صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس
صورة تعبيرية لمسيرة تضامنية في تركيا مع احتجاجات إيران- فرانس برس

ينتهي عام 2022 وهو حافلٌ بالتحولات الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. فمن تظاهرات إيران إلى مونديال قطر والتقارب الخليجي-الصيني-الأوروبي على وقع غرق الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أوكرانيا، كان هذا عام انقلابي ومن نوعٍ آخر.

عموماً، التغييرات الجيوسياسية التي شهدناها في 2022 أولها تخبط روسيا في أوكرانيا، ومغازلة الخليج للصين إنما دون إيجاد بديل أمني لأميركا، من المتوقع أن تستمر العام المقبل. فلا بوتين على وشك الخروج من مستنقع أوكرانيا ولا الصين بأعبائها الصحية والاجتماعية اليوم قادرة على استبدال واشنطن في قيادة العالم.

الملفات التي قد تشهد حركة العام المقبل سواء سلباً أو إيجاباً هي إيران وسوريا وفي شكل مترابط ومنفصل.

إيران كان عامها المنصرم عام خضات وتحولات سياسية غير مسبوقة منذ نشأة الجمهورية الإسلامية في 1979. فمدة التظاهرات والتي تخطت المئة يوم، ويحيطها حالة من الرفض الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لثوابت النظام، هي الأطول التي تواجه القيادة الإيرانية. وتتقاطع التظاهرات مع هزات أخرى  تواجه النظام، أولها الوضع الاقتصادي وتراجع الريال الإيراني إلى مستوى تاريخي (432 مقابل الدولار) على وقع الفساد والعقوبات والانقسامات داخل الدائرة المالية الحاكمة. يضاف إلى ذلك الأسئلة حول المرشد الأعلى، علي خامنئي، ومن قد يخلفه في الحكم في هذا الظرف.

الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، غير قادر على إسكات التظاهرات أو التعامل مع الأزمة الاقتصادية أو مخاطبة الخارج، فيما، مجتبى خامنئي، نجل المرشد، سيعني تفاقم المواجهة مع الغرب وزيادة نفوذ الحرس الثوري.

الخضات الإيرانية ستزيد من ارتجاجات الإقليم، وتمسك طهران بأوراق العراق ولبنان واليمن والمكاسب الميليشياوية والمالية فيهم.

أما سوريا وهي الحلقة التي تشهد تطورات ملفتة دوليا وإقليميا، فقد تبني على هذه الظروف لاستنباط واقع مختلف في 2023. هذه العوامل التي قد تفسح لحراك ديبلوماسي في سوريا العام الجديد هي كالتالي:

تركيا.. التقارب التركي-الروسي حول الملف السوري وبحكم مصالح مشتركة بينهما مثل كبح نفوذ واشنطن وإضعاف الأكراد في الشمال، قد يؤدي إلى صفقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وبشار الأسد. فإردوغان أبدى استعداده للقاء ثلاثي مع الأسد وبوتين وفي تراجع سيكون الأكبر له إقليميا في حال تم العام المقبل. حسابات إردوغان هنا هي سياسية واقتصادية وانتخابية قبل فتح صناديق الاقتراع في تركيا في يونيو المقبل. هكذا مصالحة بين إردوغان والأسد تفيد دمشق اقتصاديا أيضا وفي حال إعادة فتح السوق التجاري بين الجانبين.

أميركا.. العام 2022 رسخ رفع أميركا الفيتو عن الأسد، فالدعوات لإخراجه من الحكم توقفت والمسؤولون الأميركيون يتحدثون عن استقرار الوضع في سوريا، وانخفاض أعمال العنف ولا ينفون اتصالات مع النظام حول الرهائن الأميركيين. هذا لا يعني أن واشنطن سترفع العقوبات عن الأسد، إنما لا يبدو أن أميركا بوارد الاعتراض على حراك ديبلوماسي هناك.

عربيا، أفضت 2022 بانفتاح أكبر على النظام من زيارة الأسد إلى الإمارات، إلى استئناف عمان طيرانها إلى دمشق. الأردن بدوره يعول على دور أكبر للدول العربية ولروسيا لحشر إيران، هذا الرهان صعب ومعقد بسبب النفوذ الإيراني في سوريا، وبسبب هزات إيران، فهناك فرصة أمام بشار الأسد لإعادة بعض التوازن الذي برع به والده إقليميا بدل أن يحول سوريا إلى محافظة إيرانية.

