الصحفيات يواجهن تحديات كثيرة في مكان العمل منها التحرش الجنسي
الصحفيات يواجهن تحديات كثيرة في مكان العمل منها التحرش الجنسي | Source: Pexels

تخرجت سهام من إحدى جامعات لبنان حاملة شهادة في الصحافة التي حلمت بها منذ صغرها، فهي تعشق الكتابة، وترى في هذه المهنة رسالة سامية لنقل الحقيقة وإيصال وجع الناس، لكن سرعان ما تحطمت أحلامها على صخرة الواقع، فما إن طرقت باب هذا العالم حتى صدمت بتعرضها للتحرش.

كانت الفتاة العشرينية تبحث عن فرصة عمل، وإذ بصديقتها تطلعها عن حاجة موقع إلكتروني محلي لموظفين. لم تتردد سهام في إرسال سيرتها الذاتية عبر البريد الإلكتروني، وانتظرت بفارغ الصبر رداً.

وبعد فترة، تلقت اتصالاً يدعوها لإجراء مقابلة مع مدير الموقع. كانت سعيدة للغاية بهذه الفرصة، وبدأت تستعد للمقابلة بكل حماس.

حضّرت سهام جميع الأسئلة التي توقعت أن تُطرح عليها، وارتدت ملابس مناسبة للمقابلة وتوجهت إلى مقر الموقع وهي تشعر بالتوتر والقلق، لكنها كانت مصممة على إثبات نفسها والحصول على الوظيفة.

عندما دخلت إلى مكتب المدير، بدأت تشعر بالارتباك من نظراته وأسئلته الخاصة التي كانت بعيدة كل البعد عن المهنية. وعلى الرغم من ذلك، حافظت على رباطة جأشها، لكن عندما انتهت المقابلة وقف المدير ليصافحها، ولم يكتف بذلك كما تقول لموقع "الحرة"، بل "قام بلمس جسدها بطريقة غير أخلاقية"، فشعرت بالصدمة وسارعت مغادرةً المكان.

خرجت سهام من مكتب المدير وهي في حالة من الذهول، تعصف بداخلها مشاعر الغضب والاشمئزاز من تصرفه الشنيع، وتشدد: "اتخذت قراراً بعدم العمل في هذا الموقع، حتى لو تم قبولي، إيماناً مني بمبادئي وبأن شرفي لا يقبل المساومة".

وبعد أسبوع، تلقت سهام اتصالاً من الموقع، يخبرها بقبولها في الوظيفة، فاعتذرت دون تردد، مؤكدة على موقفها الرافض للعمل في بيئة تسيء معاملة النساء.

"أصبح التحرش الجنسي أمراً طبيعياً في مجال الصحافة في لبنان وجزء لا يتجزأ من قطاع الإعلام، وغالبا ما يبدأ حتى قبل مرحلة التوظيف"، بحسب ما توصلت إليه دراسة أجرتها مؤسسة "سمير قصير"، التي سلطت الضور على "الرحلة الصعبة التي تمر بها الصحفيات".

مشهد "صاعق"

سلّطت الدراسة التي ارتكزت على 70 مقابلة مع صحفيات يعملن و/أو يغطين أحداث لبنان، الضوء على التحديات التي لا تقتصر على متطلبات متحيزة ضدهن، تفرض الامتثال لمعايير محددة ترتبط بالمظهر الخارجي، مثل معايير الجاذبية والرشاقة والشعر المصفف، بل إن التكلفة الحقيقية التي تدفعها المرأة مقابل ممارسة مهنة الصحافة تشمل "القبول بظاهرة التحرّش الجنسي على يد مسؤولي التوظيف والمدراء والزملاء، واعتبارها جزءاً طبيعياً من العمل داخل المؤسسات الإعلامية".

كما سلطت الضوء على حقوق العمل الخاصة بالصحفيات، مثل الرواتب والترقيات والإجازات والمنع من المناصب القيادية، والاستغلال في العمل دون إجازات، واستخدام النفوذ الذكوري للحد من مقدرتهن على العمل، حيث كشفت عن تكلفة كارثية لممارسة النساء لهذه المهنة.

