In this Saturday, April 25, 2020, photo, Delhi's Jama Masjid is seen deserted on the first day of Ramadan during a nationwide…
يقول محمد المحمود إن الحرية هي الأساس أو الأصل الذي يسبق الاستثناء: التنظيم القانوني.

لا تقف حدود "حرية التعبير" عند حدود "فن القول"، بل هي، في الأصل وفي الفصل، تُشَكِّل المجالَ الحيوي لـ"حرية التفكير"؛ إذ التفكير تعبير صائت أو صامت، كما أن التعبير، أيُّ تعبير، هو تفكير بدرجة ما، على سبيل الضرورة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالتعبير هو شرط نمو التفكير الذي هو نتاج تلاقح العقول وتلاقح التجارب وتلاقح المتراكم النوعي منهما، وما ينتج عن كل ذلك من إخصاب فكري تكون اللغة هي وسيطه المثالي في التوصيل وفي التوثيق وفي التأبيد. 

إذا كانت لديك أفكار، ولدي أفكار، ولدى الآخرين أفكار، فكيف يعرف كل منا هذه الأفكار، كيف يُعاينها ويتفاعل معها؛ إذا لم يكن التعبير عنها مُتاحا. بل إن أفكار كل واحد منا لم تكن لِتتَخلّق في وعينا أصلا، لو لم يكن ثمة أفكار أخرى مطروحة من قبل، أي أفكار حصلت على فرصتها في الظهور العلني: التعبير، ومن ثم اشتغلنا عليها استيعابا وتغييرا وتطويرا.  

كل هذا يعني أن اتساع فضاء حرية التعبير هو شرط اتساع فضاء حرية التفكير. لا أحد يشتغل على ما في الضمائر؛ إذ لا أحد يعلم الغيب. والأفكار التي يتعذّر خروجها للعلن (أي التعبير عنها) تموت قبل أن ترى النور، تموت قبل أن تُخْلق حقا في الواقع بلغة ما. وهي إذ تموت، لا تموت كأفكار ذاتية عابرة فحسب، لا تموت كمنجزات فردية معزولة، بل تموت بموتها سلسلة إخصاب فكري متواصل كان من الممكن أن يتطور لأفكار أخرى أعمق، وأكثر نجاعة، وأقدر على الانخراط في المسار الجدلي للأفكار.  

من هنا تأتي أهمية البيئة لـ"عالم الفكر". المجتمعات التقليدية المحافظة لا يُسمح فيها بتداول الأفكار وتفاعلها إلا بحدود وقيود وشروط كفيلة بتعقيمها. كل مكونات المجتمع المحافظ التقليدي، وبكل مستوياتها، تُحاصِر نموَّ الأفكار، حتى أن الوَحدة الصغرى الحميمية (أي الأسرة) بعلائقها المتنوعة قد تكون أشد محاصري الأفكار، بل وقد تطبع مراحلَ النشأة الأولى بقيود غير مرئية أو غير معلنة، تُرافِق الإنسانَ وتُحْكِم سيطرتها على وعيه حتى لو تحوّل إلى بيئات اجتماعية أخرى أكثر انفتاحا وأكثر تقبلا للتنوع والاختلاف. 

يذكر عباس العقاد رأي شوبنهور في منجز "عمانويل كانت" الفكري أو الفلسفي، وكيف أنه لو تقدم قليلا أو تأخر قليلا عن عصر فردريك الكبير لما ظهر، أو لما ظهر كما عُرف لاحقا. والعقاد يؤكد هذا بما حدث لـ"كانت" بعد ذلك من مضايقات (يوميات العقاد، ج1،ص18).

