سلفيون في تجمع سياسي سابق في تونس
"تتحطم قوى الإسلام السياسي لأنها لم تعد تملك خطاباً لافتاً وساحراً تقوله"

 

لا تتحطم تيارات الإسلام السياسي في مختلف بلدان منطقتنا لأسباب جيوسياسية فحسب، وإن كانت هذه الأخيرة شديدة الفاعلية لحدوث ذلك. تتحطم قوى الإسلام السياسي لأنها لم تعد تملك خطاباً لافتاً وساحراً ومؤثراً تقوله، هذه التيارات التي كانت طوال تاريخها السياسي، منذ أوائل القرن المنصرم وحتى الآن، لا تملك مشروعاً وأيديولوجية ورؤية وميزة إلا "الخطاب"، وهو الذي بفعل عوامل شديدة التركيب، وتغيرات بنيوية بالغة العُمق، صارت تفتقده. 

العراق بتنوعه وحيويته السياسية وتجربته الفريدة يُقدم مثالاً واضحاً ومُختصراً ومُعبراً وشاملاً على ذلك. ومثال العراق يُمكن جره على بُلدان المنطقة كلها. 

فقبل أسابيع قليلة، جرت في العراق انتخابات برلمانية عامة، كانت الأكثر نزاهة وشفافية وسلمية في تاريخ هذا البلد على الاطلاق. كانت هزيمة الإسلام السياسي، الشيعي والسُني والكُردي منه على السواء، أبرز ملامح هذه الانتخابات.  

فالحزبان الإسلاميان الكُرديان، اللذان تقليدياً كانا يحصلان على قرابة 15 مقعداً، حصلا فقط على خمسة مقاعد. حدث ذلك، لأن الإسلام السياسي في إقليم كُردستان لم يعد قادراً على إغراء القواعد الاجتماعية بخطابه التقليدي عن "المحرومين والمستضعفين"، الذين يواجهون "طُغمة من الفاسدين".

فمثل هذا الخطاب صار مُلكاً لشخصية شعبوية واحدة، اسمه شاصوار عبد الواحد، الذي صار قادراً على الظفر بالقواعد الاجتماعية التي كانت موالية للإسلاميين، عبر قناة تلفزيونية واحدة، وعدة صفحات فعالة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي غلبت كُل إمبراطورية الإسلاميين من كلام المظلومية.  

الحزب الإسلامي العراقي لم يحصل على أي مقعد قط، وهو الذي كان يمثل نهج جماعية الإخوان المسلمين العراقية، والذي ورث فعلياً القواعد الشعبية السُنية العراقية "البعثية" التي كانت، وبقي هذا الحزب لأكثر من دورة انتخابية، الحزب "السُني" الأول في البرلمان. 

حدث ذلك، لأن مراوغة خطابية كان يفيض بها الكلام السياسي لهذا الحزب طوال عقد ونصف كامل مضى، لم تعد ذات مضمون ومعنى، بل صارت شديدة الخطورة. فذاك المزيج المريع من تراثي البعث والإخوان المُسلمين، والذي لا يملك مضموناً، خلا مراكمة الضغينة والكراهية الطائفية، أدى منطقياً لانبلاج ظاهرة كداعش، التي آذت الكثيرين، لكنها حطمت حياة ملايين السُنة هؤلاء. 

الأحزاب الإسلامية الشيعية بدورها خسرت أغلب مقاعدها، التي ظفرت بها القوى والشخصيات المدنية، والفوز الاستثنائي للتيار الصدري حدث لأن الصدر على العكس من تلك القوى الإسلامية، إنما يملك خطاباً يمزج بين الأبوية الأهلية مع الوطنية المناهضة للطائفية. 

الإسلاميون الشيعة خسروا لأسباب كثيرة، لكن تهافت مضامين خطابهم العمومي كان على رأس تلك الأسباب. فبالنسبة لعشرات الملايين من الشُبان العراقيين، الذين يعيشون أسوأ الظروف الاقتصادية والنفسية والحياتية، وبسبب سياسات وسلوكيات هذه الأحزاب الإسلامية التي كانت تحكم طوال السنوات الماضية، لم يعد أمراً ذو معنى أن يأت حزب أو تيار سياسي، يكون كُل برنامجه السياسي عبارة عن خطابية طويلة حول مظلومية الشيعي وآلام "آل البيت"، ويسعى للظفر بأصوات وولاء ملايين الشُبان هؤلاء، فقط لأنه يملك ترسانة من الشيوخ الذين يستطيعون قول ذلك بدرامية تشبه المسرحيات الإغريقية القديمة. 

مثل العراق بالضبط، تجري الأمور في باقي بُلدان المنطقة، من المغرب إلى تركيا، مروراً بمصر وإيران وسوريا ولبنان وبلدان الخليج العربي. ثمة إسلام سياسي يفقد لسانه الذي كان. جرى ذلك بعدما صارت المُجتمعات أكثر حذاقة وفطنة لكشف تهافت مضامينه وسوء مصداقيته، ولبروز منافسين ميدانيين أكثر إغراء وجدارة، وأولاً لأن الإسلاميين أظهروا قدرة مُريعة لأن يكونوا مُعارضين أبديين، لكن أسوأ الحاكمين لو غلبوا.  

