أسعار العمليات الرخيصة في سوريا تغري الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة
أسعار العمليات الرخيصة في سوريا تغري الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة

تحوّلت رحلة عبير، من رغبة في تحسين مظهرها، إلى كابوس مروّع في دهاليز الموت والندوب. فبعد أن أطلعتها صديقتها عن تجربتها بجراحة شفط الدهون في سوريا بتكلفة بسيطة، قررت السفر لإجراء العملية في أردافها، للحصول على جسم أكثر رشاقة وجمال.

في البداية، كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، ولكن سرعان ما بدأت تظهر عليها مضاعفات مؤلمة، من التهاب جروحها إلى ارتفاع درجة حرارة جسدها وغيرهما، تواصلت مع الطبيب الذي أجرى لها العملية وسافرت لمراجعته في سوريا، فحاول طمأنتها، لكن حالتها تدهورت بشكل مخيف وبدأ جلدها "يتآكل" كما وصفت في حديث مع موقع "الحرة".

رفض الأطباء في لبنان بداية متابعة حالتها طالبين منها متابعة وضعها مع من أجرى لها العملية، وبعدما تدهورت حالتها بشكل كبير تم استقبالها في إحدى مستشفيات لبنان حيث تبيّن إصابتها ببكتيريا خلال خضوعها للعملية الجراحية، فقضت بعدها سنة كاملة في العناية المركّزة بين الحياة والموت، وخضعت لعمليات جراحية عدة لعلاج الجروح التي كانت أشبه بالحروق والتي طالت أماكن عدة في جسدها.

نزع الأطباء أنسجة من ساقي عبير لزرعها مكان الحروق، فتركت ندوباً غائرة، فقدت الكثير من وزنها، وأُصيبت بالشلل لفترة، كما عانت من عدم القدرة على الكلام بشكل طبيعي، وتقول "لا كلمات يمكنها وصف ما مررت به، والتي اختصرها الطبيب المتابع لحالتي بقوله لي: انتشلتك من القبر".

في عالم يغصّ بصور الجمال المثالي، "باتت عمليات التجميل هاجساً يراود الكثيرين، من دون أن تصل إلى مسامع بعضهم صرخات التحذير من مخاطر قد تخفي وراءها عواقب وخيمة، في حين لا يبالي البعض بهذه التحذيرات فيغامرون بصحتهم وجمالهم لتوفير المال"، وفقاً لما يقوله مستشار نقيب الأطباء اللبناني للشؤون التجميلية، الدكتور رائد رطيل.

وتغري أسعار العمليات الرخيصة في سوريا الكثير من اللبنانيين الباحثين عن الجمال بكلفة مخفضة، لكن داخل أروقة بعض مستشفيات وعيادات التجميل قصص مأساوية عن مضاعفات وتشوّهات وحتى وفيات، بحسب ما يقوله رطيل لموقع "الحرة" .

الغرض من تسليط الضوء على "سياحة التجميل" في سوريا ليس تشويه سمعة الأطباء السوريين حيث أن "الكثير منهم مشهود لهم بالكفاءة والمهنية العالية"، كما يشدد رطيل "بل للتحذير من الدخلاء على مهنة الطب هناك الذين يتسببون بكوارث تدمّر حياة الناس".

ويؤكد "ارتفاع عدد الشهادات التي تصلنا من أشخاص خضعوا لعمليات جراحية في سوريا وتعرضوا لتشوهات بعدها عصي على الشفاء، منها حالة عبير التي أصيبت بالتهاب النسيج الخلوي الناخر (Nécrose)، وهو حالة جلدية خطيرة تسبّب تدهوراً في أنسجة الجلد العميقة، ناتجة عن عوامل متعددة منها العدوى البكتيرية التي تنتقل عبر الجروح أو الخدوش".

ويتميز هذا المرض بأعراض مثل "الاحمرار، التورم، الألم الشديد، وظهور بثور أو فقاعات، إضافة إلى إفراز الصديد" أما علاجه فيتطلب بحسب رطيل "إزالة الأنسجة المتضررة، والعناية بالجروح، واستخدام الأدوية المسكنة لتخفيف الألم. ومن المضاعفات المحتملة له تسمم الدم، والغرغرينا، وموت الأنسجة، وفي الحالات الشديدة قد يتطلب الأمر بتر الأطراف".

