الكاظمي
تعرض رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لمحاولة اغتيال باستخدام طائرة مسيرة

حين يقول أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني: "إن محاولة اغتيال رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، هي فتنة جديدة ينبغي تعقبها في مراكز الفكر الأجنبية التي دعمت المجموعات الإرهابية في العراق"، فهو بذلك يلاقي أمين عام حزب الله اللبناني، حسن نصرالله، حين يتهم الأخير قاضي التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، طارق البيطار، بالتواصل مع جهات خارجية وسفارات غربية لحرف التحقيق!

والحال أن ما رشح من قرائن عن هوية الجهة التي أطلقت الطائرات المسيرة نحو منزل الكاظمي في المنطقة الخضراء في بغداد كلها تؤشر إلى أنها جماعة قريبة من طهران. المكان الذي انطلقت منه الطائرات، وما كشفته وكالة رويترز لجهة أنها صناعة إيرانية، ناهيك عن الاحتقان السياسي الذي يشهده العراق بسبب خسارة الفصائل الولائية الانتخابات التي نجح الكاظمي بتنظيمها، هذه كلها عناصر يجب بحسب شمخاني تجاوزها والذهاب بالشكوك نحو "المؤامرة الغربية". 

في لبنان أيضا تذهب المؤشرات نحو حلفاء حزب الله، إن لم تكن نحوه مباشرة، فالشركات التي اشترت الأمونيون الذي انفجر في مرفأ بيروت قريبة من النظام السوري بحسب ما كشفت التحقيقات، والمسؤولون عن المرفأ والوزراء والأمنيون يدورون في فلك المنظومة التي يحميها الحزب، والقاضي الذي بحوزته الملف لم يسبق أن كان خصما للحزب، لا بل إن تعيينه محققا في الانفجار تم عبر حكومة للحزب فيها القرار النهائي، وحليف الحزب، أي رئيس الجمهورية، ميشال عون، هو من اختار،طارق بيطار، لهذه المهمة. لكن علينا أيضا أن نشيح بوجوهنا عن كل هذه الحقائق، وأن نصدق أن وراء القاضي مؤامرة على حزب الله! 

لم يكن احترام العقول من هموم الخطاب الإيراني في أي يوم من الأيام، لكن هذا الخطاب ذهب هذه المرة خطوة أبعد من إهانة العقول، ذاك أننا هنا حيال قلة اكتراث بما تخلفه تصريحاتهم من قناعة بأنهم غير أبرياء مما يتهمون به "الفكر الأجنبي". فأصحاب الخطاب التخويني لا يعنيهم الوصول إلى عقول من يخاطبون، وليس مهما بالنسبة إليهم أن يخلف كلامهم قناعة، لكن الأهم أن يخلف خوفا، فمنظومة الخوف تتقدم في أهميتها على وجود قناعة!

محاولة اغتيال الكاظمي هي محاولة قتل معلنة. لا أحد في العراق يجادل في هوية الفاعلين، وهي جاءت تتويجا لثلاث محاولات متتالية بحسب ما كشف الكاظمي بنفسه! وقصص القتل في العراق، لا سيما تلك التي استهدفت ناشطين وصحافيين شيعة، تملك من القرائن والأسماء والوجوه ما يحسم هوية المنفذين. والغريب أن عناصر الجريمة ما زالت خارج حسابات الطبقة السياسية بوصفها جزءا من مشهد التجاذب. الجريمة في العراق ضمنية، وهنا تماما قوتها، ذاك أنها أصبحت طاقة دافعة نحو الارتهان، لا بل أنها طاقة معترف بحضورها، وتملك شرعية تجعل من خطاب نفيها أمرا بديهيا ومقبولا. لهذا تماما يشعر شمخاني أن بإمكانه إحالة الجريمة إلى "الفكر الأجنبي"، ويدرك أن أحداً لن يتمكن من مواجهته.