ثلاث مراحل رئيسية ظهرت في هذا الانحدار المتقادم للخطابية الإسلامية. 

فطوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، كانت الخطابية الإسلامية تتمركز حول مفهوم "الطاغية"، لوصف وخلق تصور مُحدد حول السُلطة الحاكمة، باعتبارها كينونة خارجية، يملكها طاقم من "الأشرار المتآمرين" على الهوية المحلية. كانت تلك الخطابية تُغري ملايين الشُبان المتحمسين، لأنها كانت تخلق صراعاً حربياً أساسه الهوية العصبية.  

بالتقادم، اكتشفت نفس القواعد سذاجة ذلك الخطاب. فما كان يُسميه الإسلاميون بـ"الطاغية" لوصف نظام الحُكم وهيكل السُلطة، ظهر جلياً باعتباره مجموعة هائلة من المصالح والتداخلات الاجتماعية، المتجذرة في الأساس الأعمق لهذه المجتمعات، والتي ينخرط فيها ملايين المواطنين، وكلٌ حسب قدراته وحظوظه للنفاذ إلى ذلك الهيكل، ولغير صُدفة كان الآلاف من رجال الدين من أبرز المتلهفين للاندراج في تلك الهيكلية.  

لأجل ذلك، صارت الخطابية الإسلامية حول السلطة ونظام الحُكم، باعتبارهم "شراً مُطلقاً" وخارجياً، وحيث ستكون الحياة وردية فيما لو زالوا، وبالذات حينما يحكم الإسلاميون، مُجرد كلامٍ دون أي معنى.  

في مرحلة لاحقة، ومع بداية الألفية الجديدة، انقسمت الخطابية الإسلامية إلى حيزين: إما إسلام سياسي طائفي، في البلدان التي تملك حساسيات من ذلك النوع، كما في سوريا ولبنان والعراق. أو إسلام سياسي خدماتي، يُكثر الحديث حول الفوارق الطبقية والفساد والنهب العام والفقراء وأمور مشابهة.  

التجربة التاريخية القصيرة، أثبتت من طرف أن خطاب الإسلام السياسي الطائفي لا يؤدي إلا إلى حروب أهلية مديدة، تقتلع كُل إمكانية للحياة، ولا تُنتج إلا شخصيات ومواقف وسياسات وظروفاً عجائبية، تشبه بالضبط عجائبية الصراعات الطائفية نفسها.

فوق ذلك، فإن ذلك الإسلام السياسي المتمركز حول الخطابية الطائفية، إنما حطم ومزق مشاريع وفرص وإمكانية مؤاتية لبناء بُلدان وتجارب على أسس سياسية مدنية، تتبنى بعض القيم الحداثوية للعمل العام وتُحسن شروط الحياة بكل شكل. لذلك بالضبط، صار ملايين المواطنين، يملكون حنقاً مريعاً تجاه ذلك الإسلام السياسي الطائفي، الذي حطم آمالهم بحياة أكثر بهاء وهدوء وإمكانية، لولا ما فعلته تلك الخطابية.  

خدماتياً، من طرف عرف الناس جيداً أن مُشكلة الفساد والنهب العام والفروق بين الطبقات الاجتماعية غير متعلقة بهوية الحاكمين، سواء كانوا إسلاميين أم لا، مؤمنين أو مدنيين أو حتى "كفرة"، بل أن قضية الفساد مرتبطة بنوعية وهوية الحُكم وهيكلته وشرط توازنه مع المُجتمع. والإسلاميون في أكثر من تجربة أثبتوا أنهم الأقل قدرة على الإطلاق لتحسين شرط الحُكم ذاك. ولأجل ذلك، لم يعد خطابهم حول المظلومية الاجتماعية والطبقية مادة رائجة.  

أخيراً، فإن الإسلاميين الذين حاولوا ترويج خطابهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، والاستفادة قدر المُستطاع من سحر وجاذبية هذه الأدوات الحديثة، نجحوا في أمثلة كثيرة، بالذات حينما مكَّنتهم هذه الوسائل من مزج الدعوة الأخلاقية بمنظومة شروح العبادات والنواهي، وترويج الدعوات والطروحات السياسية من جنبات الأمرين ذلكم.  

لكن سنوات قليلة مضت، حتى صار لهذا الفضاء مالكوه وملوكه الخاصون، الأخف دماً والأسرع بديهة من الإسلاميين بما لا يُقاس، والأكثر قدرة على تلبية حاجات القواعد الاجتماعية للتسلية والترفيه والجمال والحاجات اليومية الأخرى. لكن أولاً الأكثر أغراء من أي خطابية إسلامية، لأن هذه الأخيرة كانت على الدوام ربيبة القنوط والكآبة والغضب، والناس أساساً كانوا يهرعون إلى وسائل التواصل الاجتماعي هذه، فقط للهروب من كُل تلك الظروف والمناخات، حيث الحياة الواقعة مُتخمة بها جداً.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.