شرطة بلدية الغبيري تغلق محلا في سوق سويدان
شرطة بلدية الغبيري تغلق محلا في سوق سويدان

حملات تضييق الخناق على اللاجئين السوريين في لبنان مستمرة، وتتخذ منحى تصاعديا مع فرض بعض البلديات إجراءات تمييزية ضدهم، مما زاد من حالة القلق التي يعيشونها منذ إعلان الحكومة اللبنانية أنه "غير مرحّب بهم، وعليهم العودة إلى بلدهم".

من حظر تجولهم إلى تقييد قدرتهم على استئجار منازل، وإجبارهم على تزويد البلديات ببياناتهم الشخصية، والتهديد بترحيلهم، وغيرها من الإجراءات التي تطال اللاجئين السوريين في الفترة الأخيرة، يترافق ذلك مع خطاب كراهية مستعر ضدهم من قبل مسؤولين لبنانيين ووسائل إعلامية.

ويتضمن ذلك بث شائعات لإثارة الرعب منهم، كتسلل "عناصر وأمراء من داعش" عبر معابر غير شرعية إلى الأراضي اللبنانية، إضافة إلى مداهمة الجيش اللبناني لمخيماتهم، مما زاد من معاناتهم والتحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية.

إعادة بلديات لبنانية تصعيد إجراءاتها ضد السوريين، يأتي في إطار تطبيق القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء اللبناني الشهر الماضي، وعلى رأسها الطلب من وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، "التعميم على البلديات وجوب الإفادة الفورية عن أي تحركات وتجمعات مشبوهة تتعلق بالنازحين السوريين".

وكذلك "إجراء مسح فوري للنازحين السوريين القاطنين في النطاق البلدي وتكوين قاعدة بيانات عنهم، وإزالة التعديات والمخالفات كافة عن البُنى التحتية الموجودة في أماكن إقامتهم، والتشدّد في تطبيق قانون السير".

كما طلب مجلس الوزراء من مولوي "تعميم التشدد في قمع المخالفات المتعلقة بالمحلات التي تستثمر ضمن النطاق البلدي من قبل سوريين من دون حيازة التراخيص اللازمة والعمل على إقفالها فوراً، وإحالة المخالفين على القضاء المختص، والطلب من الجمعيات كافة، لا سيما الأجنبية منها، وجوب التنسيق مع الوزارات والإدارات والأجهزة العسكرية والأمنية تحت طائلة سحب العلم والخبر منها، بناء على تقارير ترفع لهذه الغاية من قبل الإدارات والأجهزة المعنية، لاسيما من قبل المديرية العامة للأمن العام".

بلديات "تفوّقت بالقمع"

وتتشدد السلطات اللبنانية أكثر فأكثر في التعامل مع ملف اللاجئين السوريين، إلى درجة اعتبار أكثر من مسؤول أن وجودهم أصبح يشكل "خطراً وجودياً" على لبنان.

وقبل أيام، اعتبر مولوي أن "النزوح السوري لم يعد يُحتمل، وهو يهدد ديمغرافية لبنان وهويته"، مثنياً خلال رعايته أعمال مجلس الشؤون البلدية والاختيارية المركزي في قصر اليونيسكو في بيروت، على عمل ودور العديد من البلديات، لا سيما بيروت وطرابلس وسن الفيل والغبيري والدكوانة.

إثناء مولوي على هذه البلديات جاء كونها "كانت سبّاقة في ضبط وجود النازحين السوريين وتطبيق القانون"، لافتاً إلى أن "مشكلة النزوح كبيرة وشائكة، ويجب أن نتعامل معها من منطلق حرصنا على وجود ومصلحة لبنان وبالقانون".

لاجئون سوريون
"تهديد وجودي".. هل دعا قائد الجيش اللبناني إلى قتل السوريين فعلا؟
تداولت وسائل اعلام لبنانية كلاماً خطيراً نسب إلى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزيف عون، خلال اجتماع تشاوري للحكومة حول "ملف النزوح السوري إلى لبنان"، عقد في السراي الحكومي قبل ظهر الاثنين الماضي، حيث نقل عنه قوله إن "تهريب السوريين عبر الحدود بات تهديداً وجودياً، وقد نضطر إلى الاشتباك معهم، أو أن نقول للجيش تحركشوا فيهم ليعتدوا عليكم، ليكون لدينا عذر بأن نَقتُل بالقانون".