ويضيف "هناك من فارق الحياة بعد خضوعه لعملية تجميلية في سوريا، منهم شاب لبناني خضع لعملية تجميل للأنف، بالإضافة إلى حالات لأشخاص أصيبوا بالتهابات جراء عمليات حقن البوتوكس والفيلر غير القانونية، دون أن يلغي ذلك وجود هذه المخاطر في لبنان أيضاً".

معركة "الندوب"

توجه اللبنانيون إلى سوريا لإجراء عمليات التجميل ليس بالأمر الجديد، وفقاً للدكتور رطيل، حيث كما يقول "يتجمع بعضهم في مجموعات تتراوح بين خمسة إلى عشرة أشخاص، ويقصدون سوريا في باصات لإجراء العمليات قبل العودة في نفس اليوم. ومع ذلك، فإن زيادة عدد الأشخاص الذين يفضلون هذا الوجهة في الآونة الأخيرة يرجع إلى الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان".

أما رئيسة سفراء الجمال العربي، خبيرة التجميل رانيا عثمان، فترى في حديث مع موقع "الحرة" أن من الأسباب وراء ظاهرة انتشار عمليات التجميل في سوريا، "انخفاض الكلفة، وتأثر البعض بمعارفه الذين خضعوا لعمليات تجميل هناك وكانت نتائجها مقبولة، من دون أن يلغي ذلك وجود أطباء سوريون مشهود لهم بالخبرة"، مضيفة " للأسف بعد أن كان لبنان عنواناً للباحثين عن الجمال، تراجع ذلك لأسباب عدة على رأسها الأزمة الاقتصادية وهجرة الأطباء وارتفاع التكلفة".

يدفع الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان بحسب رطيل بعض الأطباء اللبنانيين "إلى استقبال المرضى الذين واجهوا مضاعفات بعد إجراء عمليات التجميل في سوريا، حيث يقصدونهم لإجراء عمليات تصحيحية".

تكبدت عائلة عبير مبالغ ضخمة لتغطية تكاليف علاجها، تجاوزت 150 ألف دولار، وفق ما تقوله "وما زالت بحاجة إلى المزيد من العمليات التجميلية لإزالة الندوب في أماكن عدة من جسدها".

ورغم مرور حوالي الأربع سنوات، لا تزال عبير تعيش في صراع نفسي، حيث تزعزعت ثقتها بنفسها وسيطرت عليها المشاعر السلبية، كالحزن والغضب والقلق، والخشية من نظرات الناس، وتقول "أحاول أن أكون قوية وها أنا أعيش على أمل توفّر الإمكانات المادية لإكمال رحلة علاجي حتى اعلان انتصاري على الندوب التي تنغّص حياتي".

ويعود ارتفاع أسعار العمليات في لبنان مقارنة بسوريا بحسب رطيل "إلى تكلفة المستشفيات وبدل أتعاب أطباء التخدير وأطباء التجميل إضافة إلى القيمة الشرائية المتدنية للعملة الأجنبية في لبنان، في حين بعض الأطباء السوريين يقومون بإجراء العمليات في العيادات باستخدام البنج الموضعي عدا عن القوة الشرائية للدولار في بلدهم، حيث تكفي المئتي دولار مصروف عائلة لمدة شهر، وللأسف بعض الأطباء اللبنانيين بدأوا باتباع ذات الاجراءات".

مغامرة غير مدروسة

يعتبر البعض عمليات التجميل بحسب عثمان "ضرورة لتصحيح جمالهم، بينما يعاني البعض الآخر من هوس التجميل نتيجة لثقافة المجتمعات التي تعطي أهمية كبيرة للمظهر الخارجي، وعدم رضا هؤلاء عن مظهرهم ينمي لديهم مشاعر سلبية مثل القلق والاكتئاب".

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي بحسب ما تقوله عثمان "دوراً في تشجيع بعض الأشخاص على الخضوع لعمليات التجميل في محاولة لتحقيق المظهر المثالي المروج له في تلك الوسائل، وإن كانت أوضاعهم المالية لا تسمح بذلك يبدؤون البحث عن أطباء أسعارهم مخفضة بغض النظر عن المخاطر التي قد يواجهونها".

الهوس في الكمال الجمالي، دفع ياسمين إلى اتخاذ قرار تكبير ثديها، "رغم أن حجمه كان مقبولاً" وفق ما تقوله لموقع "الحرة"، وكون تكلفة العملية الجراحية في لبنان كبيراً (لا يقل عن ثلاثة آلاف دولار)، وجدت في خيار اللجوء إلى سوريا لتحقيق هدفها حلاً للعقبة المادية التي تقف في طريقها.