نتائج الدراسة كانت "صاعقة"، كما تقول معدتها الباحثة ومسؤولة البرامج في مؤسسة "سمير قصير"، نادين مبارك، مضيفة: "كنا نهدف إلى كشف واقع الصحفيات في لبنان من أجل تبيان الفوارق الجندرية التي ظهرت أنها أضخم بكثير مما كنا نتوقع، لكننا اكتشفنا كذلك أن حجم المعاناة التي يعانينها صادمة جداً، وهي تتجاوز النواحي المهنية لتشمل النواحي النفسية والاجتماعية كذلك".

"الصادم الأكبر" بحسب ما تقوله مبارك لموقع "الحرة"، هو أن "90 بالمئة من المشاركات كشفن عن تعرضهن لشكل من أشكال المضايقة في عملهن الصحفي، و70 بالمئة منهن تعرضن للتحرش الجنسي، فيما أكدت 96 بالمئة ممن لم يتعرضن للتحرش أن زميلات لهن تعرضن لذلك".

وبالإضافة إلى التحرش الجنسي، أبلغ 59 بالمئة عن تعرضهن لإساءة لفظية، و49 بالمئة لخطاب الكراهية، و43 بالمئة للتهديدات، و30 بالمئة للإيذاء الجسدي، و19 بالمئة للتنمر والتحرش عبر الإنترنت.

مراحل التحرش

تتعرض الصحفيات للتحرش قبل التوظيف، وخلاله، وبعده. وفي مرحلة ما قبل التوظيف، روت مجموعة كبيرة من المشاركات أنه "طُلب منهن خدمات جنسية مقابل فرصة عمل، وشمل من طلبوا هذه الأمور، شخصيات سياسية أو مدراء.

وتتضمن أسباب التحرش قبل التوظيف، كما تقول مبارك "إساءة استخدام السلطة، وانعدام المساءلة، وثقافة الذكورية، إضافة إلى قبول صحفيات أخريات للعروض الجنسية واعتبارهن هذه الظاهرة جزءاً من العمل الصحفي".

أما خلال مرحلة التوظيف، فأكدت 51 بالمئة من الصحفيات المشاركات بالاستطلاع، أن "المدير كان المتحرش الجنسي الرئيسي، و37 بالمئة أكدن أنه أحد الزملاء". وتصبح الصحفية هدفاً للتحرش الجنسي بشكل خاص "عندما تكتب عن الصحة الإنجابية والجنسية، حيث يفترض المتحرشون أنها ستكون منفتحة".

إلى جانب ذلك، تقوم صحفيات بتغيير مظهرهن للوقاية من التحرش الجنسي، كثيرات منهن يتصرفن بحذر بعد تجارب التحرش خوفاً من وقوع المزيد من الحوادث التي قد تؤثر على مسار حياتهن المهنية. ويضاعف صغر سن الصحفيات من خطر تعرضهن للتحرش.

وفي مرحلة ما بعد التوظيف، أفادت صحفية بأن "وزيراً طلب لقاء معها بعد استقالتها من منصبها الصحفي، وإذ بها تصدم بأن هدفه من ذلك كان التحرش بها جنسياً".

وترتبط العوامل التي تشجع على التحرش في أماكن العمل، وفق ما تقول مديرة جمعية "مفتاح الحياة"، الأخصائية النفسية والاجتماعية، لانا قصقص، في حديث مع موقع "الحرة"، "بالمتحرش نفسه وبالبيئة العملية".

وتضيف: "تلك العوامل قد تشمل التمييز بين الجنسين وغياب القوانين الصارمة لمكافحة التحرش وعدم تطبيقها بشكل فعّال، مما يجعل المتحرش يشعر بالإفلات من العقاب ويتجرأ على مضايقة زميلاته من دون محاسبة".

وحول قضية التحرش بالصحفيات في أماكن العمل، يعلّق نقيب المحررين، جوزف القصيفي، بالقول: "من الطبيعي أن يتعرضن لذلك كما يتعرض عدد كبير من اللبنانيات وغير اللبنانيات في كل أنحاء العالم إلى حوادث في عملهن، ومنها محاولات التحرش سواء من مسؤولين في العمل أو زملاء أو سياسيين أو ضيوف يجرين معهم مقابلات لكتابة تقرير أو تحقيق".