ودعا مولوي إلى "إزالة المخالفات في كل البلديات والاتحادات، وإلى حماية الأملاك العامة والمشاعات الخاصة بالدولة اللبنانية التي هي حق كل مواطن"، لافتاً إلى أن "البلديات تعوض تقصير الدولة في الأزمات".

من البلديات التي أشاد بها مولوي، بلدية بيروت، التي أطلقت حملة لإزالة كافة أشكال المخالفات والتعديات على الأملاك العامة، وتم تسيير دوريات في شوارع العاصمة على مدار الساعة، تنفيذاً لقرار المحافظ القاضي مروان عبود، حيث يجري العمل على قمع الدراجات النارية غير القانونية، وضبط الأشخاص المخلّين بالقانون، وتسليمهم مع المضبوطات إلى المراجع المختصة.

كما كان لبلدية الدكوانة (قضاء المتن في محافظة جبل لبنان) التي تعرف بتشددها منذ سنوات تجاه السوريين، نصيبها من ثناء مولوي، فسبق أن شنّت حملة إقفال المحلات التي يشغلونها، معلنة "رفضها القاطع السماح للأجانب باستئجار المحلات التجارية في أي سوق من أسواقها".

كما أكدت على "عدم السماح بإدارة المحلات ذات الصناعات الخفيفة، التي تؤثر سلباً على التاجر اللبناني والصناعي، من حيث المضاربة غير المشروعة ونوعية البضائع".

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أكد رئيس بلدية الدكوانة، المحامي أنطوان شختورة، أنه "يطبّق قرارات وتعاميم الحكومة، ووزيري الصناعة والداخلية ووزيري العمل سابقاً".

وقال: "البعض يتهمني بالعنصرية رغم أني أتصرف وفقاً للقانون وكرئيس بلدية حقوقي، وإن كان رأي الشخصي حول النزوح السوري أنه أصبح عبئا على البنى التحتية والاقتصاد اللبناني، بالتالي أؤيد عودتهم إلى بلدهم".

وكان وزير الصناعة جورج بوشكيان، قد حذّر المصانع العاملة على الأراضي اللبنانية، من "استخدام عمّال سوريين لا يحوزون أوراقاً وتراخيص قانونية، وذلك تحت طائلة وقف عمل تلك المصانع وسحب تراخيصها".

ويقدر عدد السوريين في منطقة الدكوانة، حسب شختورة، "بحوالي 1500 لاجئ، ومن الإجراءات التي اتخذتها البلدية لضبط تواجدهم، منع تأجير مسكن لمن لا يملك أوراق ثبوتية قانونية، ومنعهم من فتح مؤسسات من دون حيازة التراخيص القانونية".

حملات متواصلة

حظيت بلدية الغبيري (في الضاحية الجنوبية لبيروت) كذلك بإشادة وزير الداخلية. وكانت أعلنت في الـ29 من سبتمبر الماضي، مباشرة شرطتها "إجراءات الكشف على كافة المحال والمؤسسات والشركات وورش المهن الحرة التي يديرها نازحون سوريون في نطاقها البلدي، للتثبت من حيازتهم التراخيص القانونية وفي حال وجود مخالفات تم العمل على إقفالها فوراً".

وأوضحت في بيان أن "هذه الحملة ستستمر يومياً، إضافة إلى الإجراءات الخاصة بمنع الأجانب من قيادة الآليات دون تسجيل أو رخصة قيادة أو أوراق ثبوتية".

وعبر صفحته على منصة "إكس"، أعلن رئيس بلدية الغبيري، معن خليل، "بدء إقفال سوق سويدان الذي يضم أكثر من 50 محلاً تجارياً، ومطاعم معظمها مؤجرة لأجانب، أو يعمل فيه عمال أجانب خلافاً للقانون".