وهذا يعني أن أعظم الفلاسفة وأقوى رجال الفكر (أي كانت) لا يدين بمنجزه لنفسه فحسب، وإنما أيضا، وربما بدرجة أكبر مما يعتقد كثيرون، يدين به للبيئة التي تخلّق فكره فيها. والمديونية هنا تمتدّ لما هو أبعد من مفكر أو فيلسوف واحد، فلو لم يكن "كانت"؛ لما كان "هيجل"، ولو لم يكن هيجل لما كان "فيورباخ" ولا "ماركس" ولا...إلخ، ما يؤكد أن الظرف الاستثنائي الحرياتي الجميل الذي مَرّ به "كانت" لم يكن له الفضل في ظهور ونمو أفكار "كانت" فحسب، بل تعداه إلى الأجيال اللاحقة، وصولا إلى يومنا هذا الذي يقتات فيه الفكر الإنساني على ما أنتجه "كانت" وأحفاد الفكر الكانتي؛ إن لم يكن تثميرا على سبيل التوافق الواعي وغير الواعي، المباشر وغير المباشر؛ فهو تثمير على سبيل النقض والتضاد.  

يُرجع الباحث اللبناني، خليل أحمد خليل، غياب الإبداع في الجامعات العربية إلى كونها جامعات تقليدية، تفتقر إلى حرية البحث التي هي حرية التعبير، ويرى أن مسارات البحث في الجامعات العربية مُقَنّنة أو مُحَدَّدة، وتخضع لضبط مُوجّه يلغي في النهاية دورها كمنارات للإبداع الفكري (عقل العلم وعقل الوهم، ص221و222). وما ينطبق على الجامعات ينطبق على غيرها من فضاءات القول. 

لكن، إذا كانت مسألة "حرية التعبير" على هذه الدرجة من الأهمية التي تتجاوز حدودها كتفريع على "الحرية" المرتبطة بالشرط الإنساني، إلى كونها شرطا لنمو أو تطوّر الأفكار، فإن حدودها/ حدود حرية التعبير بقيت موضعَ جدل لا ينتهي.

فالتعبير هو في النهاية "نوعُ فعلٍ" له مُتتالياته الضرورية أو المحتملة، المباشرة وغير المباشرة، الخطيرة، والأقل خطورة. ما يعني أنه، من حيث هو نشاط عام، دخول تفاعلي في شبكة من العلاقات المتعدية. وبالتالي، لا بد أن يكون، وبصورة ما، خاضعا لنسق من الأعراف الثقافية، ولحزمة من القوانين، الضابطة، والضامنة لحقوق الآخرين. 

لا أحد يقول بـ"حرية التعبير" المطلقة. حتى في أشد البيئات التحررية تقديسا لـ"حرية التعبير". حتى في دول ومجتمعات ترسّخت فيها حرية التعبير منذ قرون، لا أحد يقول بالتسامح مع نشر أفكار عنصرية أو قومية، أو أفكار أو معتقدات دينية تدعو لقتل الآخرين، أو حتى تُمَهِّد لتحقيرهم (ومنه تحقير وازدراء ما يرتبط بذواتهم حقيقة أو اعتبارا: ما يعتقدونه مقدسا) والتشريع لاضطهادهم بأي صورة من صور الاضطهاد.     

إذاً، والحال كذلك، لا بد من سن قوانين أو أنظمة ترسم حدود حرية التعبير. وهنا، تأتي المشكلة. كثيرون يقولون بضرورة حرية التعبير، وقليلون يقولون بقداستها، ولكن الجميع من هؤلاء وهؤلاء يُؤكّدون أن حرية التعبير لا يَجوز أن تُشَكّل اعتداء، ولو محتملا، على الآخرين في أبدانهم أو في قيمتهم الاعتبارية أو سمعتهم، أو في مقدساتهم التي ربما تتجاوز قيمتها الاعتبارية لديهم قيمة وجودهم الشخصي ذاته.     

الأنظمة والقوانين هنا هي محل الإشكال؛ لأنها ستتداخل مع مسائل وقضايا أخرى لا يمكن تجاهلها. أول ما يُواجهنا هنا هو تحديد: ما الفرق بين "التوصيف الموضوعي" لواقعة ما أو لشخص ما، و "النقد" في حدود التقييم المعياري أو الأخلاقي، و"الإساءة" الصريحة المُتعمَّدة؟ وماذا عن "البحث العلمي" في مسائل تاريخية أو وقائع راهنة، قد يُشكّل طرحها إساءة عميقة لمشاعر الملايين ؟ هل يُترك البحث هنا لمجرد أن هناك من سيستاء منه أو من نتائجه أم يكون للبحث قداسته ويجري على حدوده المعتبرة علميا؛ بعيدا عن أي اعتبار؟ ثم وماذا لو كان البحث "موضوعيا في حدوده التقنية"، ولكنه، وفي مسار يصعب رصده قانونيا، يُضْمِر إرادةَ تشويه وإساءة، وربما تحيزات عنصرية في نهاية المطاف؟  

