الضحايا تعرضوا للاغتصاب بعد تخديرهم بمواد وضعت في مشروبات قُدّمت لهم - صورة تعبيرية
الضحايا تعرضوا للاغتصاب بعد تخديرهم بمواد وضعت في مشروبات قُدّمت لهم - صورة تعبيرية

لا تزال قضية "عصابة اغتصاب الأطفال" التي أعلنت الأجهزة الأمنية اللبنانية إلقاء القبض عليها قبل يومين، تتصدر اهتمامات الرأي العام اللبناني، بعدما أثارت صدمة اجتماعية عارمة في أسلوبها وتفاصيلها وما تكشف حول أعداد المتورطين فيها وهوياتهم، بعدما تبين أن من بينهم شخصيات مشهورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولاسيما على تطبيق "تيك توك".

وتجري التحقيقات في جرائم هذه العصابة بالموازاة مع حملة ملاحقة وبحث عن متورطين أفضت إلى توقيف شخص سابع، الخميس، وفق ما أكدت تقارير إعلامية محلية، بالإضافة إلى الأفراد الستة الذين سبق وأعلنت قوى الأمن اللبناني عن توقيفهم في بيان لها في الأول من مايو.

وتحقق السلطات اللبنانية في شبهات قيام هذه العصابة، التي تضم نحو 30 متورطاً، باستدراج أطفال وقاصرين، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتقديم مغريات لهم بهدف تخديرهم واغتصابهم ومن ثم ابتزازهم بعد تصويرهم.

وكانت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في لبنان قد أعلنت أن اعتقال العصابة جاء بعد "ادعاء عدد من القاصرين" بتعرضهم "لاعتداءات جنسية، وتصوير، من قبل أفراد إحدى العصابات المنظمة، بالإضافة إلى إجبارهم على تعاطي المخدرات، في فنادق عدة".

وأضاف البيان أن السلطات تمكنت من اعتقال أفراد العصابة بعد عملية "جمع معلومات استمرت لحوالي الشهر تقريبا".

وأشار البيان إلى توقيف ستة أشخاص في بيروت وجبل لبنان والشمال، بينهم ذائعي الصيت على تطبيق تيك توك"، مشيرا إلى أن أفراد العصابة يحملون جنسيات لبنانية وسورية وتركية، من بينهم ثلاثة قُصَّر.

وكشف مصدر قضائي لوكالة فرانس برس أنه "جرى حتى الآن التعرّف على 28 شخصاً على الأقل من أفراد العصابة المتعددة الرؤوس، والتي جنّدت مراهقين محترفين من خارج لبنان لاستدراج الأطفال عبر تيك توك".

وأضاف أن الضحايا "تعرضوا للاغتصاب بعد تخديرهم بمواد وضعت في مشروبات قُدّمت لهم، وأُجبروا على تعاطي المخدرات ثم الترويج لها تحت طائل ابتزازهم بمقاطع مصورة".

وأوضح مصدر أمني مواكب للتحقيقات للوكالة أن "ست ضحايا أدلوا بإفاداتهم حتى الآن ولا تتجاوز أعمارهم 16 عاماً".

وأشار إلى أنه "جرى استدراجهم بطرق عدة على غرار عروض هدايا من محل للملابس وإيهامهم بتصوير دعايات أو عبر صالون مصفّف شعر أو حسابات مزيّفة على مواقع التواصل الاجتماعي".

وبحسب المصدر الأمني، فقد أقدم المتورطون بعد استدراج الأطفال "على اغتصابهم وتصوير عملية الاغتصاب ومن ثم جعلهم يشاهدون المقاطع المصورة، وابتزازهم بنشرها في حال تحدّثوا عمّا تعرّضوا له".

وتكمن خطورة الملف، وفق ما نقلت الوكالة عن المصدر الأمني، في كون "حوادث الاغتصاب والتحرّش التي تطال قاصرين ليست حوادث فردية بل عمل منظم ضمن أفراد عصابة يقدمون تسهيلات لبعضهم البعض ويتبادلون الضحايا".

ولا تزال القضية تثير ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، حيث تتصدر الوسوم المرتبطة بها أكثر المواضيع تداولاً في البلاد، وانتشرت في سياق ذلك سيناريوهات عدة وروايات مختلفة للجرائم المنسوبة للعصابة، فضلاً عن أسماء كثيرة قيل إنهم متورطون في تلك العصابة، تبين صحة بعضها، وزيف العديد منها، حيث تحول زج الأسماء إلى تصفية حسابات شخصية بين "مشاهير" على مواقع التواصل الاجتماعي.

موقع "الحرة" تواصل مع الوكيل القانوني لأحد أبرز الموقوفين في القضية، والذي أكد أن التحقيق لا يزال سرياًّ وكل التسريبات الجارية حوله "غير دقيقة".

المحامي الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لكونه لم يدخل بعد على ملف موكله، أكد أنه لا يمكن بعد لأحد أن يطلع على مضمون التحقيقات تحت طائلة الملاحقة الجزائية بحكم وجود إشارة من النيابة العامة تمنع أحد الدخول على الملف أو معرفة تفاصيله بمن فيهم المحامين، وبالتالي حتماً لم تطلع الوسائل الإعلامية التي تتناقل الروايات على التفاصيل والمعطيات الحقيقية.

