تتابع الأجهزة الأمنية اللبنانية وخاصة الجيش ملف داعش بشكل جدي
تتابع الأجهزة الأمنية اللبنانية وخاصة الجيش ملف داعش بشكل جدي

من جديد عادت أخبار "داعش" في شمال لبنان للتداول، مع اصدار الجيش اللبناني بيان الجمعة الماضية، أكد خلاله توقيف مجموعة من مؤيدي هذا التنظيم، اعترف أفرادها بقيامهم بأعمال سرقة من أجل تمويل مخططاتهم الإرهابية.

وكشف الجيش اللبناني أنه "على أثر تعرّض منطقتي جبل البداوي ووادي النحلة في شمال البلاد مؤخراً لسلسلة من الأعمال المهدِّدة للأمن والسلم الأهلي، وأبرزها إطلاق النار على آلية عسكرية عائدة لأحد ضباط المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، باشرت مديرية المخابرات في الجيش عمليات تقصّ ومتابعة أمنية".

 وتنفيذاً لإشارة مدعي عام التمييز، أوقفت المديرية "8 مواطنين، تبيّن بالتحقيق معهم أنهم من مؤيّدي تنظيم داعش الإرهابي، واعترفوا إضافة إلى قيامهم بأعمال سرقة من أجل تمويل مخططاتهم الإرهابية، بإطلاق النار على محال تجارية واستهداف الآلية العسكرية المذكورة، إلى جانب تصوير أحد مراكز الجيش اللبناني بهدف استهدافه".

كما ضبطت المديرية "أسلحة وأعتدة استخدمتها المجموعة في أعمالها، وقد سُلمت المضبوطات وبوشر التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء المختص".

وسبق أن أعلن الجيش اللبناني في العام 2022، عن سلسلة عمليات أمنية أسفرت عن توقيف خلايا مرتبطة بداعش كما ذكر الجيش، "منها من كانت تتهيأ لتنفيذ مخططات إرهابية".

وقبلها بعام طفت على السطح، أخبار اختفاء عدد من شبان طرابلس، أغلبيتهم ما دون العشرين عاماً، لتتلقى بعدها عائلاتهم اتصالاً منهم يطلعونهم من خلاله أنهم في العراق، قبل أن يُقتَل عدد منهم، وتضج مواقع التواصل الاجتماعي بهم.

أعمال جرمية فردية

لا ينفي الناشط السياسي والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد الأيوبي، أن بعض أفراد المجموعة التي تم توقيفها متأثرون بأفكار داعش، إلا أنها "لا ترقى إلى مستوى وجود تنظيم داعشي فعلي"، ووصف ما ارتكبه هؤلاء بأعمال "الزعران" الذين يسرقون وينهبون، مع تعاطي بعضهم للمواد المخدرة، متسائلاً "هل نحن فعلاً أمام حالة داعشية حقيقية عميقة أم أن هؤلاء الشباب تأثروا بأفكار داعش عبر الهاتف وتداولوا بعض الفيديوهات".

الحديث عن داعش يعني، بحسب ما يقوله الأيوبي لموقع "الحرة" "الحديث عن دعم مادي ومال وأسلحة ولوجستيات، فداعش الفعلي عتمد على القدرات وليس فقط على الفكر. أما المجموعة التي أوقفها الجيش اللبناني، فمنهم من سرق دراجة نارية لشراء سلاح حربي، وبالتالي نحن أمام حالات فردية، ومن الجيد مكافحتها".

كما ندّد، المدافع عن حقوق الإنسان والوكيل عن 3 من الموقوفين، المحامي محمد صبلوح، ببيان الجيش اللبناني وأسلوب تغطية الخبر من قبل بعض وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، مؤكداً أن "من يتابعها يعتقد أن طرابلس محتلة من قبل تنظيم داعش، وهذا الكلام غير صحيح على الإطلاق"، لافتاً إلى أن "هذه الوسائل الإعلامية تنشر أخباراً غير موثقة عن خلايا داعش دون عرض نتائج التحقيقات".