لكن ماذا بعد محاولة الاغتيال المعلنة هذه؟ وهل تعني نجاة الكاظمي فشل المحاولة؟ فهي أيضا دخول على خط المفاوضات الجارية على تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات. وهي استعاضة عن استهداف الفائز بالانتخابات عبر استهداف منظمها. ومن يعرف العراق، يعرف أن هذا النوع من الرسائل يصل إلى أصحابه، وهم يبنون على أساسه حساباتهم. فشل حلفاء طهران في الانتخابات يجب أن لا يُبنى عليه غيابهم عن التشكيلة الحكومية، ويجب أن لا يأخذنا إلى الحد من نفوذ سلاح الحشد، وعلى مقتدى الصدر أن يعود ليقيم في قم بدلا من الكوفة والنجف.

أما الكاظمي، فقد ذهب بعيدا في طموحاته العربية، وهو إذ وازن بين الحضورين الإيراني والعربي في العراق، أخطأ في اعتقاده أنه يريد عراقا يتوسط في النزاع، فالعراق يجب أن يكون جزءا من الصراع، ومشهد وزير الخارجية الإيراني، حسين عبد اللهيان، مستفزا في مؤتمر بغداد للأمن الإقليمي، يؤشر للوظيفة التي تريدها طهران لبغداد.

إيران تملك من الأوراق الميدانية في العراق ما لا ينسجم مع نتائج الانتخابات، وهذا اختلال كبير سيكون له ارتداداته الأمنية والسياسية، والمفاوضات على تشكيل الحكومة جزءٌ من الحسابات التي تراهن طهران على أن تتولى رأب هذا الصدع في نفوذها. والرهان على موازنة نفوذها عبر الحضور العربي والدولي لطالما كانت له أثمانه الدموية. 

الكاظمي يجيد استقبال الرسائل كما يجيد النجاة من الكمائن، وهو واقعي إلى حد يمكنه من التعامل مع مرحلة ما بعد فشل محاولات الاغتيال.    

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي
في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي

في اللحظة التي تستعر فيها الأزمات الاقتصادية، يميل المرء إلى "استمزاج" آراء "الاختصاصيّين" و"يستسيغ" التقنيات التي يقدّمونها عن "مكافحة الفساد" ووقف الهدر، وعن "الحوكمة السليمة" و"الشفافية" وعن "تكبير كعكة الاقتصاد" و"جذب الاستثمارات".

وفي ظلّ هذه الوصفات الجاهزة التي يمكن العثور عليها في التقارير والخلاصات الصادرة عن المؤسسات الدولية والإقليمية المختصة، يتراءى للمتابعين أنّ المشكلة تقنية وسلوكيّة وبالتالي بمجرّد أن يتجرّع المرضى الأدوية "المسبقة الوصف" يتعافون.

ولكن يغيب عن بال الكثيرين، بفعل الضخ الإعلامي للحلول المعلّبة، أنّ مشاكل الدول ليست واحدة، إذ إنّها قئات متنوّعة، وعليه فما يصح على فئة منها لا يصح بالضرورة على فئة ثانية أو ثالثة أو رابعة، إذ إنّ الفساد في العالم الثالث، عمومًا، ليس مسألة أخلاقيّة بل مسألة بنيويّة، ويتوسّله الطغاة، على سبيل المثال لا الحصر، من أجل ضمان تأييد أصحاب المصالح والقوى المؤثّرة في المجتمع، وتفتيت الفئات الأكثر صلابة، ولذلك كما يكون الولاء تكون الثروة!

وبناء عليه، فإنّ قراءة المأساة التي تعصف بلبنان مستحيلة إذا ما اعتمدت قواميس "الخبراء الاقتصاديّين" و"يساريّي الهوى" و"يمينيّي الشعارات" والإرشادات "العلنيّة" الصادرة عن "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، لأنّ سقوط لبنان في الجحيم لم تتسبّب به الأخطاء والخطايا الماليّة والإقتصاديّة، على أهميّتها، بل النهج السياسي، إذ إنّ أخطر إنذارات "الارتطام الكبير" بدأت تظهر في العام 2017، بعد إشارات أثارت قلقًا فرضت نفسها، بدءًا من العام 2011، في حين أنّ الفساد والهدر والزبائنيّة والمحاصصة وغيرها من العبارات المماثلة، قديمة جدًّا وراسخة.