إنها مسائل شائكة، ولا يمكن تحليلها وفرزها بعيدا عن التحيزات الذاتية: الفردية أو الجمعانية. وفي هذا السياق تأتي مشكلة قانون "ازدراء الأديان" وما شابهه من القوانين في بعض البلدان العربية والإسلامية. فهذا القانون مُشْكِل في أصله النظري، وفي تأويلاته القانونية، كما هو أكثر إشكالا وتأزيما في مسار تطبيقاته العملية على الأفراد والمؤسسات. 

فأولا: ما المراد بـ"الازدراء" هنا؟ هل مجرد البحث العلمي في دين ما، يُعَدُّ ازدراء له؛ إذا ما كَشفَ هذا البحثُ عن ما يُعَد "سلبيات" في الوعي العام الراهن؟ إذا ما بَحَث باحثٌ، وأثبت بأدلة مُوَثَّقة أن هذا الدين أو ذاك المذهب أو تلك العقيدة المدنية، أو هذا المسار الفكري...إلخ يُجيز قتل المخالف لمجرد الاختلاف أو يُجيز زواج الأطفال أو يُبارك إهانة المرأة...إلخ، هل يعد هذا البحث الموثق "ازدراء"؛ بينما هو مجرد نقل وتوثيق لما يعتقده ويعتمده ويتدارسه أولئك الذين يرون أن مثل هذا البحث التوثيقي يشكل "ازدراء" لدينهم أو مذهبهم أو فكرهم؟   

وثانيا: ما المراد بـ"الأديان" هنا؟ هل هو فقط دين الدولة الرسمي إن كان للدولة دين؟ وماذا عن الأديان الأخرى المعترف بوجودها أو غير المعترف بوجودها، هل ازدراؤها مُجَرَّم أم مباح؟

وإذا ما أخذنا بصيغة الجمع: الأديان، فهل هي فقط الأديان السماوية أو الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام) أم يدخل في ذلك بقية الأديان؟ وإذا كان قانون الازدراء ينطبق على غير هذه الأديان الثلاثة؛ فما هي حدود توصيف أي "نظام اعتقادي" بأنه "دين"؟ بل وهل يدخل في ذلك الإلحاد بوصفه نوعا من الخيار الديني في النهاية أي بوصفه طرحا يحتفظ برؤى أو مبادئ ذات قداسة؟ الأسئلة التي يصعب ضبطها فكريا وقانونيا. 

وثالثا: وهنا الإشكالية الكبرى التي تتمثل في تصادم المبادئ أو الاعتقادات في العلاقة ما بين الأديان، وحتى في العلاقة ما بين المذاهب داخل الدين الواحد. فمثلا، إذا كان المسيحي "يعتقد بصلب المسيح"، فإن المسلم "يعتقد بعدم صلب المسيح". وهنا، هل تصريح المسيحي بعقيدة الصلب يُشَكّل ازدراء لعقيدة المسلم؟ وفي المقابل، هل تصريح المسلم بعدم الصلب يُشَكِّل ازدراء لعقيدة المسيحي؟ وكيف يكون الحل إذا كان كل واحد منهما يرى أن عقيدته لا تصح إلا بنفي ما يرى الآخر أن عقيدته لا تصح بدونه؟ 

بل إذا كان القانون يُجَرِّم ازدراء كل تصور ديني له أتباع في دولة ما؛ فماذا عن الوثني؟ كيف يكون الحل و"تفنيد الوثنية" جزءاً أصيلاً من عقيدة اليهودي والمسيحي والمسلم؟ هل تصريح الإنسان بعقيدته حتى لو تضمنت ازدراء واضحا لعقيدة آخر ما، يُعدّ حقا لهذا الإنسان أم هو جريمة ازدراء يُعاقب عليها؟ ولو افترضنا منعه من التصريح بمعتقده حتى لا يقع "الازدراء" المُجَرَّم قانونيا، ألا يُعَدُّ هذا "المنع" بحد ذاته إساءة دينية أو اضطهادا دينيا للممنوع من التعبير عن مُعْتَقده؟  