وأشار صبلوح إلى أن أكبر عضو في الخلية التي اتهمت بالإرهاب يبلغ من العمر 20 سنة، وأنّ نصفهم قاموا بتسليم أنفسهم ولم يتم اعتقالهم، بينما تم توقيف ثلاثة منهم قبل ثلاثة أشهر بتهمة سرقة منظمة غير حكومية.

ويشرح أن "بعض الموقوفين تم اتهامهم بإطلاق النار على سيارة آمر فصيلة سجن رومية، لرفضه مساعدة أحد السجناء بنقله من سجن إلى آخر، فتم تحويل إطلاق نار على سيارته إلى محاولة اغتيال".

لكن الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، يحذّر من استمرار خطر داعش على لبنان، مشدداً على أن هذا التنظيم الإرهابي ما زال يرصد في المنطقة العربية، هدفاً رئيسياً لإقامة "دولته المزعومة".

ويوضح أديب في حديث مع موقع "الحرة" أن "هدف داعش، الذي نجح في إقامة كيانه المزعوم على الأراضي العراقية والسورية في 29 يونيو 2014، هو ضم هذه الأراضي إلى مناطق تابعة للأردن ولبنان ومصر ودول عربية أخرى. وبالتالي، لبنان كان وما زال وسيظل هدفاً رئيسياً للتنظيم."

وفيما يتعلق بإمكانية السرقة لتنفيذ مخططات إرهابية يعلّق "يُجيز داعش السرقة لتنفيذ مخططاته الإرهابية، إذ يُصدر فتاوى مضلّلة حول ذلك، مما يشكّل خطراً كبيراً على الأمن والاستقرار".

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أكد في تقرير أصدره في فبراير الماضي أن داعش لا يزال لديه، والجماعات التابعة، القدرة على شن هجمات تسفر عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين وعن معاناة إنسانية، على الرغم من التقدم المطرد الذي أحرزته الدول الأعضاء بالأمم المتحدة في الحد من القدرات العملياتية لهذا التنظيم.

وفيما يتصل بالموارد المالية للتنظيم، أشار تقرير غوتيريش إلى استمرار تناقص إيرادات داعش الأساسية، "فقد أوردت الدول الأعضاء أن الاحتياطات المتاحة تتراوح بين 10 و25 مليون دولار".

بيئة خصبة للتطرف؟

يعتبر أديب أن لبنان يشكل بيئة خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها داعش، وذلك لعدة عوامل، منها "وجود مجموعات مسلحة خارج إطار القانون، حيث ينشط في لبنان عدد من المجموعات المسلحة التي لا تخضع للسلطة الشرعية للدولة، مما يخلق بيئة من الفوضى وعدم الاستقرار".

يضاف إلى ذلك "انتشار التنظيمات الإسلامية، حيث يتواجد في لبنان مجموعات إسلامية سنية وشيعية، بعضها يرى نفسه فوق القانون ويفرض إرادته على الدولة، وكذلك معاناة هذا البلد من أزمة سياسية خانقة أدت إلى فشل انتخاب رئيس للجمهورية على مدى شهور، ومن أزمة اقتصادية خانقة".

"انتشار الأسلحة في أفغانستان والشرق الأوسط وأفريقيا لاسيما مع استمرار تزايد استخدام داعش لمنظومات الطائرات المسيرة والأجهزة المتفجرة يدوية الصنع"، يثير قلق الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بحسب ما جاء في تقرير غوتيريش.

وعلى عكس أديب، لا يرى الأيوبي إمكانية لظهور داعش في لبنان بالمعنى الفعلي وذلك لسببين أساسيين:

أولاً: استخلص السنّة في لبنان، وخاصة في الشمال، العبر من كل التجارب السابقة، بدءاً من تنظيم فتح الإسلام الإرهابي وصولاً إلى ظهور داعش والنصرة في جرود عرسال والقاع، وما تبع ذلك من تداعيات داخلية. كل هذه التجارب أوصلت الشباب السني تحديداً إلى قرار أنه لا جدوى من الانخراط في التنظيمات المتطرفة، وبالتالي أسقط السنّي التطرف في لبنان.