وفي تغريدة أخرى، أعلنت المؤسسات التربوية الواقعة ضمن نطاق البلدية، "مسح أوضاع الطلاب الأجانب المسجلين في مدارسها لناحية استيفاء ذويهم الشروط القانونية للإقامة على الأراضي اللبنانية".

وفي حديث مع موقع "الحرة" أكّد خليل، أنه "يطبق تعاليم وتعاميم الحكومة ووزير الداخلية".

وأضاف: "البلدية سلطة محلية، بالتالي تدخل هذه الإجراءات ضمن مهامها، مع العلم أنه منذ فترة طويلة نضبط المخالفات من دون أن تسلّط وسائل الإعلام الضوء على ذلك. إجراءاتنا بعيدة عن العنصرية، ونشكل يومياً فرقاً إضافية لضبط كل التجاوزات".

ويقدّر عدد اللاجئين السوريين في منطقة الغبيري، كما يقول خليل، "بـ50 ألف سوري"، ويشير إلى أن "النازحين يشكلون ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً على كل لبنان وليس فقط منطقتنا".

وتابع :"تسببوا بارتفاع بدلات الإيجارات، وعدم عثور اللبناني الفقير على غرفة لاستئجارها، إضافة إلى ارتفاع الكلفة التشغيلية لمصالح اللبنانيين الذين يدفعون الضرائب على عكس تلك التي تعود للسوريين، مما شكّل عنصر منافسة قوي، وأدى إلى توقف جزء من المصالح اللبنانية".

اللافت هو انضمام "حزب الله" إلى "نادي" المطالبين بعودة اللاجئين إلى سوريا.

والإثنين، دعا أمين عام الحزب، حسن نصر الله، إلى "وضع استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة هذا الملف"، مهددا بـ"تسهيل ترحيل السوريين عبر البحر إلى أوروبا".

وقبل أيام، أكّد مسؤول ملف النازحين في "حزب الله"، النائب السابق نوّار الساحلي، أن "ما بين 40 إلى 45 بالمئة ممن يقطنون في لبنان، هم من الجنسية السورية، وهذا أمر غير موجود في أي بلد في العالم".

وفي حديث إذاعي، اعتبر الساحلي أن "النزوح بات يؤثر على الوضع الاقتصادي وفرص العمل"، قائلاً: "للمرة الأولى في تاريخ لبنان، يتفق الفرقاء اللبنانيون على حقيقة خطر النزوح السوري على لبنان؛ لأن الجميع أصبح يشعر به"، معتبراً أنّ "الحلّ يكون ببدء عودة العائلات السورية إلى بلدها".

كما كان لطرابلس في شمال لبنان حصة من ثناء مولوي، وقد سبق أن أصدر محافظ لبنان الشمالي، القاضي رمزي نهرا، في أبريل الماضي، تعميما متعلقاً بتنظيم العمالة الأجنبية في محافظة الشمال "حفاظاً على السلامة والأمن العام".

وقبل أيام أصدر تعميما آخراً لـ "تنظيم وجود النازحين السوريين ومكافحة عمليات التسلُّل غير الشرعي للأراضي اللبنانية"، حيث طلب من كافة القائمقام التعميم على البلديات الواقعة ضمن نطاق محافظة لبنان الشمالي، اتخاذ إجراءات حددها في تعميمه من شأنها تضييق الخناق أكثر على اللاجئين.

شائعات.. "إرهابية"

بعد أن أثار في مارس الماضي زوبعة من الردود على تصريحه حول راتبه الذي "بات أقل مما يتقاضاه النازح السوري"، يستمر محافظ بعلبك، الهرمل بشير خضر، بحملته على اللاجئين.

وقبل أيام، أعلن أن "عددهم في المحافظة بلغ 315 ألف سوري، وهو يفوق عدد اللبنانيّين القاطنين فيها، البالغ حوالي 250 ألفاً".

