اغتيال صالح العاروري تم في الضاحية الجنوبية ببيروت
اغتيال صالح العاروري تم في الضاحية الجنوبية ببيروت

وسّعت إسرائيل ميدان مواجهتها مع حماس وحزب الله ومن خلفهما إيران، حيث تخطّت تبادل قصف المواقع والبنى التحتية إلى عمليات الاغتيال، ناقلة الصراع إلى مرحلة جديدة، حيث نجحت خلال مدة زمنية قصيرة باستهداف قادة لما يعرف بـ"محور الممانعة"، عبر عمليات عسكرية وأمنية، تجاوزت حدود غزة وجنوبي لبنان إلى سوريا ومعقل الحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت.   

فمن دون تهديد، بدأت عمليات اغتيال مسؤولين في حزب الله وإيران، وذلك على عكس العمليات التي طالت قادة حماس، حيث سبق أن توعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، ورئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" رونين بار، ووزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، بتصفيتهم "في كل مكان بالعالم".

وتطرح الاستهدافات المباشرة علامات استفهام بشأن الوسائل التي تمكّن إسرائيل من ضرب أهدافها، وفيما إن كان ذلك مرتبط بقدراتها التقنية، أم بثغرات أمنية في صفوف أعدائها، استغلتها لتنفيذ عملياتها.   

مرحلة جديدة

من اغتيال القيادي في الحرس الثوري الإيراني، رضى موسوي، في دمشق في 26 ديسمبر، إلى مقتل القيادي في حماس صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية ببيروت في 2 يناير، فمصرع "القائد" وسام طويل، الملقب بـ"الحاج جواد"، كما وصفه حزب الله في بيان نعيه، في بلدته الجنوبية خربة سلم يوم، الإثنين، هزّت إسرائيل بعملياتها إيران وأذرعها في المنطقة.

لكن لجوء إسرائيل إلى مرحلة جديدة في الحرب التي أعلنتها على حماس في السابع من أكتوبر وشارك فيها حزب الله كـ"مساند" للأخيرة، كانت قد بدأت في نوفمبر الماضي، حيث استهدفت في الواحد والعشرين من ذلك الشهر، سيارة تقل القيادي في كتائب القسام، خليل الخراز، و3 شبان من مدينة طرابلس شمالي لبنان كانوا برفقته، بمسيرة في منطقة الشعيتية قضاء صور.

وفي اليوم التالي، قتل مسؤولون من وحدة الرضوان التابعة لحزب الله، من بينهم نجل رئيس كتلته البرلمانية، النائب محمد رعد، في غارة استهدفت منزلاً في بلدة بيت ياحون جنوبي لبنان، أثناء تواجدهم داخله.

وعبر "صواريخ موجهة" أطلقتها طائرة حربية، قتل العاروري وآخرون، من بينهم اثنان من قياديي حماس و4 من كوادرها، في ضربة مباشرة حمل لبنان إسرائيل مسؤولية شنها، خلال تواجدهم في مكتب للحركة بالضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية.

وأمس الإثنين، أعلن حزب الله مقتل طويل، حيث تم "استهدافه أثناء تواجده داخل سيارته"، بحسب ما ذكرت وكالة "فرانس برس"، في حين قال أحد المصادر الأمنية لوكالة "رويترز"، إن "هذه ضربة مؤلمة للغاية".

واعترف وزير الخارجية الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بوقوف بلاده خلف العملية، خلال مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية. 

ومن النادر أن تعترف إسرائيل بعمليات اغتيال في الخارج. وبحسب ما أورد الصحفي الاستقصائي الإسرائيلي، روين بيرغمان، في كتاب "انهض واقتل أولاً"، فقد نفذت بلاده منذ الحرب العالمية الثانية أكثر من 2700 عملية من هذا النوع.

وتشهد المنطقة الحدودية في جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً متفاقماً بين إسرائيل وحزب الله، منذ أن شنت حركة حماس في السابع من أكتوبر هجوماً غير مسبوق على إسرائيل، التي ترد بقصف مدمر وعملية برية في قطاع غزة المحاصر.