ولفت إلى أنه حتى الآن لم يحضر الاستجواب والتحقيق مع موكله، الذي يوجب حضور محامي معه بحكم المادة 47 من أصول المحاكمات، مشدداً على أن موكله لا يزال محتجزاً وليس موقوفاً، معتبراً أن كل الأشخاص الذين يقومون بالتشهير ونشر الأخبار والروايات "ليسوا على دراية بشيء".

الأولوية لحماية الضحايا

وأثارت السرية التي تحيط بالتحقيقات وعدم صدور رواية رسمية كاملة حول القضية استياء لدى بعض اللبنانيين الذين عبروا عن مخاوف من تدخلات سياسية أو محسوبيات في القضية، وحملوا هذا الغموض الرسمي مسؤولية انتشار الروايات المغلوطة وفوضى التسريبات والمعلومات المتضاربة، مطالبين السلطات اللبنانية باعتماد الشفافية في عرض القضية.

في المقابل شدد آخرون على أهمية السرية في التحقيقات الجارية لضمان عدم إفلات المتورطين مع هذه العصابة، والحرص على خصوصية الضحايا وحمايتهم من التشهير، خاصة وأنهم أطفال ومراهقون.

وفي هذا السياق تقول رئيسة الاتحاد لحماية الأحداث، أميرة سكر، إن أهم ما يجب الحفاظ عليه هو السرية التامة في تفاصيل القضية، وعدم إفشاء أسماء أو أعمار أو جنسيات أو طائفة أي قاصر من ضحايا هذه العصابة، "فالطفل هو طفل أولا وأخيرا"، وعدم نشر حيثيات الملف لما قد يحمله من تأثير على الضحايا من جهة، وقد يؤدي من جهة أخرى إلى أخذ الحذر والحيطة من قبل المرتكبين في حال كانوا عصابة.

وتركز سكر في حديثها لموقع "الحرة" أنه على الأهل في هذه المرحلة وبعد هذه الواقعة، اعتماد إجراءات وقائية مع أولادهم، واتباع أسس "الوالدية الإيجابية"، ومراقبة كافة حسابات الطفل على الإنترنت.

وتشدد سكر على ضرورة التعاطف مع القاصرين، إن كانوا ضحايا أو حتى من بين المرتكبين، "حيث أنهم أساسا تم استدراجهم واستغلالهم كي يرتكبوا مخالفات أو يشاركوا في هكذا أعمال فيها استغلال للقاصرين الآخرين".

من جهتها نشرت منظمة "سميكس" المعنية بالحقوق والسلامة الرقمية توجيهات مرتبطة بهذا النوع من القضايا التي تمس بسلامة المستخدمين، لاسيما القصّر. حيث لفتت، سمر حلال، مسؤولة منصة السلامة الرقمية في "سمكس" إلى أن نصائح السلامة الرقمية مهمّة وضرورية، "ويوجد على تطبيق تيك توك عدداً من الميزات لتعزيز سلامة المستخدمين القاصرين مثل ميزة الخصوصية، والإشراف العائلي وغيرها"، ومع ذلك تؤكّد أنّ "هذا لا يكفي لحماية الأشخاص القاصرين من هذا النوع من الابتزاز".

وأدى انتشار اسم أحد مشاهير "تيك توك" كعضو في العصابة، إلى توقيف حسابه وحجبه من قبل شركة "تيك توك" بعد موجة تبليغات طالته. ولكن، بحسب "سميكس"، لا يزال بإمكان الأجهزة الأمنية وجهات إنفاذ القانون أن يطلبوا الوصول إلى محتوى الحساب المحجوب والرسائل المتبادلة من قبل المتهم مع الآخرين على التطبيق، في مدة 90 يوماً بناءً على طلب رسمي، وفق ما تقوله الشركة في "إرشادات تيك توك بشأن إنفاذ القانون".

وبالإضافة إلى المسؤولية الواقعة على عاتق المرتكبين في القضية، تضيف حلال أنّ "المسؤولية تقع أيضاً على الدولة وأجهزتها، وعلى تطبيق تيك توك، وأيضاً على الأهل".

وتتابع: "الأهل ينبغي أن يكونوا واعين لما يحصل مع أولادهم ويؤمّنوا ملاذاً آمناً للأولاد كي يستطيعوا التحدث معهم عن التعرض لحالات مشابهة، أمّا الأجهزة الأمنية فينبغي أن تعزّز الثقة لدى المواطنين إذ تقع عليها مسؤولية كبيرة ولديها القدرة على توقيف هؤلاء".

أما بالنسبة لتطبيق تيك توك فترى حلال أن المسؤولية عليه كبيرة، وتضيف أنه "يجب على الشركة المالكة للتطبيق أن تؤمّن حماية للأشخاص القصر والذين يشكلون أكثرية مستخدمي تطبيقها".

وذكّرت المنظمة أن تطبيق "تيك توك" يقدم في "دليل أولياء الأمور"، بعض الخطوات التي تمكّن الأهل من مراقبة حسابات أبنائهم، لا سيما إذا كانوا تحت سن 13 عاماً، وذلك عن طريق ربط حسابات العائلة مع بعضها البعض "لتمكين واستخدام مجموعة متنوعة من إعدادات المحتوى والخصوصية والرفاهية" على حسابات الأولاد.

ويمكن عن طريق هذا الربط أن يضيف الأهل بعض خصائص الحماية لحسابات أولادهم على التطبيق، مثل جعل الحساب خاصّاً، والحد من التعليقات على مقاطع الفيديو، والاطّلاع على الرسائل المباشرة، والبحث، وتحديد مدة الاستخدام اليومية، وصولاً إلى تقييد الحساب.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".