وفي حديث مع موقع "الحرة"، أرجع خضر ارتفاع عدد اللاجئين في محافظة بعلبك الهرمل إلى "ارتفاع عدد الولادات والزواج المبكر وتعدد الزوجات لديهم"، لافتاً إلى أن "أعداد النازحين الذي عادوا إلى سوريا قليلة جداً مقارنة بالأعداد التي دخلت إلى لبنان، كما أن أعمار نصف السوريين تقريباً في المحافظة دون الـ 15 سنة".

وشدد خضر على أنه "ينفّذ القرارات الصادرة عن وزارة الداخلية، في حين تواجه بعض البلديات عوائق لضبط الوضع وإحصاء عدد النازحين، عدا عن أن بعض رؤساء البلديات يتراخون بتطبيق القانون".

ومن الإجراءات التي اتخذها خضر كما يقول، "إيقاف عمل جميع الأطباء والممرضين والصيادلة السوريين في المستشفيات والمراكز الصحية اللبنانية في المحافظة، كون ذلك ممنوع قانوناً، وتشديد الرقابة على نشاط الجمعيات، باستثناء اليونيسف ومفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، حيث بات يمنع على أي جمعية الدخول إلى مخيمات اللاجئين من دون إذنه، ولا تعطى الموافقة على أي مشروع تريد القيام به إذا لم يلحظ اللبنانيين".

وبعد تداول إشاعة "دخول عناصر وأمراء من داعش إلى لبنان"، أوردت إحدى الصحف المحلية أن تقريراً أمنياً يشير إلى وجود "مخطّط إرهابي لدى جماعات أصولية إرهابية لتفجير أعمدة قلعة بعلبك".

وعلّق خضر على ذلك، بالقول: "هذا الخبر عار من الصحة وغير ممكن تقنياً، فتفجير هذه الأعمدة يحتاج إلى خبير متفجرات وكمية كبيرة منها وتمضية ساعات طويلة لزرعها أسفل قواعد الأعمدة، والسبب وراء هذه الاشاعة هو النجاح المدوّي للموسم السياحي في بعلبك هذا العام، والأعداد الكبيرة للسياح، لا سيما الأجانب منهم".

ورغم إجماع غالبية المسؤولين اللبنانيين على ضرورة عودة اللاجئين إلى وطنهم، فإن هذا الملف يشكّل انقساماً حاداً بين بعضهم، لاسيما بين وزير المهجرين عصام شرف الدين، ووزير الخارجية عبد الله بو حبيب.

وقبل يومين، شهد برنامج على قناة محلية سجالاً حاداً بينهما، حيث طلب بو حبيب من شرف الدين "تخفيف الحكي، لأنه لن يستطيع فعل شيء في هذا الملف"، ليرد شرف الدين عليه بالقول: "لا يعنيني ما يقول هذا الرجل. وأقدر عمره"، قبل أن يتطاول عليه بالكلمات.

"تمييز وعنصرية"

سبق أن وجّه وزير الداخلية والبلديات القاضي، مولوي، في مايو الماضي، كتاباً إلى المحافظين، ومن خلالهم إلى القائمقامين والبلديات والمخاتير في القرى التي لا توجد فيها بلديات، والتي يتواجد فيها لاجئون سوريون؛ لـ"إطلاق حملة مسح وطنية لتعداد وتسجيل كافة النازحين السوريين المقيمين ضمن نطاقها".

وطلب من المخاتير "عدم تنظيم أي معاملة أو إفادة لأي نازح سوري قبل ضم ما يُثبت تسجيله، وغيرها من الإجراءات". كذلك وجّه كتاباً إلى وزارة العدل للتعميم على كافة كتاب العدل "بعدم تحرير أي مستند أو عقد لأي نازح سوري دون بيان وثيقة تثبت تسجيله في البلدية".

كما توجّه إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، آملا التجاوب بإقفال ملفات "الذين يعودون إلى بلادهم طوعاً وإخطار مفوضية الأمم المتحدة بذلك، وعدم إعادة فتح ملفاتهم، حتى لو عاودوا الدخول إلى لبنان، وإفهام النازحين السوريين أن ورقة اللجوء لا تعتبر إقامة، وتزويد المديرية العامة للأمن العام بداتا (معلومات) مفصلة عنهم".