هل حزب الله مخترق؟

"في كل الحروب، يستهدف القادة المتقاتلون بعضهم البعض"، كما يذكر العميد المتقاعد خليل الحلو،  لموقع الحرة، مضيفاً: "إذا سنحت الفرصة لقادة حزب الله وحماس، لن يتوانوا عن استهداف قادة إسرائيليين".

وكذلك يقول العميد المتقاعد، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، الدكتور هشام جابر، لموقع الحرة، موضحا أن "لجوء إسرائيل إلى عمليات الاغتيال، كان متوقعاً نتيجة فشلها في حرب غزة". 

وعن تمكّن إسرائيل من تحديد مكان المستهدفين، يجيب الحلو: "من المؤكد أنها بدأت مراقبتهم منذ مدة، وليس ضرورياً أن يكون ذلك نتيجة خرق داخلي لصفوف حزب الله، فالإمكانيات الأمنية الإسرائيلية متقدمة جداً، وتشمل الوسائل الإلكترونية المتطورة، والطائرات المسيرة، والطيران الاستطلاعي، والأقمار الاصطناعية، وأجهزة الرصد التي يعلن حزب الله تدميرها على الحدود".

لكن الحلو يشدد على أنه "حتى لو دمّر حزب الله الكاميرات وأجهزة الاستشعار على الأرض، فإن أجهزة المراقبة في الطائرات المسيرة ومناطيد الاستطلاع والأقمار الاصطناعية تحل مكانها، وهذا النوع من التقنيات تبيعه إسرائيل إلى عدة دول، كالهند وألمانيا، ودون أن ينفي ذلك وجود مخبرين لها على الأرض".

من جانبه، يرى الجابر أنه بمرور الزمن "تطورت وسائل وطرق الاغتيال.. وهي تتم إما من خلال عملية عسكرية كتلك التي استهدفت العاروري، أو عبر  عملية أمنية استخباراتية، أي بكمين مسلح أو تفخيخ سيارة أو عبوة ناسفة".

ويشرح جابر: "في تسعينيات القرن الماضي، اغتيل الأمين العام لحزب الله، عباس الموسوي، بواسطة طائرة حربية، لكن اليوم تلعب الطائرات المسيرة هذا الدور، إذ تعتبر أسهل وسيلة لإنجاز هذه المهمة، حيث لا يستغرق تحديد الهدف واستهدافه سوى نصف ساعة".

ويسبق عملية الاغتيال، بحسب جابر، "مراقبة الشخص المستهدف بواسطة أجهزة متطورة وعملاء على الأرض، كما حصل في بيت ياحون حين استهدف منزلاً كان مركزاً لعقد اجتماعات لمسؤولين في حزب الله، من وقت إلى آخر ولفترة قصيرة، حيث أخبر أحد العملاء الإسرائيليين بتواجد من بداخله"، مؤكداً "اختراق حزب الله من قبل العملاء ليس كبيراً، بل ضمن الحدود الطبيعية".

ويتابع: "حتماً هناك عملاء، لكن في ذات الوقت بات تحديد مكان أي شخص متاحاً للجميع، من خلال الهواتف وشرائح خاصة، وعلى المسؤولين أخذ حذرهم وتبديل هواتفهم بين الحين والآخر".

وكان الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، قد اعتبر اغتيال العاروري "خرقا كبيرا وخطير"، مهدداً بأن "الرد آت لا محالة"، فيما قدّمت الحكومة اللبنانية شكوى إلى مجلس الأمن الدولي بشأن العملية.

واعتبر نصر الله في كلمة متلفزة، الجمعة، أن "حزب الله لا يمكنه أن يصمت حيال خرق بهذا المستوى"، وأن "عدم الرد يجعل كل لبنان مكشوفاً".

وفي إطار "الرد الأولي" على اغتيال العاروري، كما وصف الحزب في بيان، قصف الأخير، السبت، قاعدة ميرون الإسرائيلية للمراقبة الجوية، على قمة جبل الجرمق، بأكثر من 62 صاروخاً".

تقنيات كبيرة

بحسب العميد المتقاعد، ناجي ملاعب، يتطلب قصف حزب الله لإسرائيل "تنقل مقاتليه وتحضير الصواريخ، وكل ذلك يجري تحت مراقبة جوية من قبل إسرائيل عبر الأقمار الاصطناعية والمسيرات ومنطاد أدخل حديثاً إلى الخدمة".