ويشدد في حديث مع موقع "الحرة"، على أن "القوانين والسلوكيات الجديدة تعطي الصحفيات والإعلاميات الحق بالتشهير بالمتحرش وإقامة دعوى ضده أمام القضاء، فكل صحفية تتعرض إلى محاولة ترفضها فإن لديها مرجعية مسلكية وقضائية يمكن لها أن تلجأ إليها، مع التشديد على أن التحرش أمر مدان ومرفوض".

ولا تنتهي عواقب التحرش الجنسي بانتهاء العمل، بل غالباً ما تستمر لفترة طويلة بعد ذلك، وتشمل هذه العواقب كما أظهرت الدراسة "تراجع احترام الذات والثقة بالنفس (81%)، وعرقلة النمو الوظيفي والعمل (64%)، والخوف والقلق والعزلة والاكتئاب (73%)، والشعور بالذنب وعدم الأمن والفشل (49%)، إلى جانب الرقابة الذاتية واضطراب الطعام ومعاداة المجتمع والعدوانية (19%)".

كذلك، تؤكد قصقص أن التأثيرات النفسية للتحرش الجنسي على الضحية متعددة، ومن بينها "القلق والتوتر وانخفاض الإنتاجية والشعور بالخوف وعدم الأمان في مكان العمل، في وقت تحتاج الضحية إلى بيئة عمل داعمة تسمح لها بالإفصاح عن التحرش وتقديم الدعم النفسي والقانوني اللازم لها".

وتشدد: "يجب تشجيع ضحايا التحرش على التبليغ عن الحوادث التي يتعرضن لها، وتأمين بيئة عمل آمنة ومريحة لهن. كما ينبغي على الشركات والمؤسسات تطبيق سياسات صارمة لمكافحة التحرش، بالإضافة إلى توثيق الوقائع ومساعدة النساء في تعلم مهارات الدفاع عن أنفسهن".

وتضيف :"لا يعني ذلك تحميلهن المسؤولية عن هذا الأمر، بل تمكينهن من التصرف بحكمة وجرأة من خلال وضع حد لحماية أنفسهن من تكرار الأمر في المستقبل، فالمسؤولية والعقوبة تقع على المتحرش الذي لا علاقة لسلوكه بمظهر ضحاياه".

"سيطرة ذكورية وحقوق مهدورة"

من أعراض التمييز الدائمة في قطاع الإعلام اللبناني، "تنصيب الرجال كصانعي قرار"، بحسب ما توصلت إليه الدراسة، حيث أقرت 73 بالمئة من المشاركات، بأن الصحفيات يواجهن "عقبات" في الوصول إلى مناصب قيادية. ولفت عدد من المشاركات إلى غياب المرأة عن مثل هذه الأدوار، "بغض النظر عما إذا كان مسؤول التوظيف رجلاً أم امرأة".

كما ظهر أن "العبارات المستخفة" بالمرأة لا تصدر فقط، كما تقول مبارك، "من الرجال الذين يشغلون مناصب سلطة فحسب، بل تعمل النساء في مناصب السلطة".

وعلى الرغم من تجاوز بعض العقبات في بيئة العمل الإعلامية الرقمية والحديثة، "لا تزال وسائل الإعلام التقليدية متخلفة عن الركب. وحتى عندما تتولى امرأة منصباً قيادياً فإن سلطتها غالباً ما تكون مرتبطة بصاحب الوسيلة الإعلامية أو مؤسسها الذي عادة ما يكون رجلاً، كأن تكون زوجته أو ابنته أو أخته أو صديقته"، وفق الدراسة.

و"في وقت تواجه فيه المرأة في كثير من الأحيان توقعات ترغمها على إعطاء الأولوية لمظهرها، حيث لا يزال شرط الجمال أساسيا للنساء المتقدمات للوظائف، يتم تقدير الرجل لقدراته الذهنية"، وفقاً لما ورد في الدراسة، "فتؤدي هذه الديناميكية إلى الحكم على النساء بناء على صفاتهن الجسدية في المقام الأول، في حين يقدر الرجال لسلطتهم وتفوقهم الفكري".