ثانيًا: تتابع الأجهزة الأمنية، وخاصة الجيش، هذا الملف بشكل جدي ومتوازن. وقد انفتحت مخابرات الجيش بشكل غير مسبوق على دار الفتوى والهيئات الإسلامية، وفتحت حوارات أدت إلى توازن الأمن العسكري مع الأمن الاجتماعي.

ويعتقد الأيوبي أن هذين العاملين يحميان لبنان من إمكانية عودة المنظمات المتطرفة المسلحة، والدليل هو توقف الأخبار عن حالات سفر شباب من شمال لبنان إلى العراق للانضمام إلى داعش، مع وجود بعض الخروق القابلة للعلاج.

وأشار الأيوبي إلى انحسار ظاهرة الاعتقالات العشوائية لمئات في الآونة الأخيرة، مع استمرار وقوع بعض الخروق في القضاء التي تحتاج إلى علاج، خاصة سياسة المماطلة والتسويف في المحاكمات.

قنابل موقوتة؟

ويعبّر صبلوح عن استغرابه "لفبركة تهمة انضمام الشبان الموقوفون إلى داعش لمجرد وجود أناشيد دينية على هواتفهم، مؤكّداً أنّ معظم أبناء الشمال يحتفظون بمثل هذه الأناشيد. كما تساءل عن غياب أي أدلة ملموسة على وجود خلية داعشية، إذ لم يتم تصوير أي من المضبوطات".

ويتساءل عن "الدافع وراء استهداف طرابلس بهذه الاتهامات المفبركة، وعدم وجود مثل هذه الادعاءات في مناطق أخرى"، طارحاً أمثلة "تثبت فبركة الاتهامات ضدّ شباب طرابلس، منها: الادعاء بوجود طائرات مسيرة في طرابلس لاستهداف مستشفى الرسول الأعظم، ومحاولة جهاز أمني الإيقاع بالشباب من خلال مكتب يدعي تجنيدهم في داعش، لتظهر التحقيقات براءتهم، لكن بعد تدمير مستقبلهم".

من جانبه يعتبر أديب أن وجود أناشيد مؤيدة لداعش على هواتف أو أجهزة كمبيوتر أشخاص قد يشير إلى تأييدهم للتنظيم، من دون أن يجزم ذلك أنهم أعضاء فيه، وقد يدفعهم ذلك إلى ممارسة أعمال إرهابية.

ويشدد على أن خطر المؤيدين لداعش قد يفوق خطر المنضمين إلى التنظيم، "فإذا كان هناك المئات أو الآلاف من المنضمين إلى داعش فإن هناك عشرات الآلاف المؤيدين له الذين يدعمونه بالمال والسلاح والأفكار والمعلومات، وقد ينتقلون من مرحلة التأييد إلى تقديم دعم مادي أو تكنولوجي، أو حتى إلى ممارسة العنف والإرهاب".

ويعتبر صبلوح أن المرجعيات الدينية والسياسية في الشمال مسؤولة عما يتعرض له أبناء طرابلس، ويحمّل "قائد الجيش مسؤولية فتح تحقيق مع الضباط الذين انتهجوا فبركة الملفات"، مؤكّداً على متابعته للقضية وكشفه لكلّ التفاصيل أمام الرأي العام، ويشدّد على أن "فنّ صناعة التطرف" الذي تمارسه بعض الأجهزة الأمنية دون أي مساءلة أو محاسبة، يهدّد بتحويل شباب طرابلس إلى دواعش بالفعل.

ويدعو صبلوح إلى وقف التلاعب بأهل الشمال من قبل الأجهزة الأمنية، مشيراً إلى أن "لبنان اعتاد على عدم التوافق بين الأطراف السياسية لانتخاب رئيس جمهورية إلا بوجود معارك تراق فيها الدماء"، رافضاً أن "يتاجر الأمنيون بأهل الشمال ويعرضون أولادهم للخطر في سبيل ذلك".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".