هكذا يتضح أن الأمور التي نراها واضحة وبسيطة، تصبح، عند مناقشتها ومقاربة أحوالها، شائكة ومُعقّدة ومُتعدِّدة الأبعاد، بل وغائمة عائمة غير قابلة للتحديد حتى في أهم مساراتها التي تستوجب التفصيل والتحديد. وإذا كانت كذلك، فكيف يمكن أن يُدان الأشخاص بما هو عائم وغامض وغير محدّد، حتى ولو نصت عليه القوانين في صيغها العمومية التي تشبه الشعارات؟ 

أخيرا، هل يعني كل ما سبق أن يُترك الأمر فوضى؛ فيشتم كُلُّ مَن شاء، عقائدَ المختلفين معه بكل الأساليب وفي كل الأحوال؟ هل معنى ذلك أن تتحول عقائد الآخرين المقدسة إلى موضع سخرية صارخة مُستفزّة؟  

 طبعا، لا أحد يقول بهذا؛ فما الحل؟ الحل في تصوري: نسبي، وتقديري، وظرفي في كثير من الأحوال.  

هناك نوع من الطرح لا خلاف في أنه إساءة مُتعمَّدة لهذا الدين أو ذاك، لهذه الجماعة الإنسانية أو تلك. وهناك في الطرف الآخر المقابل نوع من الطرح لا خلاف في أنه نوع من النقاش العلمي الموضوعي والمساءلة النقدية (حتى وإن تصوّرها بعض المُتحَسِّسين جدا: إساءة)، وبين ذاك أو ما هو إساءة صريحة، وهذا أو ما هو نقاش علمي موضوعي، هناك مساحة واسعة هي محل جدل بين من يراها إساءة ومن يراها ليست كذلك: بحثا عِلميا.  

هذه المساحة ستبقى محل جدل، وهي ميدان للاشتغال الحرياتي الحقوقي، الذي سينتهي بوضع قوانين (وطبعا، قوانين ظرفية متحولة أو متطورة) تُنَظِّم هذا المجال، على أن تكون في تسطيرها: قوانين تفصيلية واضحة محددة، تحفظ الحقوق وتدرأ ويلات الصراع الديني، ولكنها في النهاية، وعند الاختلاف القانوني حولها، يجب أن تُفَسَّر لصالح حرية التعبير، على اعتبار أن هذه الحرية هي الأساس أو الأصل الذي يسبق الاستثناء: التنظيم القانوني.  

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان
صورة أرشيفية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان

في كل يوم يؤكّد الرئيس التركي إردوغان على انتمائه إلى المدرسة النفعيّة في السياسة التي صاغها قبل خمسة قرون الفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي، التي تُبيح إستخدام جميع الوسائل مهما كانت قاسية للوصول إلى السلطة والإحتفاظ بها، ولتأكيد ذلك يمكن إستعراض بعض مقولات مكيافيلي ومقارنتها مع قرارات وسياسات إتّبعها إردوغان.

أول وأشهر مقولات مكيافيلي هي "الغاية تُبرّر الوسيلة" التي لم يُقيّدها بأي شروط أو إعتبارات إنسانية أو أخلاقية ممّا جعلها قاعدة يستطيع كل ديكتاتور أن يلجأ إليها عند اللزوم لأنها تُبيح له قتل أخيه أو كل من يعارضه من شعبه من أجل الوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، بينما في الأحوال العادية يبحث صاحب الأهداف النبيلة عن وسائل مقبولة أخلاقيا لتحقيق أهدافه.

وذلك لأن مكيافيلي رفض النظرة الأخلاقية للسلطة، التي تشترط أن يكون الحاكم متمتّعا بالفضيلة، "إن الأولوية عند الحاكم هي اكتساب القوة والحفاظ عليها، امتلاك القوة والأسلحة الجيدة أهم من القوانين والحقوق الشرعية، والخوف والفزع من العقاب أكثر تأثيراً في الشعب من الشرعية"، "من الأفضل أن تكون مُهاباً لا محبوباً لأنه من الصعب تحقيق الأمرين معاً والرعب من العقوبة لا يفشل أبداً، وإذا كان لا مفرّ من أذيّة أحد فلتؤذه بقسوة تجعلك لا تخاف من انتقامه".