كل ذلك يرجح حراكاً ديبلوماسياً في الملف السوري على وقع ارتجاجات إيران وانفتاح إردوغان على دمشق من باب موسكو. فهل يستفيد بشار الأسد من الفرصة أو يهدرها كما أهدر رصيد والده منذ العام 2000 وحتى اليوم؟

مواضيع ذات صلة:

الرئيس السوري بشار الأسد زار حلب إحدى أكبر المدن التي تضررت بالزلزال
الأسد خلال حديثه لوسائل الإعلام أثناء زيارته لحلب بعد الزلزال (سانا)

فور حدوث الزلزال الكارثي الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا وقضى على عشرات الآلاف من الضحايا وحّول مناطق شاسعة في البلدين إلى أهرامات من الركام، سارع الرئيس السوري، بشار الأسد، دون خجل إلى تسيس هذه المأساة واستغلالها لخدمة مصالحه الضيقة، ولطمس جرائم القتل الجماعي التي ارتكبها ضد شعبه في العقد الماضي، وللتخلص من العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على نظامه ولإعادة بعض الشرعية لنظامه الدموي الفاسد. 

الأسد رحّب بالاتصالات الهاتفية التي أجراها معه بعض القادة العرب، مثل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وبأولى شحنات المساعدات التي وصلت إلى سوريا من دولة الإمارات وقطر والسعودية والأردن. 

هذه الدول تسعى منذ سنوات إلى إعادة سوريا إلى "حظيرة" جامعة الدول العربية، سوف تتعاون مع دمشق في سياق إغاثة ضحايا الزلزال إلى إعادة تأهيل النظام السوري واعتماد سرديته الواهية التي تدعي أن إغاثة الضحايا السوريين يجب أن تمر عبر دمشق.

حتى الحكومة اللبنانية المستقيلة، التي بالكاد تقوم بمهام تصريف الأعمال، أرسلت وفدا حكوميا رسميا إلى دمشق لبحث تداعيات الزلزال المدمر "والإمكانات اللبنانية المتاحة للمساعدة في مجالات الإغاثة".

لبنان، الذي وصفه أحد الأصدقاء الظرفاء، "أجمل دولة فاشلة في العالم"، هذه الدولة التي تركت للبنانيين مشاهدة ركام أهرامات القمح في المرفأ بعد أن دمرها جزئيا أكبر انفجار غير نووي في العالم لتذكرهم بفشلها وفسادها ورعونتها، دفعتها المروءة المسرحية لمد يد المساعدة لنظام أذلّ اللبنانيين لعقود.

السوريون، الذين قهرهم أولا نظامهم الوحشي، وتخلى الله عنهم لاحقا، إلى أن أتت الطبيعة لتزيد من يبابهم يبابا، يستحقون كل مساعدة وكل إغاثة ممكنة لأنهم ضحايا بامتياز وعلى مدى سنوات طويلة.

ولكن الخبث اللبناني الرسمي ينضح من ادعاءات توفير الإمكانات اللبنانية لمساعدة ضحايا الزلزال في سوريا، (الهدف الأول من الزيارة هو تطبيع العلاقات) بينما يتم تجاهل ضحايا الزلازل السياسية اللبنانية، ومن بينهم ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذي ترفض الحكومة اللبنانية والقوى التي تقف وراءها مثل حزب الله حتى الاعتراف بمأساتهم والتعويض عليها، ومحاسبة المسؤولين عن الانفجار.

وخلال زيارته الأولى للمناطق المنكوبة في حلب (بعد خمسة أيام من حدوث الزلزال) ألقى الأسد باللوم على الغرب لتأخر وصول المساعدات الإنسانية مدعيا أن أولويات الغرب سياسية وليست إنسانية، مضيفا أنه من الطبيعي أن يسيسوا الوضع، لأن اعتبارات الغرب غير إنسانية لا اليوم ولا في السابق.

واستغل الأسد وأقطاب نظامه الزلزال للمطالبة بإلغاء العقوبات الاقتصادية الدولية، في الوقت الذي واصلوا فيه إصرارهم على ضرورة وصول المساعدات الدولية إلى المناطق المنكوبة في البلاد عبر الحكومة السورية فقط، بما في ذلك المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وهو أمر ترفضه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بسبب سجل الأسد خلال العقد الماضي في استغلال المساعدات الانسانية وتوزيعها على أنصاره أو سرقتها وبيعها في السوق السوداء.

