للتدريب في جمعيتنا، اطلعنا على معاناتهن، فرغبنا بالإضاءة عليها كخطوة أولى لمعالجتها في المجتمع الذي تكثر فيه تلك المآسي ومحاكمنا المدنية والشرعية شاهدة على هذه الحالات".

وتشدد الأتاسي في حديث لموقع "الحرة" على أنه "كان يفترض بمن شنّوا الحملة على الفيلم تطبيق الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. إلا أنهم هاجمونا من دون أن يتبيّنوا الحقيقة".

بين التوعية وعدم العبيثة

صوِّر "عبور"، وهو فيلم وثائقي مدته 12 دقيقة، في نوفمبر من العام الماضي، بما يتوافق كما تقول الأتاسي "مع البيئة الطرابلسية ومبادئها ومبادئ اللبنانيين، للمحافظة على الأسرة التي تعتبر أساس المجتمع، وهو يهدف إلى إيصال رسالة الباحثة النفسية ميلاني كلاين التي تؤكد أن وجه الأم مرآة لأطفالها، بمعنى أن حالتها النفسية تنعكس عليهم وكذلك على أسرتها وبالتالي المجتمع، فإما أن تكون رافعة أو مدمّرة لهم".

ومن أهداف الفيلم كذلك "الإضاءة على سلبيات العنف الاقتصادي المجتمعي وضرورة تمكين المرأة اقتصادياً كي تكون فعّالة ومنتجة ودعامة قوية لأسرتها وزوجها في ظل التحديات الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد، وتوعيتها قانونياً على حقوقها وواجباتها، ونفسياً كي تنشر الإيجابية في محيطها".

تشابه الأسماء بين الفيلم اللبناني وفيلم تونسي يتحدث عن المثلية الجنسية هو الذي أدى إلى شن الحملة ضده، كما تقول الأتاسي، شارحة "أنهينا تصوير الفيلم (الذي تأخر عرضه لأسباب لوجستية)، قبل عرض الفيلم التونسي على يوتيوب، ولم نسمع بالأخير إلا حين شنّت الحملة ضدنا"، مشددة " تشابه الأسماء لا يعني تشابه المحتوى، كما أن وجود داعم سويدي مشترك لا يعني أننا انصعنا الى أجندات غربية لمجرد وجود تمويل، ولا يعني أننا تخلينا عن حضورنا المحافظ، فالجمعية والقيّمون عليها يلتزمون بمبادئهم ولهم القدرة على فرض شروطهم لتحقيق غاياتهم وغاية المجتمع الطرابلسي على خلاف الكثيرين".

وشددت "بعد الذي حصل سنبقي على اسم الفيلم مع إضافة كلمة ثانية له، أي عبور إلى... تلافياً لأي لغط مستقبلي، مع العلم أن خصّ كلمة عبور بمجتمع الميم عين أمر ظالم بحق لغتنا العربية الواسعة وتجهيلٌ للمعنى الأصلي للكلمة التي تعني الاجتياز، كما أننا بدأنا بتصوير جزء ثان للفيلم".

لكن القصص يرى في حديث لموقع "الحرة" أن "لا مسوغاً لاسم الفيلم ولم يقع الاختيار عليه عبثاً، بل لأن محركات البحث عنه عبر الإنترنت تؤدي إلى مصطلح العبور الذي يدل على التحوّل الجنسي، عدا عن وجود فيلم تونسي عن المثلية الجنسية يحمل ذات الاسم".

كما أن الترويج للفيلم استند كما يقول القصص على مصطلحات معادية للشريعة الإسلامية وعناوين مشبوهة لا بل مدانة، منها "النوع الاجتماعي الذي يعني الجندر، ويفيد بوجود أكثر من جنسين للإنسان، أي مجتمع الميم عين، كذلك مصطلح العنف الاقتصادي الذي يعني عدم المساواة بين الذكر والأنثى، ويقوم على رفض أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين في الإرث ورفض ولاية الأب على ابنته في التزويج وفكرة القوامة وغيرها"، ويشدد "أياً يكن مضمون الفيلم يكفي اسمه والشرح الذي روّج له للهجوم عليه".

