Pope Francis, right, shakes hands with Grand Sheik Ahmed al-Tayeb, the head of Al-Azhar, the Sunni Muslim world's premier…
شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا فرنسيس في لقاء سابق سنة 2019.

بعد أن تقدمت الحركات السياسية الإسلامية إلى الواجهة، في أعقاب تراجع الطروحات القومية واليسارية في المحيط العربي، سعت مراكز الأبحاث في الغرب، وما يتعداه، إلى إيجاد السبل لاستيعاب العلاقة بين الدين والسياسة في السياق الإسلامي عامة، والعربي خاصة، لمعالجتها، لمواجهتها، لفضّها.

ليس في الأمر ما يريب بالضرورة. لا شك أن قسماً هاماً من هذه المساعي كان ولا يزال يهدف إلى معالجة تداعيات البروز الديني السياسي الإسلامي العربي على الدول الغربية وشركائها في المنطقة، ولا سيما على إسرائيل.

غير أن ذلك لا يعني حتماً أن المقصود هو الأذى والعداء. بل أن معظم التقييم الصادر عن جهود البحث هذه يرى في الجموح الديني المسيّس سبباً مباشراً لخراب المجتمعات العربية والإسلامية التي يزعم الانتصار لها، مع ما يصاحب ذلك من الإضرار بمصالح الدول الغربية، والتضييق على إسرائيل.

مجدداً، وكي لا يكون في الموضوع أي إبهام: بما يقارب الإجماع، الرأي السائد الغالب في الغرب اليوم لدى كافة من نظَر في مسألة صعود التوجهات الإسلامية بعد سقوط القومية واليسار، هو أن هذه التوجهات آيلة إلى الفشل الذريع، وأنه ليس لديها مضامين ذات قيمة، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تقدمّها لمجتمعاتها، بل هي مشاريع تشتيت وتدمير، قاصرة، واهمة، ساقطة. ولكنها، إذ تعيث بأهلها فساداً وخراباً، من شأنها الإضرار بالاستقرار العالمي وبالمصالح الغربية وبحسن حال إسرائيل، ولو إلى حين.

جهود تبين البدائل، ووسائل التلطيف والإخماد، ليست بالتالي وليدة "رعب" من إسلام منتصر، أو "حسد"، لأن الإسلام دين الحق البيّن هو بعهدة آخرين (ليس واضحاً ما الذي يمنع عندها من اعتناقه)، بل هي وحسب من باب درء الشرّ المزعج من جهة، وشفقة على المسلمين وغيرهم من الذين قُدّر لهم تحمل أوزار هذه الحركات إذ تسير بهم حتماً إلى الهاوية.

تقييم وطأة الحركات الإسلامية كان أكثر اضطراباً في أمس هو اليوم غابر. يوم كان الخطر الكامن في الحركات الإسلامية لا يزال مبهم الملامح، ويوم كانت نظم احتواء هذا الخطر والتحصين إزاءه غير مكتملة، انصبت الجهود باتجاه إيجاد مقاربة لتنفيس زخم الحركات الإسلامية من منطلق ديني عقدي فكري.

من هنا كان الكلام عن "تجفيف المنابع"، والحديث عن "الإسلام المعتدل"، والسعي إلى اعتماد "الوسطية" في مواجهة السلفية، واستدعاء "الأزهرية" و"الصوفية" وسائر المصادر الصناعية القائمة والمستحدثة، والمطالبة بتعديل المناهج الدراسية، وغيرها من الأفكار التي تشترك بفرضية واهية، هي أن الجمهور مادة قابلة للتطويع دينياً بمجرد ترويج الكم والنوع المناسبين من الطروحات.