وفي الأسبوع الماضي، جددت واشنطن إصرارها على رفض التعامل المباشر مع نظام الأسد أو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة ضده، مع التأكيد على أن العقوبات تستثني المساعدات الانسانية والأغذية والأدوية.

وقال الناطق باسم وزارة الخارجية، نيد برايس، للصحفيين: "من المثير جدا للسخرية، إن لم يأت بنتائج عكسية، أن نتواصل مع حكومة عاملت شعبها بوحشية على مدى أكثر من عشر سنوات حتى الآن عن طريق إطلاق قنابل الغاز عليهم وذبحهم، لتتحمل المسؤولية عن الكثير من المعاناة التي يعيشها الشعب".

في هذا السياق من الصعب تصديق ادعاءات وزير الخارجية السوري، فيصل مقداد، أن حكومته مستعدة لأن تسمح بدخول المساعدات الدولية إلى جميع المناطق السورية "طالما لم تصل إلى التنظيمات الإرهابية المسلحة" كما قال في مقابلة تلفزيونية وهذا يعني عمليا استثناء محافظة إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام الإسلامية.

وادعى مقداد أن العقوبات تزيد من صعوبة الكارثة. هذا الموقف ينسجم مع الموقف التقليدي لنظام الأسد خلال العقد الماضي حين كانت السلطات السورية تمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين الذين كانوا يعانون من المجاعة في المناطق المحاذية للعاصمة، دمشق، كما حدث خلال سنتي 2012 و2014. ويجب ألا نتوقع غير ذلك الآن.

نصف المناطق المنكوبة في سوريا واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية والنصف الآخر واقع تحت سيطرة المعارضة المسلحة.

ويخشى السوريون في المناطق الواقعة خارج السيطرة الحكومية في شمال غرب سوريا وكذلك منظمات الإغاثة الدولية من أن نظام الأسد سوف يعطل إيصال المساعدات إليهم او الاستيلاء عليها، وأن الوسيلة الوحيدة لإيصال هذه المساعدات بسرعة الى المتضررين هي عبر الأراضي التركية وعبر معبر باب الهوى، وهو المعبر الوحيد المفتوح بين تركيا وسوريا.

وتقوم روسيا، بطلب من الحكومة السورية باستخدام حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي لمنع فتح المعابر الاخرى بين تركيا وسوريا.

ولذلك، فإن مفتاح الإسراع بإيصال مساعدات الإغاثة الدولية إلى تلك المناطق السورية هي عبر فتح المعابر الدولية، بدلا من الحديث العبثي عن إلغاء العقوبات الاقتصادية وهي مسألة صعبة قانونيا وسياسيا، وسوف تؤدي إلى تعزيز وترسيخ نظام ارتكب جرائم حرب ضد شعبه. ووصلت صفاقة النظام السوري إلى درجة أنه قصف مناطق المعارضة المنكوبة حتى بعد حدوث الزلزال.

وفي خطوة لافتة أرادت من خلالها واشنطن أن تفند الاتهامات الباطلة بأنها لا تقوم بما فيه الكفاية لإيصال المساعدات الى المناطق السورية المنكوبة، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية استثناء مؤقتا من العقوبات يتعلق بالمعاملات المالية للأغراض الإنسانية لمدة ستة أشهر.

وأكد مساعد وزير الخزانة الأميركية، والي أدييمو، أن "برامج العقوبات الأميركية تحتوي بالفعل على إعفاءات قوية للجهود الإنسانية ومع ذلك أصدرت وزارة الخزانة اليوم ترخيصا عاما شاملا لتفويض جهود الإغاثة من الزلزال حتى يتمكن أولئك الذين يقدمون المساعدة من التركيز على ما هو مطلوب أكثر: إنقاذ الأرواح وإعادة البناء".

ولكن هذا التعديل المؤقت لا يشمل السماح بالتعامل المالي مع أي جهة رسمية تابعة لنظام الأسد ولا التعامل مع الأفراد المدرجين على قوائم العقوبات، كما لا يستثني الحظر المستمر على النفط السوري.

من المتوقع أن يؤدي الزلزال إلى تعجيل وتيرة تطبيع العلاقات بين معظم الدول العربية بمن فيها أصدقاء الولايات المتحدة والنظام السوري، على الرغم من استمرار العلاقات الوثيقة بين دمشق وطهران.

كما من المتوقع أن تبقى العقوبات الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على النظام السوري، طالما بقي الأسد متربعا على كرسيه الرئاسي فوق الركام السوري.