من جانبه يرى مسؤول التواصل في منظمة حلم، ضوميط قزي، أن "الهجوم على الفيلم، هو نتيجة مباشرة لحملات التحريض ضد أفراد مجتمع الميم عين، هذه الحملات أصبحت عشوائية لذلك طالت الجمعيات النسوية المدافعة عن المرأة"، ويشرح "للأسف نحن نشهد قمعاً وحالات عنف غير مبررة تخرج أحياناً عن إطار المنطق كما حصل من خلال ربط فيلم عبور بالمثلية الجنسية، ما يعني أنه تمت شيطنته ليسحب بعدها من التداول إلى حين استبدال اسمه إرضاء لمن قادوا الحملة ضده".

تراجع تحت الضغط  

بعد الهجوم الذي شنّه القصص على الفيلم، وصلته رسالة من المسرح الوطني اللبناني، أفيد من خلالها أنه "ألغى عرض الفيلم إلى أن يتم التوضيح من الجهة المنظمة له للجهات التي اعترضت عليه".

ومما جاء في الرسالة أن "المسرح الوطني اللبناني هو مسرح مجاني مفتوح للجميع لعرض أعمالهم الفنية" وفيما يتعلق بفيلم عبور "ليس من إنتاج أو تنظيم المسرح"، وبناء لطلب الجهة المنتجة له "قدمنا لهم المسرح مجان لعرضه وإذا كان هناك أي اعتراض على ذلك يمكنكم توجيه اعتراضكم إلى الجهة المنتجة والمنظمة للفيلم فهي من يحق لها الرد". 

الأتاسي عبّرت عن استغرابها من موقف القيميين على المسرح الوطني اللبناني، لاسيما "لجهة نفيهم علمهم بالفيلم بعد تهديدهم من قبل مسلحين كما أطلعونا، رغم أن كل مشاهده صوّرت مدفوعة وليس مجاناً على مسرحه وبمشاهدة حيّة له وبمشاركة ممثلين الفيلم وهم أبناء المسرح الوطني، وقد برروا ذلك بخوفهم من التعرض لأي مكروه".

الخوف الأساسي كما تقول الأتاسي يجب أن يكون من المشاكل التي تعاني منها المرأة اللبنانية بشكل عام والطرابلسية بشكل خاص، ومنها "عدم الالتزام بما نصت عليه الأديان السماوية التي كرّمت المرأة وانصفتها، لذلك نجد أنها تحرم من الميراث وتعجز عن الحصول على طلاقها لعدم امتلاكها المال لدفع بدل أتعاب المحامي، ومنهن من لا يُسجَّل زواجهن في المحاكم الشرعية لأسباب مادية، وهناك من يُحرمن من اكمال تعليمهن أو يتعرضن للتنمر والتحرش والابتزاز في عملهن، أو يُستحوذ على ما ينتجنه من قبل والدهن أو زوجهن".

أما القصص فيعتبر أن "وضع المرأة في العالم الإسلامي بما فيه طرابلس ولبنان أفضل بكثير من وضعها في الحضارة والثقافة الغربية، والمشاكل التي أصابتها في بلادنا هي نتاج عدم تطبيق الشريعة الإسلامية بشكل كاف، وحل ذلك يكون عبر هذه الأحكام وليس الانتقال إلى الثقافة الغربية".

يذكر أن الشهر الماضي تعرّض فيلم "باربي" لهجوم ترأسه وزير الثقافة اللبناني محمد وسام المرتضى، حيث طالب بمنع عرضه في البلاد بحجة ترويجه "للشذوذ والتحول الجنسي، وتعارضه مع القيم الأخلاقية والإيمانية"، حسب تعبيره، وبعد تأجيل عرضه وافقت اللجنة المكلفة بالرقابة على أفلام السينما في لبنان على طرحه في جميع دور العرض.