كما تواجه الصحفيات تحديات كثيرة في مكان العمل، تشمل التفاوت في الأجور والعراقيل أمام الترقية. وتشير الدراسة إلى أنه "لا تلقى حقوق الصحفيات اعترافاً وصوناً ما لم يدافعن عنها باستمرار، ويثابرن على المطالبة بها والنضال بقوة".

وما زال القائمون على التوظيف ينظرون إلى المرأة على أنها "أقل حاجة إلى المال مقارنة بالرجل"، مما يؤدي حكماً إلى حصول الرجل على راتب أعلى من راتب المرأة.

ووفقاً للدراسة، ظهر أن 73 بالمئة من الصحفيات يواجهن عقبات في الوصول إلى مناصب قيادية، بينما لم يحصل 64 بالمئة منهن على زيادة في الراتب أو ترقية خلال السنوات الخمس الماضية".

أما الإجازات، فتُعتبر ترفاً، إذ تقول مبارك: "لم تأخذ 20 بالمئة من الصحفيات أي إجازة أبداً، ولا يسمح لـ 69 بالمئة منهن بإجازة مرضية شهرية للدورة الشهرية. وتعتقد 89 بالمئة منهن أن إجازة الأمومة التي ينص القانون عليها، البالغة 10 أسابيع، غير عادلة".

وعلى عكس ما جاء في نتائج الدراسة، يؤكد القصيفي أنه "من خلال الذين يتقدمون بطلبات انتساب إلى النقابة، يظهر أن العنصر النسائي هو الطاغي، وسواء في المواقع الإلكترونية أو الصحف أو الإذاعات أو القنوات التلفزيونية، نلاحظ أن العنصر الأنثوي هو الأكثر إقبالا بنسبة قد تصل إلى حوالي 65 بالمئة".

ويستطرد: "تمكنت المرأة من تحقيق نقلة نوعية وعددية مهمة وحتمية منذ 15 سنة حتى اليوم، وهذا التطور سيؤدي إلى أن تتقدم بسرعة لتكون في مركز صنع القرار في الوسائل الإعلامية ولفرض إيقاعها على المشهد الإعلامي ".

وفيما يتعلق بالأجور، يجيب: "لا توجد مساواة تامة مع الرجل في بعض المؤسسات وذلك يعود إلى الموروث الثقافي، في حين أن مؤسسات أخرى لا تميّز من الناحية الجندرية وتدفع للصحفيات بحسب عملهن"، أما فيما يتعلق بإجازة الأمومة فلم ينف أن مدتها "يجب أن تكون أطول".

فجوة المساواة

نتائج دراسة مؤسسة سمير قصير تتطابق كثيراً مع نتائج الدراسة التي أجراها تجمّع نقابة الصحافة البديلة، حيث أظهرا، كما تقول منسّقة التجمع إلسي مفرج، "اختلافات في الأجور بين النساء والرجال، رغم أن هذا لا ينطبق على جميع المؤسسات".

كما تظهر الدراستان "حصول حالات تحرش جنسي وإزعاج داخل المؤسسات الإعلامية، بالإضافة إلى الحملات الموجهة ضد الإعلاميات على وسائل التواصل الاجتماعي".

وتضيف: "سبق لنا في التجمّع، رصد حالة التحرش، حيث أبلغت الضحية عن ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتمت متابعة قضيتها وتوكيل محام لها لرفع دعوى، لكن حتى الآن لم يتم التوصل إلى نتيجة نهائية".

ومن أكثر النتائج المؤسفة التي توصلت إليها الدراسة، حسب مبارك، هي "موقف المؤسسات الإعلامية، أي أصحاب العمل، من التحديات اليومية التي تواجهها الموظفات، ففيما يتعلّق بردّ فعل صاحب العمل على هذه الأحداث، شرحت 55 بالمئة من المشاركات أنه كان سلبياً، وأن صاحب العمل لم يتّخذ أي إجراء في هذا الصدد".