بعد استشارة صديقاتها، نصحتها احداهن بطبيب سبق أن أجرى لها عملية تجميل لأنفها، أسعاره مقبولة ونتائجه مرضية، زودتها برقم هاتفه، وقبل أن تتواصل معه، بحثت عن صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي انستغرام، لأخذ فكرة عن مدى براعته في هذا العالم، بعدها تواصلت معه عبر الواتساب، حيث تمت المحادثات والترتيبات للعملية التي ستجريها في مستشفى في طرطوس.

أبلغها الطبيب أن تكلفة العملية 1500 دولار وأنه متعاقد مع سائق سيارة أجرة لنقلها من وإلى لبنان، وأنه يمكنها العودة في ذات اليوم أو المبيت ليلة واحدة في المستشفى".

لم تتردد ياسمين في تحديد موعد مع الطبيب، وفي صباح ذلك اليوم، انتقلت مع ابنتها إلى منطقة الدورة حيث كان سائق سيارة الأجرة بانتظارها، وانطلقوا جميعاً إلى سوريا. وصفت ياسمين الرحلة بأنها سهلة وسريعة، لم تستغرق المسافة من الحدود اللبنانية الشمالية إلى المستشفى الساعة الواحدة، خضعت للعملية، وعادت أدراجها إلى لبنان، لكن "هذه المرة كانت الطريق من سوريا إلى بيروت متعبة جداً".

وتقول لموقع "الحرة" "كنت أشعر بأوجاع لا تحتمل، عدا عن الدوار والرغبة التقيؤ بسبب بقايا المخدر في جسدي، وفوق هذا لم يكن السائق يقيم أي اعتبار لحالتي، حيث كان يقود بسرعة جنونية غير مبالٍ بالحفر والمطبات التي كانت تهز آلامي بعمق".

ما يحصل في بعض مستشفيات ومراكز التجميل السورية، كما يشرح رطيل "عمليات سريعة، ويترتب على ذلك مخاطر جمة، فإجراء العمليات في وقت قصير، سيؤدي إلى نتائج غير مرضية، فالعمليات التي تستغرق ساعات في لبنان يجرى بعضها في سوريا خلال دقائق، وفوق هذا يغادر المرضى المستشفى بعد وقت قليل من انتهاء العملية، فمن يضمن سلامتهم في رحلة العودة"؟

نتائج يندى لها الجبين

بدأت ياسمين بالتعافي رويداً رويداً، وخلال تلك الفترة كانت على تواصل مع الطبيب الذي أجرى لها العملية لاطلاعه على حالتها، ومنذ الأيام الأولى التي تلت العملية شعرت أن حجم ثديها كبير جداً.

بعد شهر قدم الطبيب إلى بيروت لمعاينة مرضاها في غرفة فندق، حيث ذهلت ياسمين بالعدد الكبير من النساء اللواتي كن ينتظرنه، أخبرته بعدم رضاها عن العملية، فكان جوابه أن ما تصبو اليه يحتاج مزيداً من الوقت، لكن مرّت سنة من دون أن يتغير شيء لا بل وضعها الصحي إلى الأسواء حيث تسبب كبر حجم ثديها بآلام في ظهرها تتزايد مع الأيام.

عدم رضا ياسمين عن نتيجة العملية دفعها إلى البحث عن طبيب لبناني لإعادة حجمه إلى ما كان عليه، وتقول للأسف "كلفة العملية تفوق قدرتي".

بعد التجربة التي عاشتها تعلمت ياسمين درساً مكلفاً وهو "عدم البحث عن السعر الأرخص لعمليات التجميل، فضمان الحصول على النتائج المرغوبة من دون المجازفة بإمكانية مواجهة أي مضاعفات، هو ما يجب التركيز عليه".

وكان نقيب الأطباء في سوريا غسان فندي قد حذّر في ديسمبر الماضي من التعديات على طب التجميل سواء بشقه الجلدي أو بالجراحة التجميلية، كما ذكرت صحيفة الوطن المقربة من النظام السوري.