وضمن نصيحة مكيافيلي بنشر الخوف عند الشعب، يمكن فهم الحكم القاسي الذي صدر بحق رجل الأعمال التركي عثمان كافالا، الذي أكّدته محكمة تركية قبل بضعة أيام وهو السجن مدى الحياة، وقال عثمان كافالا لنائب في المعارضة لو كان لديهم حبل لشنقوني، مع أن العالم يعتبر الاتهامات الموجّهة لكافالا مُلفّقة، وقالت الخارجية الأميركية أن واشنطن تشعر باستياء بالغ من هذا الحكم الظالم وطالبت بإطلاق سراحه فوراً.

وفي نفس القضية، حُكم على عدد من أصدقاء كافالا الأكاديميين، وبعضهم أتى من الخارج لحضور محاكمته بالسجن 18 عاماً، وأحدثت هذه الأحكام صدمة في المجتمع المدني في تركيا، ووصف أحد النشطاء الوضع: "الناس خائفون، هذا الحكم هو تهديد موجّه إلى جميع الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني".

وفي نفس السياق، والتوقيت، تمّ الحكم بسجن السياسي الصاعد، رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، لهدف وحيد هو منعه من المشاركة في الانتخابات المقبلة لأن استطلاعات الرأي أظهرت أنه أبرز منافسي إردوغان.

وكذلك قالت الخارجية الأميركية إنها "تشعر بخيبة أمل من محاولة إخراج أحد أهم منافسي إردوغان من المشهد السياسي"، وكان أكرم إمام أوغلو قد ألحق هزيمة مُذلّة بحزب العدالة والتنمية عام 2019 عندما انتزع منه حكم بلدية إسطنبول لأول مرة منذ خمسة وعشرين عاماً، وتم إلغاء هذه الانتخابات، ولكن عند إعادتها فاز أكرم إمام أوغلو بفارق أصوات أكبر. 

وهناك قاعدة أخرى عند مكيافيلي تقول إن "الدين ضروري لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس.. لا لخدمة الفضيلة"، ومن ناحية استغلال الدين لأهداف سياسية تجاوز إردوغان مكيافيلي بأشواط، مع أن "انتصارات" إردوغان الإسلامية كانت استعراضية وسطحيّة اقتصرت على تحويل كنائس أثرية موجودة في تركيا إلى مساجد، وبناء آلاف المساجد والمدارس الدينية الجديدة عوضاً عن بناء جامعات ومراكز بحث علمي، حتى ارتفع عدد طلاب المدارس الدينية من خمسين ألفاً قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم إلى أكثر من مليون الآن، لكن إردوغان لم يتجرّأ على المساس بقوانين أتاتورك العلمانية التي تمنع تعدّد الزوجات، وتفرض المساواة في الإرث بين الجنسين، وتبيح المشروبات الكحولية.

ومن أقوال مكيافيلي أيضاً "لا تستبعد أي وسيلة للحفاظ على السلطة وكن جاهزاً لأي فعل"، وشمل هوس إردوغان بالحفاظ على السلطة وعدم الثقة بأي شخص أساتذته وأصدقاؤه التاريخيين، فبعد أن تبنّاه نجم الدين أربكان، المُلقّب بأبو الإسلام السياسي في تركيا، وجعله رئيسا لبلدية إسطنبول وفتح أمامه الباب نحو أعلى المناصب، انقلب عليه إردوغان حتى أن أربكان حذّر قبل وفاته قائلاً "إن تركيا ستسير إلى الظلام بسبب سياسات إردوغان، لذلك افعلوا ما بوسعكم حتى تُبعدوه عن السلطة".