وخلال لقائه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الإثنين، اعتبر مولوي أن معضلة النزوح السوري "ينبغي أن تحل بطريقة علمية ومنطقية وبالمتابعة والمثابرة بدءاً بالسياسة، ولاحقاً بكل الإجراءات الإدارية والأمنية التي تنفّذ على الأرض، وهذا ليس موضوعاً للمزايدة".

قرارات الحكومة ووزير الداخلية اللبنانية دليل جديد، كما يرى مدير المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، على "تهرّب المسؤولين اللبنانيين من مسؤوليتهم".

وقال: "بدلاً من تعريف اللاجئ ووضع آلية جدّية لإدارة ملف اللجوء، يتم تحميل المسؤولية تارة إلى الأمم المتحدة ومنظماتها، وتارة أخرى إلى المجتمع الدولي، وحالياً تم رمي المسؤولية على البلديات، مما فتح باباً لإشكاليات وتجاوزات غير قانونية".

وشرح الأسمر في حديث لموقع "الحرة"، أن "القانون اللبناني يحدد شروط لقيادة الآليات، يجب تطبيقها على اللبنانيين والأجانب وليس فقط على السوريين، كذلك الأمر فيما يتعلق بالمحال التجارية، لا أن يتم التمييز بناء على العرق، مما يجعل من هذه القرارات عنصرية، كما أن الدخول إلى منازل اللاجئين عنوة بذريعة تطبيق القانون أمر مخالف للقانون".

وأضاف: "للأسف يتعرض العديد من اللاجئين للانتهاكات بسبب سوريين يقيمون في لبنان بصورة غير قانونية، وبرضى السلطات اللبنانية المرتهنة للنظام السوري، والتي لا تجرؤ على منعهم من الخروج والدخول إلى لبنان متى أرادوا ذلك".

مصير مرهون

يساهم خطاب وإجراءات التحريض ضد اللاجئين في إثارة مشاعر العداء ضدهم، وتحميل المقيمين منهم في بلدة ما وزر ما يقوم به أحدهم.

مثال على ذلك ما حصل قبل أيام في برجا -إقليم الخروب، بعد اتهام لاجئ سوري بالتحرش بطفل، حيث طالب أهالي البلدة، البلدية ومخاتيرها "العمل سريعاً على تنظيم وجود الغرباء خصوصاً النازحين السوريين، مؤكدين على وجوب التشدّد في الإجراءات التي تحفظ أبناء البلدة ومصلحتهم وتحمي أبناءهم".

ومما دعا إليه الأهالي في بيان "منع تجول النازحين السوريين بعد الساعة السادسة مساءً إلا بتصريح من البلدية، وملاحقة كل سوري يفتح متجراً، وقمع القيادة العشوائية للدراجات النارية وغيرها".

ومنذ أعوام يتعرض اللاجئون السوريون في لبنان، بحسب المرصد "الأورومتوسطي"، إلى "ممارسات تمييزية وعنصرية، عدا عن القوانين التي تحد من قدرتهم على التمتع بحقوقهم الأساسية، لا سيما الحق في الصحة والعمل، إضافة إلى تعرّضهم لعدد كبير من الاعتداءات التي تسبّبت بمقتل عدد منهم وإحراق بعض المخيمات، والتي تكون غالباً مدفوعة بخطابات كراهية وتحريض".

"الهدف من القرارات التي تتخذها السلطات اللبنانية لإغلاق كل سبل العيش أمام اللاجئين السوريين، وادعاءات دخول مسلحين سوريين تابعين لتنظيم داعش عبر معابر غير شرعية وغيرها من الأكاذيب" كما يقول مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، هو "تضييق الخناق عليهم لدفعهم إلى العودة إلى حضن النظام السوري، ولا علاقة لانتشار الجريمة وانهيار الاقتصاد اللبناني بذلك".