كما نفت 73 بالمئة من المشاركات، أن تكون مؤسستهن "تعتمد حالياً سياسة داخلية واضحة لمنع الاستغلال والاعتداء الجنسيَّين".

وتشير المحامية في منظمة "كفى"، فاطمة الحاج، إلى أنه تم اعتماد الاتفاقية رقم 190 بشأن مناهضة العنف والتحرش في عالم العمل من قبل المؤتمر الدولي لمنظمة العمل الدولية، في يونيو 2019، ودخلت حيز التنفيذ في 25 يونيو 2021.

ولم ينضم لبنان إلى هذه الاتفاقية على الرغم المطالبات التي تزداد مع الوقت وذلك لضمان بيئة آمنة للنساء في عالم العمل وحمايتهن من التحرش، بالإضافة إلى المطالبة بأجور عادلة لهن.

وتشير الاتفاقية في مقدمتها، كما تقول الحاج لموقع "الحرة"، إلى تبنيه للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى الاتفاقيات الأخرى ذات الصلة، "وهي تجمع بين كل هذه الاتفاقيات لحث الدول على المصادقة عليها، بهدف القضاء على ظاهرة التحرش في عالم العمل والتي تنتهك حقوق وكرامة الإنسان وتهدد صحته النفسية والبدنية والجنسية".

وتلفت إلى أن الاتفاقية تستخدم مصطلح "عالم العمل" بدلاً من "أماكن العمل"، مما يشمل جميع مجالات العمل سواء الخاصة أو العامة، حيث يمكن وقوع التحرش أو العنف في كل ميادين العمل.

وتشدد الحاج على وجود "فجوة كبيرة في المساواة" بين الجنسين في لبنان، سواء فيما يتعلق بالأجور أو تعرض النساء للتحرش، "ولهذا السبب، ركزت منظمة كفى على ضرورة إقرار قانون لمكافحة التحرش. وقد تم إقرار القانون في ديسمبر 2020، إلا أنه لم يكن خاصاً بالعنف ضد النساء كما طالبت المنظمة".

وتسهم القوانين الحالية في لبنان، بحسب المحامية في كفى، "في تعزيز سلطة الرجل على حساب المرأة في أماكن العمل والأسرة، مما يؤدي إلى التمييز والعنف، بما في ذلك التحرش".

وتضيف: "على الرغم من صدور قانون مكافحة التحرش منذ حوالي 4 سنوات، فإن الشكاوى المقدمة قليلة للغاية، ويرجع ذلك إلى عدم الاعتراف بوجود ظاهرة العنف ضد النساء في لبنان لعدم وجود إرادة جادة من السلطات التشريعية لحمايتهن".

وفي ظل الأزمة الاقتصادية، وعلى الرغم من أن قانون العمل يحظر التمييز، لا تحصل العديد من النساء وفقاً للحاج "على فرص عمل بأجور ملائمة، لاسيما في ظل الأزمة الاقتصادية. كما يتعذر عليهن الوصول إلى مراكز صنع القرار ما يثبت عدم تطبيقه".

ويسعى تجمّع نقابة الصحافة البديلة إلى إدراج مواد في قانون الإعلام لحماية الصحفيات في بيئة عملهن، بهدف تحسين وتطوير قانون شامل يشمل جميع وسائل الإعلام.

وفي هذا السياق، تشير مفرج إلى أن "تقدم العمل يتأخر بسبب الأولويات الأخرى، مثل الضغوطات المتزايدة نتيجة للأوضاع في غزة، ومتابعة الزملاء العاملين في جنوب لبنان، بالإضافة إلى متابعة قضية من قتل منهم أثناء عمله هناك".

وعلى الصحفيات ألا يكتفين بالشكوى، كما يشدد القصيفي "بل عليهن التحرك وأن يكون لهن حضوراً فاعلاً، وإذا كان لديهن مطالب محقة لا أعتقد أن أحدا يستطيع الوقوف في وجههن".