حملات ترهيبية

الحملات ضد مجتمع الميم عين في مدينة طرابلس شمال لبنان لم تقتصر على الفيلم، فقبل أيام اقتحم أفراد بتغطية إعلامية مركزاً للتوعية على الصحة الجنسية في مجمع الرحمة الطبي تديره جمعية مرسى، وذلك بذريعة الترويج للمثلية الجنسية، حيث قاموا بتفتيش محتوياته واستجواب الطبيبة المسؤولة عنه.

"الهجوم على مركز طبي يقدم خدمات الصحة الإنجابية والجنسية لكل أفراد المجتمع بغض النظر عن انتمائهم الديني وجنسيتهم وهويتهم وميولهم الجنسية، وذلك بعد الحديث عن ترويجه للمثلية ومن ثم الزنى، هو مؤشر لمنحى خطير" كما يشدد قزي، ويتساءل "ما الذي يمنع من تهجّموا على هذا المركز من الهجوم على صيدليات وعيادات طبية أخرى لمنع تقديم خدمات مشابهة"؟

المستغرب بحسب قزي أن "المركز مرخص ومدعوم من وزارة الصحة ومع ذلك لم يعلّق الوزير فراس أبيض على الحادثة، كذلك حال نقابة الأطباء والجسم الطبي، رغم أن السكوت عن ذلك يعني شرعنة الاعتداء على مراكز مشابهة في مناطق أخرى".

وبعد الهجوم على المركز، نفى مجمع الرحمة الطبي التابع لجمعية الشباب الإسلامي "بشكل قاطع تقديم خدمات لدعم المثلية أو التشجيع عليها" مشدداً في بيان على أن "تلك الأخبار ملفقة وغير صحيحة ولا تمت للواقع بأي صلة"، ومعتبراً أن "الصحة حق أساسي للإنسان، ومهمة مجمعنا الطبي تقديم الرعاية الصحية بأعلى مستوى من الجودة، ونحرص كل الحرص على الحفاظ على ثقافة مدينتنا مدينة العلم والعلماء وقيمها".

وشرح البيان أن المجمع يقدّم "خدمات طبية وتأهيلية بالشراكة مع وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ودائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة" لافتاً إلى أن "مركز الرعاية الصحية الأولية يقدم كافة الخدمات الصحية ومن ضمنها خدمات الصحة الانجابية مثل متابعة المرأة الحامل وخدمات تنظيم الأسرة والكشف عن أمراض وسرطانات الجهاز التناسلي على يد نخبة من الأطباء الاختصاصيين بهدف تحسين صحة الأسرة".

خطورة.. رسمية

الأخطر أن مسؤولين لبنانيين مشاركون كما يقول قزي في "شيطنة المثلية الجنسية والتحريض عليها وتأجيج العنف ضدها"، آخرهم وزير الاعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد المكاري، الذي استقبل قبل أيام في مكتبه في الوزارة، وفداً ممن يطلقون على أنفسهم "إعلاميون وإعلاميات ضد الشذوذ الجنسي".

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، ذكر المكاري أمام الوفد أن "موضوع الشذوذ اليوم هو هاجس كل البيوت والعائلات. ونحن في لبنان متمسكون بالقيم العائلية وبتراث اجتماعي معين، ولكن المشكلة ليست بسيطة ولا تعالج بسرعة ربما بمشاركة الجميع والوزارات المعنية لاسيما التربية والشؤون الاجتماعية ويجب أن يدرس في اتجاهات عدة والاتجاه الأساس، هو التربية من الأجيال الصغيرة وصعوداً".
 