وسيبقى مصير اللاجئين السوريين "الذين يواجهون عنصرية متزايدة في لبنان وتركيا" مرهوناً بحسب ما يقول عبد الرحمن لموقع "الحرة"، بـ"الحل السياسي في سوريا، في وقت تعجز الدول الأوروبية عن استيعاب عددهم، فقد تستقبل المئات والآلاف منهم لكن قطعاً ليس الملايين".

مواضيع ذات صلة:

متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات
متظاهر يميني ضد وجود المسلمين والمهاجرين في بريطانيا خلال إحدى التظاهرات

في ظل تصاعد الهجمات العنصرية التي يقودها اليمين المتطرف في بريطانيا ضد المسلمين والمهاجرين، تعيش الجالية السورية حالة من القلق والصدمة.

هذه الهجمات التي ترافقت مع اعتداءات لفظية وجسدية وتخريب للممتلكات، تعد الأسوأ منذ 13 عاما، وتهدد الأمان والاستقرار الذي كان السوريون يأملون العثور عليه في بريطانيا باعتبارها ملاذا آمنا لجأوا إليه بعيدًا عن الاضطهاد والتمييز والعنف في بلادهم، أو في البلاد التي انتقلوا منها.

تقول السورية تاليا بابكير (39 عاما) المقيمة في مدينة مانشستر شمال غرب العاصمة البريطانية لندن، إن "الهجمات الأخيرة التي طالت المهاجرين لم تقتصر على الاعتداءات اللفظية، بل امتدت للتهديدات والاعتداء الجسدي وتخريب الممتلكات، ما يعكس تحولًا خطيرًا في التعامل مع المجتمعات المسلمة والمهاجرين".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن هذه الحوادث التي "كانت تعتبر فردية ومعزولة في السابق" باتت اليوم "جزءًا من توجه متنام للإسلاموفوبيا في المملكة المتحدة".

وتلفت تاليا إلى وجود ارتفاع في جرائم الكراهية الدينية، الأمر الذي ما دفع الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراءات صارمة من أجل "منع تفاقم أعمال العنف ضد المهاجرين والمسلمين، الذين أصبحوا يجدون أنفسهم الآن في موقف دفاعي، بعد أن كانوا يعتقدون أن بريطانيا ستكون ملاذهم الآمن" على حد تعبيرها.

واندلعت الاحتجاجات ضد المسلمين في بريطانيا يوم 29 تموز الماضي، بعد مقتل ثلاث فتيات تتراوح أعمارهن بين السادسة والتاسعة في هجوم على حفل للأطفال في بلدة ساوثبورت شمال إنجلترا، وأصيب 10 أشخاص بينهم ثمانية أطفال وبالغان اثنان.

ورغم أن الشرطة البريطانية ألقت القبض على فتى أيرلندي يبلغ من العمر 17 عاما، إلا أن معلومات كاذبة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أفادت بأن المشتبه به هو مهاجر مسلم متطرف، ما أدى إلى احتجاجات عنيفة مناهضة للمسلمين في ساوثبورت في اليوم التالي، ومحاولة مهاجمة مسجد البلدة.

ولاحقا تجمع آلاف المحتجين بالقرب من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت وسط لندن، واندلعت بعدها عشرات أعمال الشغب في شمال شرق وشمال غرب وجنوب إنجلترا وفي ايرلندا الشمالية، شارك فيها مئات الأشخاص الذين استهدفوا المهاجرين والمسلمين وأحرقوا مركبات الشرطة وألقوا حجارة وزجاجات على المساجد، وعلى فنادق تؤوي مهاجرين وطالبي لجوء، كما تعرضت بعض المتاجر المملوكة لمهاجرين للتخريب والنهب.

 

صدمة السوريين

يقول ريان (27 عاماً) الذي وصل إلى بريطانيا منذ أربعة أشهر، بعد معاناته لسنوات من التمييز العنصري في تركيا: "كنت أعتقد أنني سأجد الأمان هنا، لكنني فوجئت بالأحداث العنصرية الأخيرة، فقد تعرض الفندق القريب من شقتي في مدينة ليدز، لهجمات عنصرية".