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين
صورة أرشيفية من مخيم للاجئين السوريين

في مشهد تمثيلي  لجمعية "كفى" اللبنانية التي تعمل على مكافحة العنف وتمكين النساء، يظهر رجل سوري متهجماً على حافلة مدرسية مطالباً بإنزال ابنته لأنه ما عاد يريدها أن تتم تعليمها، إذ "أعطى كلمته" لرجل غريب سيزوّجها إياه.

ويعكس هذا جانباً من الواقع الذي تعيشه السوريات القاصرات من عموم اللاجئين في لبنان، إذ يتم إجبارهن على ترك مقاعد الدراسة من أجل الزواج.

وتظهر هذه المشكلة بشكل كبير في المناطق اللبنانية المتاخمة للحدود السورية مثل البقاع الذي شكل وجهة لسكان القرى السورية الريفية في أعقاب الحرب السورية.

تشرح منسّقة الخدمات الاجتماعية في مركز الدعم التابع لجمعية "كفى" في البقاع، مايا حداد في حديث لـ"إرفع صوتك"، أهمية التركيز على أن المجتمعات التي تفرض الزيجات المبكرة وتبعد الفتاة عن مقاعد الدراسة بأغلبها، تقريبا 60% من مناطق ريفية تطغى فيها البطريركية وتعتمد فيها هذه الممارسة حتى من قبل النزوح.

تضيف "بالنسبة لهؤلاء، لا طائل من استكمال الفتاة لدراستها بينما بإمكانهم تزويجها بمجرد وصولها إلى سن معين. حيث يغيب مفهوم القرار لدى الفتاة التي قد تصنف كزوجة ابن عمها مثلاً منذ الصغر أو يقرر أهلها هوية زوجها المستقبلي دون التفكير حتى باستشارتها في أمور الزواج أو التعليم".

"وهذه العقلية قد تكون متوارثة لدى الفتاة نفسها التي تصنف نفسها حسب الدور الجندري النمطي ولو كانت قاصرا" بحسب المنسقة الميدانية في الجمعية، آلاء الحلاق، التي نجحت بكسب ثقة القاصرات والراشدات السوريات خلال حلقات النقاش والتدريب.

في نفس الوقت، تقول الحلاق لـ"ارفع صوتك": "تواصلت معنا إحدى السيدات السوريات المقيمات في مخيم في البقاع اللبناني لتطلب منا التدخل وتوعية ابنتها المتمسكة بقرار التوقف عن التعلم، ومساعدتها على استيعاب وطأة هذه التضحية التي تقوم بها مقابل الزواج المبكر". 

الجدير بالذكر كما تلفت حداد، أن "عدد الزيجات المبكرة التي تحرم الفتاة من التعليم في صفوف هذه المجتمعات تضاعف مع النزوح (اللجوء) إلى لبنان".

وتعدّد في هذا السياق عوامل مختلفة تلعب دورا كبيرا في تحديد مصير القاصرات، أهمها الوضع الاقتصادي والخوف على الفتيات وزيادة الطلب لدى المجتمعات المضيفة.

"لا شك بأن الظروف المعيشية تحفز الزواج المبكر في هذه المجتمعات سواء داخل المخيمات أو خارجها، لأن الفتاة تعتبر في سن معين عبئاً على أهلها ويسمح الزواج بالتخلص منه في ظل ضيق مساحة العيش. ثم هناك زيادة الطلب لدى اللبنانيين بمعنى الزيجات من قاصرات في سياق زواج ثان أو ثالث"، تتابع حداد.

وتضيف من جملة عوامل أخرى، توقيت الدوام المخصص للطلاب السوريين في المدارس وهو في العادة بعد الظهر لتأمين التناوب ما بين التلامذة اللبنانيين والسوريين تماشياً مع الموارد المتوفرة.

تؤكد حداد "قد يصعب على الأهالي السوريين وتحديداً الآباء تقبّل تسجيل الفتيات في الدوام المسائي وهم يرفضون في الأصل خروجها مساءً في المطلق، فما بالك بتمضية ساعات في صفوف مختلطة ولو كان الهدف هو التعلم".