أضاف المكاري "هناك أمر يتعلق بالتكنولوجيا لا أحد يستطيع ايقافه، كما أن هناك مسائل ايجابية وسلبية دخلت كل بيت. الاعلام عموماً ملتزم بالثوابت المتعلقة بهذا الموضوع وهناك ما هو متعلق بالإنترنت حيث إننا نفتقد القدرة على ضبط هذا الأمر"، لافتاً إلى أنه "نحن على استعداد في مؤسساتنا لنشر الوعي، فالموضوع ليس بصغير ولبنان يتعرض كباقي البلدان لهذه الأمور، ونحن مستعدون بالشراكة مع وزارات ومؤسسات اخرى للقيام بكل ما من شأنه حماية مجتمعنا وأسرنا وقيمنا الاجتماعية".

اعتبار وزير الإعلام أن "المثلية ضد قيم العائلة والأخلاق، أمر مخز ومخجل" كما يقول قزي "لاسيما وأنه يمثل جهة رسمية يفترض أن تساوي بين جميع المواطنين، وهذا التصويب على فئة من المجتمع يؤكد عجز الحكومة اللبنانية ووزرائها عن تحقيق أي إنجاز، لا بل على العكس هم يساهمون في تدهور البلد أكثر".

وتوجه قزي إلى من يطلقون على أنفسهم "اعلاميون واعلاميات ضد الشذوذ الجنسي" بالقول "عليكم معرفة أن الانقضاض على أفراد مجتمع الميم عين هو فتح باب الانقضاض على أي إنسان لمجرد ابداء رأيه، وأول من سيطالهم ذلك هم الصحفيين والإعلاميين".

"عندما يتبنى أمثال هؤلاء من الاعلاميين ما يتداوله البعض حول وجود حملات تروّج للمثلية أو ما يسمونه الشذوذ الجنسي"، يعني كما يقول قزي "أنهم يطلبون من السلطات ضبط الخطاب العام وبالتالي قمع الصحفيين ووسائل الاعلام، وهذا يتنافى مع دورهم المهني ويدفع إلى التساؤل فيما إن كانوا أبواقاً لأنظمة عسكرية أو ميليشيات دينية أو فعلاً أنهم إعلاميون هدفهم تغطية المسائل التي تعني جميع المواطنين ومن ضمنهم أفراد المجتمع الميم عين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جلال ذياب خلال أحد خطاباته- أرشيف فرانس برس
جلال ذياب خلال أحد خطاباته- أرشيف فرانس برس

في أواخر أبريل 2013 كان جلال ذياب قد أنهى يوماً طويلاً اختتم فيه ورشة عمل عن حقوق الإنسان والأقليات في العراق، وهمّ بالخروج من مقر جمعيته ليفاجئه مسلحون برصاصات اخترقت حنجرته وقلبه، أسكتت صوته وأحالت قضيته إلى مجهول.

اغتيال جلال ذياب أثار الرأي العام داخل العراق وخارجه، ووصفه الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر دان بأنه "مخجل ومهين".

كان جلال ذياب كما يصفه رئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية سعد سلوم لـ"ارفع صوتك"، رجلاً "طويل القامة مرحاً ووسيماً" وكان "قادراً على مواجهة العنصرية بالسخرية"، وهي من الصفات التي جعلته رجلاً محبوباً في البصرة (أقصى جنوب العراق) حيث كان يعيش.

"مع ذلك دفع سواد بشرة ذياب به إلى هامش المجتمع، مثله مثل مئات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء"، يضيف سلوم.

ويشبّه ذياب بالناشط السياسي الأميركي من أصول أفريقية "مارتن لوثر كينغ"، ويعتبره "أحد أبرز رموز الحركة المدنية للدفاع عن حقوق السود في العراق".

عمل ذياب مع سلوم الذي تركز مؤسسته على حماية التنوع والحوار بين الأديان في أعمال عديدة مشتركة، وكان لديهما حلم مشترك هو "الحفاظ على تعددية المجتمع وتنوعه الثقافي".

 تأثر سلوم بموت ذياب كثيراً، فكتب عن حياته العديد من المقالات، وذكر سيرته في كتابه "ديناميات الهوية: نهاية وانبعاث التنوع في الشرق الأوسط".