ثم تعاون إردوغان مع الداعية فتح الله غولن، الذي يملك ويدير مؤسّسات ومعاهد دينية كبيرة مما ضمن له الفوز في الانتخابات وساعده بعد ذلك في التخلّص من ربع جنرالات الجيش التركي، وتعيين الكثير من القُضاة في المحاكم العليا في البلاد مما أدى الى سيطرة إردوغان عملياً على الجيش والقضاء، ولكنّه كذلك انقلب على غولن وجعله عدوّه الأول، ولا يفوّت اليوم فرصة دون مطالبة السلطات الأميركية بتسليمه إلى تركيا، ثم توسّعت قائمة من أبعدهم إردوغان لتشمل رفاقه القدامى مثل رئيس الدولة السابق عبد الله غول، ورئيس حزب العدالة والتنمية السابق أحمد داوود أوغلو، ثم الوزير والقيادي البارز علي باباجان ليوضّح إردوغان أنه لا يقبل بوجود أي منافس مُحتمل له.

كما قال مكيافيلي: حبّي لنفسي قبل حبّي لبلادي، وضمن هذه القاعدة يمكن فهم تقلبات سياسات إردوغان الخارجية لأنها لا تتماشى في كثير من الأحيان مع مصالح الدولة التركية، مثل ابتعاده عن الغرب القوي والمزدهر في سبيل إقامة علاقة متينة مع بوتين، لأن روسيا عدو تاريخي للدولة التركية، كما أن مواقف تركيا تتناقض كليّاً مع مواقف روسيا في جميع الملفّات الإقليمية من سوريا إلى ليبيا، وصولا لأذربيجان، حيث تدعم كل دولة طرفاً مختلفاً في الصراع.

حتى أن تركيا لا تستطيع الإعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم لأنها تعتبرها أراضي تركية مثل كثير من الأراضي التابعة حالياً لجمهورية روسيا الإتحادية، كما أن علاقة إردوغان الجيدة مع بوتين هدّدت عضوية تركيا في حلف الأطلسي، لأن دورها اقتصر مؤخّراً على تعطيل الحلف خدمةً لبوتين، وعبّر كثير من القادة الغربيين عن الاستياء من تصرّفات إردوغان وطالب بعضهم بإخراج تركيا من الحلف، ولا يوجد مبرّر لعلاقة إردوغان الوثيقة مع بوتين سوى طبيعة الحكم الفردي للنظامين في موسكو وأنقرة.

وكان آخر تقلّبات إردوغان محاولته التودّد للنظام السوري لأسباب انتخابية تتعلق بوجود ملايين اللاجئين السوريين في تركيا، الذين تحوّل وجودهم إلى الورقة الرئيسية في الإنتخابات المقبلة، لأن غالبية الأتراك يُرجعون تدهور وضعهم المعيشي والأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا إلى هؤلاء اللاجئين، وقال إردوغان تعليقاً على احتمال عودة علاقاته مع النظام السوري "لا خلاف أبديا في السياسة".

وهذا يختلف جوهرياً عن الموقف الأميركي والغربي عموما، الذي يعتبر أن القضية السورية ليست مجرّد "خلاف سياسي" بل قضيّة أخلاقية وإنسانية، ولذلك علّقت الخارجية الأميركية على لقاء وزيري الدفاع السوري والتركي: "إن الولايات المتحدة لا تدعم تطبيع العلاقات مع الديكتاتور الوحشي بشار الأسد، وتحضّ الدول على أن تدرس بعناية سجل حقوق الإنسان المروّع لهذا النظام طوال الـ12 عاماً الماضية".

ورغم كل الاستعدادات والمناورات التي قام بها إردوغان من أجل الفوز في هذه الانتخابات، ورغم أن الإعلام الرسمي سيُخصّص أغلب محطاته ووقته للدعاية له، فإن استطلاعات الرأي تتوقّع تراجُع مقاعد حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، لكنها تُرجّح فوز إردوغان في الإنتخابات الرئاسية إذا لم تتمكّن أحزاب المعارضة من ترشيح سياسي متميّز له حظ كبير في هزيمة إردوغان.

ولكن يبقى السؤال الكبير: أي السياسات سيتبنّى إردوغان "تلميذ مكيافيلي" في حال فوزه في الانتخابات؟ هل سيستمر في سياسة المصالحات مع دول الإقليم أم سيتخلّى عنها بعد أن حقّقت هدفها في إبقائه في السلطة لسنوات مقبلة؟