ودخل منطاد التجسس المتطور "سكاي ديو" إلى الخدمة، الأحد، كما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، وذلك بعد عام ونصف العام من الاستعداد للخدمة التشغيلية.

ويستخدم المنطاد لأغراض عسكرية، وفي مهام تجسسية ودفاعية للمراقبة وجمع المعلومات، ويحلق على ارتفاعات شاهقة، مما يمكّن الجيش الإسرائيلي من مراقبة مئات الكيلومترات.

ويوضح ملاعب أن التقنيات الإسرائيلية كبيرة، مردفا في حديثه إلى موقع الحرة: "عندما يوعز حزب الله لسكان البلدات الجنوبية التي تنتشر فيها قوات الطوارئ الدولية بعزل كاميرات المراقبة المثبتة في المنازل والشوارع عن الإنترنت، فهذا يعني أنه يخشى من أن تستفيد إسرائيل منها".

ويشدد على أنه هناك عدة أهداف تصبو إسرائيل إلى تحقيقها من عودتها إلى تنفيذ عمليات اغتيال، تشمل "إحباط الروح المعنوية لحماس وحزب الله، واستدراج الأخير للرد لإعطائها مبررا لطلب الدعم الأميركي الذي ما زال موجوداً في المنطقة، ويتمثل في البوارج الحربية، والقاعدة الأميركية في البحرين".

ويضيف: "تحاول الولايات المتحدة تجنب الانجرار إلى جبهة جديدة تحارب فيها مباشرة، لذلك سحبت حاملة طائراتها من البحر المتوسط، كرسالة توضيح لموقفها لإسرائيل وإيران"، معتبراً إشارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى أن بلاده تقاتل على 6 جبهات "تطور خطير، وقد يكون ضمن استراتيجية تتبعها إسرائيل خارج غزة، ولن تستطيع وحدها القتال في تلك الجبهات، مما يستجدي تدخل أميركي".

وفيما يتعلق بقادة حماس، أشارت صحيفة "إسرائيل هيوم"، إلى أهمية "التخلص منهم" بالنسبة لإسرائيل، قائلة إن" تجفيف البنية التحتية الاقتصادية والسياسية لحماس في الخارج، لا يقل أهمية عن تفكيك ألوية الجناح العسكري في القطاع".

"حسابات خاطئة لحزب الله"

التهديد الإسرائيلي وصل ذروته، مع تصريح لوزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، عقب اغتيال موسوي، جاء فيه: "على الأمين العام لحزب الله أن يفهم أنه التالي".

من جانبه، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي: "إن قواتنا على مستوى عالٍ جداً من الاستعداد على الجبهة الشمالية مع لبنان، وتمت الموافقة على خطط، ومستعدون للهجوم إذا تطلب الأمر".

المشكلة الكبرى، كما يقول الحلو، هي أن "المقربين من حزب الله لديهم قناعة بأن إسرائيل لن تقوم بعملية عسكرية في لبنان، بحجة عدم قدرتها على ذلك وانتفاء مصلحتها"، مضيفا: "هذه تحليلات عديمة القيمة وحسابات خاطئة قد تؤدي إلى ردة فعل إسرائيلية كبيرة جداً، تفوق تداعيات حرب تموز (يوليو) 2006".

وما يشير إليه الحلو يؤكده، حسب قوله، "مراسلو وكالات أجنبية كبرى في إسرائيل، حيث يتحدثون عن ضغوط يتعرض لها نتانياهو من اليمين ومن سكان الشمال للقيام بعملية برية في لبنان، وبعد الصفعة التي تلقاها الجيش الإسرائيلي في عملية طوفان الأقصى، يريد أن يستعيد قوة ردعه، وهو يمتلك الإمكانيات والدعم الغربي".

ويختم الحلو بالقول: "حتى إن كانت دول الغرب معارضة لإقدامه على ذلك، فإنها لن تتخلى عن تحالفها معه، وبالتالي مخاطر الوصول إلى اجتياح حقيقية، وعمليات الاغتيال جزء مما يحصل، لكن ليست هي ما سيؤدي إلى ذلك".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".