ثمة فصول تاريخية، هنا وهناك، اقترب معها هذا التصور من صحّته. نشأة العديد من الديانات كانت من هذا القبيل. إلا أن هذه الفصول نادرة، وليس ما يشير إلى أن أحدها على وشك التحقق. غير أن هذه الندرة لا تعترض الوهم النخبوي الذي يظهر بأحد أشكال ثلاثة:

إما أبوية فوقية تقرّر للعامة ما هو صالحها، ولا تتوانى عن الاصطفاف مع الاستبداد، كما الفقهاء في بلاط السلطان، طمعاً بتحقيق ما هي عاجزة عنه دون قبضة الحديد، أي وضع رؤيتها موضع التطبيق. وحظوط هذه للإنجاز معدومة، إلا من خدمات تمنحها للاستبداد، من حيث تدري وتبغي، ومن حيث لا تدري ولا تبغي.

أو استعلائية منقطعة عن العامة تشتمهم لغبائهم ولعجزهم عن الارتقاء، أي لتخلّفهم عن إدراك عظمة رؤيتها، منكفئة عن السلطان، لتقتصر على تداول الأفكار في أوساط تشبهها، وعلى الشهادة للتاريخ.

أو تدريجية تدليسية تبحث عن إيجاد المزيج السحري الذي من شأنه أن يفطم العامة من إدمانها على الدين غير المنسجم مع القناعات التي رسا عليها الفكر المتقدم.

يشترك بعض المفكرين النخبوين مع الإسلاميين بقناعة أن العوام مأزومون بإيمانهم ودينهم، وأن مفتاح حل الأزمة هو بما لديهم من إصلاح وتجديد، وأنه يكفي وحسب أن تتوفر لهم الموارد، تمويلاً أو تمكيناً، ليدخل الناس في رؤيتهم أفواجاً.

ليس الأمر كذلك البتة. دين الناس ليس غشاءاً هشاً يتبدل بحجم الاستثمار. وإذا كان ثمة قبول للسلفية أو الجهادية، أو الإلحاد (والإلحاد مذهب إسلامي معاصر)، فمن شأن ضخ الأموال الهادفة أن يشكل إبرازاً للقبول لا أن يتسبب به.

قد لا يكون التوجه الغربي اليوم مبنياً على قراءة مشابهة للمناعة الدينية لدى المجتمعات المسلمة، إزاء الدعوات السياسية الإسلامية ونقيضها على حد سواء، غير أن التوجه العملي لجهود التواصل الغربي مع هذه المجتمعات قد انتقل في العقد المنصرم من السعي إلى التأثير الفكري عليها إلى العمل على احتواء ما قد تنتجه من أسباب أذى.

فعلياً وعملياً، الغرب على وجه الإجمال قد تخلى عن وظيفة التصدي الفكري للحركات الإسلامية وإصلاح الإسلام "من الداخل"، تاركاً خوض غمار هذه المهمة العويصة لمن شاء من حكام الدول الإسلامية.

على أنه في الغرب، كما في الشرق، من يثابر على خوض المعركة بمنهجية الأمس، لقناعته العملانية بجدواها، وإن على خلاف مع الغالبية، من باب عدم التسليم بالفشل، أو لتجاوز التزامه بها الوجه العملي ليبلغ الأبعاد العقائدية.

أي أنه بالفعل، في بعض الأوساط التبشيرية وغيرها، من يمنّي نفسه بإمكانية كسب المسلمين للمسيح، مهما كان الشكل والذريعة، من "الإسلام العيسوي" إلى "الإبراهيمية" مروراً بـ "وصايا نوح"، وفي بعض الأوساط "التنويرية" من يتمنى عتق المسلمين من عبودية النقل، وإن تحت مسمّى "القرآنية" ومكافحة السلفية. ولكن الحقيقة الواقعة هي أن احتمالات نجاح هؤلاء كافة هي بالفعل "أضغاث أحلام"، نظراً للمناعة لدى الجمهور إزاء دعوات التبديل الديني.