"حركة العراقيين الحرة"

في عام 2007 أسس جلال ذياب "حركة العراقيين الحرة"، بعد ترشيح باراك أوباما لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث أعطى ذلك دفعة قوية لطموحه في تحقيق الحلم ذاته في بلده العراق.

وعبر تصريحات أدلى بها للإعلام عام 2008، قال ذياب "فوز أوباما عزز الروح المعنوية لدينا"، مضيفاً أن "حركة العراقيين الحرة ستكون أول من يتقدم بمرشحين سود في أي انتخابات عراقية حين تخوض انتخابات المحافظات عام 2009 بثمانية مرشحين".

يشرح سعد سلوم في كتابه أن دور ذياب "كان محورياً. فقد كان بليغاً، والبلاغة أن تسمي الأشياء بمسمياتها. وبهذا ارتقى إلى أن يكون أبرز ممثل لذوي البشرة السوداء في العراق".

وتابع أن ذياب "بقيادته للحركة الإنسانية استحق أن يحظى بتكريم بعثة الأمم المتحدة (يونامي) بوصفه أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان في العراق".

اتخذ ذياب من خلال حركته مواقف اعتُبرت جريئة على المستوى السياسي، أبرزها ترشيح السود العراقيين في الانتخابات من أجل عضوية مجالس المحافظات التي يقطنونها، ورغبتهم بمقاعد "كوتا" في البرلمان العراقي، أسوةً بالمكونات العراقية الأصلية والصغيرة.

نتيجة لذلك، ترشح عراقيون من ذوي البشرة السمراء إلى الانتخابات في عامي 2009 و2013، لكنهم لم يحصلوا على أي مقعد. 

وفي 2010 أسس ذياب جمعية "أنصار الحرية الإنسانية" التي كان هدفها اجتماعياً، فيما استمرت "حركة العراقيين الحرة" بالعمل السياسي، بحسب قول صلاح رخيص سلمان، المدير التنفيذي للجمعية.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "الجمعية على المستوى الاجتماعي أقامت ورشاً تدريبية لتعليم مهن جديدة للشباب للفقراء من أبناء البشرة السمراء لانتشالهم من الظروف التي عاشوا فيها. كما أطلقت دورات تعليمية في مجالات مهنية عدة مثل الخياطة والكومبيوتر والحلاقة وجرى وضع صندوق مالي لمساعدتهم".

الجمعية أيضاً، يقول سلمان "أسست مدرسة لمحو الأمية بين مجتمع البشرة السمراء بدءاً من عام 2010 وحتى اغتيال جلال ذياب عام 2013، عبر دعم تم تقديمه من السفارات الأميركية والفرنسية والأسترالية وغيرها".

الناشط ماجد الخالدي- فرانس برس
العراقيون الأفارقة.. اضطهاد الماضي يخيم على الحاضر
يعيش عشرات آلاف العراقيين من ذوي البشرة السمراء في الأنحاء الجنوبية من العراق، وتختلف الروايات حول الأصول العرقية التي جاؤوا منها، إلا أن أغلب الآراء تربطهم بالعبيد الذين قدموا من شرق أفريقيا لاستصلاح الأراضي الزراعية في القرن الأول الهجري.

المطالبة باعتبارهم "أقلية"

في تصريحاته الصحافية، كان ذياب يؤكد أن ذوي البشرة السمراء يعانون من التمييز في العراق بسبب لون بشرتهم وبسبب عدم انتمائهم إلى قبائل في بلد تعتبر فيه التقسيمات العشائرية والأصول أمراً له أهمية كبيرة في حياة سكانه.

ورأى أن السود يوضعون في "مرتبة أدنى وهو أمر يرجع جزئياً إلى تاريخ من العبودية".

من أقوال ذياب: "لغاية اليوم لم يُعطَ الأسود حقه. لا نرى في مجالس المحافظات أو في البرلمان مدراء أو سفراء… لدينا كفاءات عديدة ولدينا شهادات الدكتوراة. لكن، للأسف الشديد لم نجد أي اهتمام".