في العام 2011، بدأ "حزب الله" استعداداته التمهيديّة للدخول العسكري  إلى  سوريا دعمًا لنظامها، في الوقت الذي كانت فيه المساعي المبذولة قد بدأت تنجح في الكبح التدريجي لدعم الثوّار السوريّين، بشريًّا ولوجستيًّا، وفي العام 2017، سجّل لبنان نفسه رسميًّا في خانة دول "محور الممانعة"، وتدخّل في حرب اليمن، وامتنع عن إدانة ما تتعرّض له الدول الخليجية من عدوان بقيادة إيران، وحوّل نفسه الى مقر إعلامي لوسائل إعلام منسوبة الى "المعارضة الخليجية"، وفتح معابر التهريب على مصراعيها أمام تجارة المخدرات والكبتاغون.

ولقد بدا واضحًا أنّ "حزب الله" كان قد أخذ قرارًا نهائيًّا بتغيير طبيعة لبنان الاقتصادية والماليّة، حتى يصبح دولة "تتلاءم مع وجود المقاومة"، وفق تعبير خاص برئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمّد رعد.

وقد أنتج هذا النهج الذي قاده "حزب الله" بالتحالف مع "التيّار الوطني الحر" بعدما كان الحزب قد أوصله الى رئاسة الجمهوريّة، تدهورًا تاريخيًّا في علاقات لبنان العربيّة والخليجية وأضعف ثقة المستثمرين به فبدأوا يهجرون لبنان ومعهم هربت تباعًا، أموال كبار المودعين.

وبما أن "الشيء بالشيء يذكر"، فإنّ الدول التي تدور في فلك "محور الممانعة" تعاني كلّها، بدرجات متفاوتة، من الأمراض المالية والاقتصادية والحياتية نفسها، على الرغم من تفاوت قدراتها وثرواتها.

وفي هذا السياق، لا توجد دولة أكثر قدرة على التعبير عمّا وصلت إليه أحوال لبنان سوى إيران نفسها التي يرى مرشدها علي خامنئي في لبنان "عمقًا استراتيجيًّا" لجمهوريته الإسلامية.

في إيران يتنافس التومان مع الليرة اللبنانيّة على الانكسار أمام الدولار الأميركي، في وقت يتناقل فيه "خبراء النظام" وخبراء "حزب الله" الكلام نفسه عن الحلول التقنية المرجوّة.

الطرفان يحمّلان المسؤوليّة إلى الحكام السابقين وإلى "الجشعين" و"المضاربين" و"التجار" و"المعارضين" وإلى "الحصار الأميركي" الذي طالما أعلنا انتصاراتهما عليه وعلى إجراءاته وتدابيره وقراراته.

والطرفان أقدما في السنوات الأخيرة على الأفعال نفسها، فأوصلا "الموثوقين منهما" إلى أعلى المناصب، واتخذا قرارات أدّت الى عزل دولتيهما، في وقت كانا لا يتوقفان عن وعد الناس بـ"جنّة عدن".

وقد قفز الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، على الرغم من أنّه ليس "شيخ طريقة" في صناعة الدول المزدهرة، فوق شعارات المتشدّدين ووصفاتهم "الفارغة" وذهب مباشرة الى صلب الموضوع، إذ قال وفق ما نقلت عنه صحيفة "آرمان ملي" في عددها الصادر أمس، أنّه "لو كانت هناك نيّة على إحداث تحوّل في الأزمة الاقتصادية في إيران فيجب ، بادئ ذي بدء، إحياء الاتفاق النووي، لأنه من دون إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات وتحسين العلاقة مع العالم،  لا يمكننا أن نتوقع حلّ المشاكل الاقتصادية (...) يتصوّر البعض، أنه ومن خلال التعامل مع العالم، قد نشهد وجود مندسين من الخارج، لكن في الحقيقة، فإن العزلة هي التي توجد المندسين".

وهذا يعني أنّ الخروج من الجحيم يستدعي تغييرًا في نهج التعاطي مع الداخل والخارج في آن!

وعليه، فإنّ لبنان إذا لم يتمكّن من تحرير نفسه من التبعيّة لإيران ورفع قبضة "حزب الله" عن الدولة، فهو لن يتمكن من رؤية أيّ ضوء في نهاية النفق في العام 2023، لأنّ المشكلة ليست محصورة في الأشخاص، مهما كانوا فاسدين أو سيّئين، بل هي، بادئ ذي بدء، في بنية الدولة ودورها وموقعها.

 ومن يزرع الريح يحصد العواصف!ّ