وأكد فندي أن وزارة الصحة في حكومة النظام السوري ونقابة الأطباء تتابعان عمل مراكز التجميل "وتم إغلاق عدد كبير منها في عدة محافظات لعدم تحقيقها الشروط المطلوبة ومنها وجود طبيب مختص، وضبط تعديات كبيرة فيها على اختصاص التجميل من خلال قيام غير الأطباء بإجراء الحقن وغيرها من الأمور التجميلية".

وشدد على ضرورة التعاون بين جميع الجهات المعنية وتفعيل ثقافة الشكوى لضبط عمل مراكز التجميل ومنع التعديات، قائلاً: إن هناك شكاوى نتيجة عمليات وأمور تجميلية يندى لها الجبين.

للحفاظ على الأمانة

وعن معايير الجمال، تشرح عثمان "لكل شخص جماله الخاص، لذلك لا يجب أن نقارن أنفسنا بالآخرين، ومن الضروري أن يكون قرار الخضوع لعمليات التجميل مدروساً ومسؤولاً، ويشمل الاطلاع على المخاطر المحتملة واختيار طبيب مؤهل، حيث لا ينبغي التهاون بالمخاطر المحتملة كالعدوى التي قد تنتقل من خلال عدم الالتزام بقواعد التعقيم والنظافة، والتشوهات التي قد تحدث نتيجة للإجراءات غير المهنية في غير الأماكن المرخصة".

و"تنتشر مراكز التجميل غير المرخصة" في سوريا كما أكد أمين سر الرابطة السورية لأطباء الجراحة التجميلية والترميمية، رزق الفروح لموقع "أثر برس" المقرب من النظام، لافتاً إلى أن الرابطة رفعت أكثر من كتاب إلى وزارة الصحة حول ذلك.

وأضاف "بات كثيرون يلجؤون إلى الحقن والشد وتجميل الأنف دون مراعاة الآثار الجانبية الكارثية أحياناً إن تمت بيد غير خبيرة"، وحذّر من انتشار ما يسمى دورات تدريبية مأجورة بمبالغ كبيرة مدتها عدة ساعات أو أيام، تعطي شهادة في حقن الفيلر والبوتوكس وغيرها.

وقال "هذه دورات غير مغطاة من وزارة الصحة وخطيرة على المجتمع، فطبيب الاختصاص يدرس الجراحة التجميلية 6 سنوات ليحصل على إجازة أكاديمية مرخصة من الوزارة، وليس بإمكان شخص اتبع دورة مدتها ساعات أن يصبح مخولاً بإجراء هذه العمليات بعد الحصول على شهادة تدريب تعلق بصدر مكان عمله ويستغلها المتدرب لذلك”.

وأشار إلى أن عدداً من الأطباء من مختلف الاختصاصات توجهوا إلى عمليات التجميل الأمر الذي يعني تعويم اختصاص الجراحة التجميلية وابتعاد باقي الاختصاصات عن مجالها العلاجي الحقيقي، حيث بيّن أن عدد أطباء اختصاصي الجراحة التجميلية لا يتجاوز 250 طبيب وطبيبة.

وعن أكثر عمليات التجميل طلبا في سوريا من قبل اللبنانيين يقول رطيل "عمليات الأنف، تليها شدّ الوجه، وشفط الدهون، وتكبير الثدي، وعملية حقن البوتوكس والفيلر، حيث بات التهاب الوجه من الحالات الشائعة نتيجة استخدام المواد المغشوشة والحقن الخاطئ دون معرفة بالوجه وشرايينه ومكان الأعصاب والعضل فيه"، ويلفت إلى أن "المواد التجميلية مواد خطرة، فكيف إن كانت مزورة أو تم حقنها بطرق غير سليمة".

ويشدد كأطباء نمضي سنوات طويلة في الدراسة ونتابع دورات بشكل مستمر لمواكبة التقنيات، في وقت يكتفي الدخلاء على مهنة الطب بالخضوع لدورة تستغرق أياماً ليطلقوا بعدها على أنفسهم لقب متخصصين!"

ويختم مشدداً على ضرورة اتباع المعايير الصحيحة قبل اختيار طبيب التجميل، كالتحقق من تسجيله في نقابة الأطباء إذا كان لبناني الجنسية والتأكد من اختصاصه، ويقول "الجمال يستحق رحلة آمنة ونتائج مرضية، لا المغامرة بالصحة من أجل عروض مغرية"، أما عثمان فتختم بالقول "جمال الإنسان أمانة لديه يستحق منه أفضل رعاية من أطباء ذو خبرة وكفاءة يلتزمون بأعلى معايير السلامة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.