كانت "حركة العراقيين الحرة" أول منظمة تطرح هذه الأفكار وتوجتها بترشيح ثمانية من أعضائها لانتخابات مجالس المحافظات، وواجهت تحفظات من المجتمع البصري كون الأخيرة تتضمن أكبر تجمع لذوي البشرة السمراء في العراق. 

من أبرز مطالب ذياب، اعتبار ذوي البشرة السمراء في العراق "أقلية " حتى تكون لديهم "مادة في الدستور تحميهم وتعاقب من يستخدم كلمة  عبد بوصفها قذفاً". 

وقال إن "أذل كلمة يوصف بها الإنسان هي كلمة العبد. العبد الذي ليس له قرار، العبد الذي ليس له كرامة، العبد الذي ليس له إنسانية. هذه الكلمة مؤذية جداً، السود فقط يحسّون بذلك".

ولكن الهدف الأساس من الترشيح بحسب سلمان، أن تصل "قضيتنا إلى مختلف أنحاء العراق، لأننا كنا نعي صعوبة الحصول على مقعد في مجلس المحافظة أو في البرلمان، وسط سيطرة الأحزاب الكبيرة على النتائج، ورغبتنا أن نكون مستقلين ونمثل ذوي البشرة السمراء. وهو ما حصل فعلاً".

 

فيلم.. لم يكتمل

يروي سعد سلوم عن جلال ذياب: "كان لديه حلم بسيط وعظيم، وهو أن يبني متحفاً للثقافة السوداء في العراق. يحركه لتنفيذ حلمه إيمان بأن للسود فضل تم إنكاره في تحديد هوية البصرة الثقافية في الموسيقى والغناء والرقص، بل ومن خلال مكانة البصرة المركزية في تشكيل خريطة الهوية الثقافية للخليج بأسره".

وكان يسعى "لإعادة تصنيع الآلات الموسيقية التي اختفت، وتجميع الآلات الموسيقية المرافقة للطقوس الأفريقية"، بحسب سلوم.

وخلال سعي سلوم لإنتاج فيلم وثائقي يتحدث عن معنى أن تكون أسود في العراق، يقول "قادني جلال في غابة من الطقوس المبهرة للسود في البصرة. وحاولتُ تسجيل الطقوس التي يؤديها ذوو البشرة السمراء في المكايد وهي طقوس دينية شفاهية ترافقها معزوفات تنتقل من جيل إلى آخر عبر الزمن، إلا أن الفيلم لم يكتمل".

"لكي لا يضيع صوت جلال وتضحيته، نحن مطالبون بألا ننسى رسالته ومشروعه، وأن نعمل على تحقيقها"، يتابع سلوم.

من جهته، يستذكر المدير التنفيذي لجمعية "أنصار الحرية" صلاح سلمان، ذياب، بقوله "حلمه لا يزال مستمراً رغم الأذى الذي تعرضنا له بعد عملية اغتياله".

ويشرح الأحداث التي تلت العملية، لـ"ارفع صوتك": "توقفت نشاطات المنظمة لعامين، حتى أن البعض هرب من البصرة بسبب عملية الاغتيال الغريبة وتوقيتها، الذي ترافق مع صعود نجم جلال ونشاطاته منذ تأسيس المنظمة إلى أن أُطلق عليه الرصاص".

بعد ذلك الوقت، يوضح سلمان "عدنا للعمل من جديد، إلا أن النشاطات تقلصت بنسبة 90% واليوم تقتصر نشاطاتنا على ورش العمل المتعلقة بحقوق الإنسان، وما زلنا نثقف حول حقوق ذوي البشرة السمراء في العراق".

"كما نسعى إلى إيصال صوتنا تحت قبة البرلمان وفي مجلس المحافظة، وهو طموح مشروع ويمكن تحقيقه، أيضاً كان يحلم به جلال"، يختم سلمان حديثه.