مما يزيد خوف الآباء أيضاً، تقول حداد، بعض الحوادث التي سجلت، منها "محاولة فرار إحدى الفتيات مع شاب سوري كان يتردد إلى جوار المدرسة لإغوائها".

70 في المئة من حالات الطلاق تتم بناء على طلب الزوجة.
ارتفاع معدلات الطلاق في العراق.. فتّش عن "الزواج المبكر" و"الخيانة الإلكترونية"
تنتهي 28 في المئة من حالات الزواج في العراق بالطلاق، وتقف العديد من الأسباب وراء ارتفاع حالات الطلاق، فإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية، يلعب الزواج المبكر و"الخيانة الإلكترونية" دوراً في زيادة حالات الطلاق.

 

"حرموني من المستقبل"

على الأرض تستكشف آلاء الحلاق خلال ورشات التدريب مع نساء سوريات، الآثار النفسية للحرمان من التعليم، من حديث قاصرات وراشدات خُضن هذه التجربة من قبل ويحاولن إنقاذ بناتهن اليوم.

تروي كيف "عبرت إحدى السيدات عن شعورها بأن أحلامها تلاشت أمامها"، مردفةً "لقد حرموني من المستقبل. لم يسألني أحد عن رأيي حين قرروا أني لن أذهب غدا للمدرسة. كان أبي قد عزم على تزويجي بشخص لا أعرف عنه شيئاً ومضت الأيام سريعاً ووجدتني طفلة تربي أطفالا. من يدري ربما لو ولدت في بيئة أخرى أو وجدت من يشد على يدي لكانت حياتي مختلفة".

هذا الحرمان من التعليم لا يعمق الهوّة بين الجنسين على أساس الحق بالوصول للتعليم فقط بل يخلق أيضاً هوّة بين الفتاة وإخوتها. تقول الحلاق "نسمع خلال حلقات التدريب شكاوى مؤلمة تمزق الأسرة نفسها، كأن تسأل الفتاة (لماذا يحق لإخوتي الذين لا يبرعون في الدراسة بالقدر نفسه الذهاب إلى المدرسة بينما يقرر أحدهم أني لا بد أن أتعلم الطبخ والتنظيف والاستعداد لخدمة رجل وإنشاء أسرة؟)".

ومع ذلك، تبدو مايا حداد عمتفائلة بقولها إن "الأمل لا يزال موجوداً، خصوصا في ظل الجهود الكبيرة التي تبذلها الجمعيات بالإضافة إلى المبادرات الفردية والجماعية".

"الأمر يتطلب الكثير من الصبر والنفس الطويل. لكن الأمل كبير ويغذيه السعي لإحداث فرق ولو بشكل تدريجي"، تتابع حداد، مبينّةً أن "جمعية كفى تناضل كل يوم من خلال القوانين التي تطرحها وهذا ما قمنا به مؤخرا، من أجل الدفع باتجاه قانون موحد للأحوال الشخصية والمساواة ليس فقط بين الرجال والنساء والأطفال بل بين جميع النساء بغض النظر عن الطائفة والمذهب والدين في تطبيق القوانين المناهضة للعنف".

"كما أننا ننظم دورات توعية وتدريب ونشارك إما من خلال الوقاية أو من خلال التدخل. على مستوى الوقاية ننظم جلسات التوعية حول خطورة الزواج المبكر، وعلى مستوى التدخل نساعد في تخفيف وطأة الأسباب وراء المشاكل كالزواج المبكر الذي يقطع الطريق أمام التعليم. كما نظمنا دورات لتنمية المهارات ودورات التقوية في اللغات الأجنبية كالإنجليزية"، تبيّن حداد.

وتؤكد في ختام حديثها أن الأمل "ينبع بشكل كبير من تفاعل الجمهور المستهدف سواء على مستوى السوريات الراشدات أو القاصرات، اللواتي يبدين في كل مرة حماساً أكبر، فيصلن قبلنا إلى مكان التدريب أو اللقاء ويُظهرن التزاماً صادقاً. وغالبا ما يشاركننا التأثر وتبكي إحداهن قائلة (قد أسامح أهلي على أي شيء إلا الحرمان من التعليم)".