ويشير لـ"ارفع صوتك" إلى أن هذ الفندق يؤوي طالبي اللجوء من مختلف الجنسيات"، مبيناً "تم تهديد قاطني الفندق وتكسير نوافذه بسبب رمي الحجارة. هذه الحوادث جعلتني أشعر بصدمة كبيرة وخوف تجاوز ما شعرت به في تركيا، لأني اعتقدت أن بريطانيا تحترم حقوق الإنسان وتحارب التمييز".

من مدينة لندن، تقول راما مرشد (30 عاماً)، التي  وصلت إلى بريطانيا عام 2020 بعد أن فرّت من الصراع في سوريا: "حصلت العديد من الأحداث كالشتم، والإهانات، والتحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتداءات على المساجد وأماكن تجمعات المسلمين".

وتلفت إلى "حادثة مروعة شهدتها عندما كانت في زيارة لأحد أقاربها الأسبوع الماضي في مدينة ميلتون، إذ هاجم أحد الأشخاص منزل عائلة مهاجرة حاملا سكينا وهددهم بالطعن، وأطلق شتائم عنصرية".

"لحُسن الحظ تدخل الجيران وأبلغوا الشرطة التي اعتقلت المعتدي، لكن تلك الحادثة جعلتني أشعر بالرعب على أطفالي، حتى أن ابنتي الصغيرة قالت لي إنها لم تعد ترغب في الخروج من المنزل خوفا من تعرضنا للاعتداء"، تتابع راما.

الحوادث العنصرية المتصاعدة لم تؤثر فقط على مشاعر الخوف والقلق بين السوريين في بريطانيا، بل أثرت أيضا على سير حياتهم اليومية، فالكثير من العائلات السورية أصبحت تخشى التجول في الشوارع ليلاً، وتتجنب الأماكن التي قد تتعرض فيها لاعتداءات.

يقول أحمد ديوب، وهو لاجئ سوري يعيش في مدينة مانشستر "ابنتي تعرضت للشتم في الشارع بسبب حجابها، وهذا أمر لم أتوقعه أبداً في بريطانيا... كنا نعتقد أننا سنجد الأمان هنا، لكن نحن نشعر الآن بالخوف على حياتنا وحياة أطفالنا".

ويؤكد أنه "ليس الوحيد الذي يعاني، فالكثير من السوريين أسوة بالمهاجرين الآخرين يشعرون بالخوف من التعرض للاستهداف بسبب دينهم وأصولهم".

 

مليون حادثة عنصرية في عام

أورد تقرير  أعدته مؤسسة PROTECTION APPROCHES  بالتعاون مع مركز دراسات الكراهية في المملكة المتحدة التابع لجامعة "ليستر"، أن البيانات المسجلة لدى الشرطة شهدت تصاعداً في مستويات جرائم الكراهية.

وأفاد التقرير الذي نشر في أبريل الماضي، أن 45% (430,000) من المهاجرين تعرضوا لجريمة كراهية، وأن 55% منهم تعرضوا لأكثر من حادث واحد، في إشارة إلى ما يقرب من مليون حادثة عنصرية، استهدفتهم خلال عام مضى.

وبيّن التقرير أن غالبية جرائم الكراهية التي يتعرض لها الأشخاص من شرق وجنوب شرق آسيا في المملكة المتحدة، لا يتم الإبلاغ عنها بسبب انخفاض الثقة في السلطات، حيث يبلّغ 10% فقط  منهم عن جرائم الكراهية للشرطة.

بحسب موقع برلمان المملكة المتحد، تمت بين عامي 2014 ومارس 2024 إعادة توطين 57000 شخص إلى المملكة المتحدة، وكان حوالي 20 ألف منهم من السوريين الذين أُعيد توطينهم بين عامي 2014 و2020.

كما أوضج التقرير أنه قبل عام 2011، لم يطلب أحد من سوريا اللجوء إلى المملكة المتحدة، وبين عامي 2011 و2021، مُنح قرابة 31 ألف سوري فار من الصراع حق اللجوء، وتمت إعادة توطين معظمهم مباشرة من دول ثالثة كتركيا ولبنان.