في مقال سابق، اقترحتُ أن "الإبراهيمية" مصطلح يجوز أن يسقط على ثلاث ظواهر: (١) دعوة معنوية بأبعاد أخلاقية ودينية، وهي ذات نوايا حسنة إنما بأقدار من التسطيح، (٢) مجموع مبادرات سياسية الطابع، تستدعي "المشتركات الإبراهيمية" دون اعتبار جدي لاختلاف مضامينها، فتأتي بمضمون مغرِض وإن عن غير عمد، (٣) قراءة للظاهرتين السابقتين من وجهة نظر تفترض تماهيمهما ضمن مؤامرة.

ما أشار إليه شيخ الأزهر، ووافقته عليه الكنيسة القبطية، هو حالة مشتقة من ثالث هذه التجليات، لا تكاد أن تتجاوز الضجة الإعلامية.

يمكن إدراج موقف الأزهر والكنيسة ضمن دائرة الحيطة. ولكن عند التقصي بشأن ظاهرة يزعم لها أنها "دين جديد"، كما أنه يتوجب تجنب الغفلة الموصلة إلى التفريط، فإنه لا بد من تجنب الوهم المودي إلى الإفراط.

ليس ثمة "ديانة إبراهيمية". لم يدعُ أحدٌ إلى الخروج من الإسلام والمسيحية واليهودية والدخول بدين "إبراهيمي" جديد. لا حاجة لإدانتها، ولا جدوى من التنويه بها. بل لا بد من مراعاة السياقات والقدرات والمناعات عند اعتبار "الخطر" المزعوم، ولا بد من التمييز بين التأملات والأفكار والمبادرات والطموحات، واختلاف أوزانها ومقاديرها، عند نسج رواية تبدو لناسجها أنها "مؤامرة" فعلية، فيما هي لا تتعدى أن تكون لمن استعرضوا أوجهاً منها كجزء من حل لمشكلة لا يحيطون بها، على قصورهم وعجزهم ومهما انتفخت طموحات البعض منهم، إلا مغامرة كلامية.

المنطقة تواجه مخاطر حقيقية عميقة، مادية في أمنها المائي والغذائي، في بيئتها واقتصادها وتزايد سكانها، ومعنوية في انحلال نظمها الاجتماعية والأمنية، في انفراط العقد الاجتماعي بين مواطنيها وسياسييها، في انهيار نظمها التعليمية وضمور ثقافتها السياسية.

أما "الديانة الإبراهيمية"، فليست ضمن جدول هذه المخاطر، وحياكة الروايات التهويلية بشأنها مضيعة لجهود وطاقات، المشاكل الحقيقة للمنطقة، بما فيها تذويب القضية الفلسطينية، أولى بها. ولا هي طبعاً الحل، والسعي إلى استخراجها انتقائياً من تراث يحويها عند هوامشه، وتقديمها على أنها ذات منفعة، بدوره تشتيت مقابل، يستعيض عن التهويل باستغبائه لجمهوره.

ظاهرة "الديانة الإبراهيمية" بالتأكيد ليست تحدياً للأديان القائمة، ولو كانت فرضاً من باب التحدي، فهي عبثية و"أضغاث أحلام". غير أنها ظاهرة خطيرة بالفعل فيما تكشف عنه من جنوح فكري في المنطقة لهدر الطاقات والجهد والوقت فيما يتعدى مقتصاه.

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"
من المقال "المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه"- الصورة من مواقع التواصل

"هي مو مثلية... أنا امرأة وهي شاذة". 

"هو مو مثلي... أنا رجل وهو شاذ".  

هذا، بكل أسف، محتوى إعلانات كبيرة موزعة على عدد من المناطق في الكويت. 

قد يكون مفهوما أن بعض عناصر المجتمع لا تتقبل بعدُ بشكل كافٍ وجود المثليين والمثليات بيننا؛ رغم أن تقبلها أو عدم تقبلها لا يلغي ولا ينفي وجود هؤلاء في المجتمع. تقبلنا أو عدم تقبلنا لأمر معين لا يلغي وجوده، هو فقط يصنع لنا علاقة متوترة معه ومع المعنيين به!  

لكن الأمر هنا يتجاوز عدم التقبل الفردي لفئة معينة، ويتجاوز حتى المنع القانوني. إنها حملة كراهية منظمة وممولة، هدفها ترسيخ الكراهية والرفض ضد فئة المثليات والمثليين.  

ما الذي يدفع جهة مؤسساتية، معها عشرات الممولين كما يبدو من الإعلانات، لتنظيم حملة كراهية خاصة بالمثليين والمثليات؟ ما الهدف من تنظيم حملة كراهية ترسخ التصورات المغلوطة حول المثلية والمثليين والمثليات؟ وهل اجتمع، فعليا، عميل مؤسساتي مع مجموعة من مصممي الإعلانات وتناقشوا لأيام وساعات حول حملة تواصلية بأهداف واستراتيجية وتفاصيل لوجيستيكية، فقط لكي يجعلوا أفراد المجتمع ينبذون المثليين والمثليات أكثر وأكثر؟ وما النتيجة التي يود المعلنون الوصول لها؟ حين نقوم بحملة ضد التدخين، فنحن نود توعية المواطنين بأخطار السجائر؛ وحين نقوم بحملة توعية لفحص سرطان الثدي، فنحن نود تشجيع النساء على إجراء الفحص الاستباقي لتفادي المرض ولعلاجه في وقت مبكر. لكن، ما الهدف من حملة إعلانية تعمل على ترسيخ وتطوير الكراهية ضد فئة معينة؟ هل نشجع المواطنين على التهجم على غيرهم من المواطنين لأنهم مثليون\مثليات؟ 

سيقول قائل إنه، كما أن هناك من "يدعو للمثلية"، فهناك من يدعو ضدها.  الحقيقة أن هذه مغالطة كبيرة جدا، إذ لا أحد يستطيع أن "يدعو للمثلية". هل نستطيع الدعوة للمثلية، كما ندعو مثلا لدين معين أو لإيديولوجية معينة؟ هل مثلا سيتحول شخص غير مثلي إلى المثلية بمتابعة مقالات أو لقاءات حول المثلية؟ هل سيتحول شخص غير مثلي للمثلية لمجرد إلغاء القوانين المجرمة للمثلية؟ 

المثلية ببساطة ميول جنسي طبيعي، لا ينفع أن ندعو له ولا حتى ينفع أن نقمعه بحملات كراهية. كل ما قد يحدث، أمام حملات الكراهية والنبذ، أن المثليين والمثليات سيعيشون في وضعية تَخَفّي وخوف من ردات فعل محيطهم. كما أن حملات الكراهية والمنع القانوني والرفض المجتمعي وحملات الوصم والتشويه، كل هذا لا يلغي ميولات الأشخاص المثليين. هذا فقط يجعلهم يعيشون في سرية ليس من حقنا أن نفرضها عليهم.  

حتى الحديث عن "حرية اختيار المثلية"، خطأ. المثلية ليست اختيارا. هي ميول طبيعي. وإلا، فالاختيار يعني أن الأشخاص الغيريين، "اختاروا" في لحظة ما أن يكون ميولهم غير مثلي. بمعنى أن البديل الآخر كان متاحا لهم كاختيار لكنهم رفضوه واختاروا الغيرية. تماما كما أن هذا الأمر غير وارد بالنسبية للغيريين والغيريات، فهو أيض غير وارد بالنسبة للمثليين والمثليات. لا أحد منهم ومنهن "اختار" أن يكون مثليا. الأمر يتعلق بميول شخصي وطبيعي للأفراد. تماما كما يشعر شخص بميل طبيعي وغريزي لشخص مغاير في الجنس، فالمثليات والمثليون يشعرون بميل طبيعي وغريزي لمماثليهم، ولن تغير ذلك حملات الكراهية مهما تكاثفت ومهما كانت منظمة.  

في نفس الوقت، فلا يمكن "الدعوة للمثلية". أن نكتب مقالات عن المثلية أو أن ننجز عنها أبحاثا أو أفلاما أو ندوات أو أن نجعلها مقبولة قانونيا ومجتمعيا، لن يجعل شخصا غير مثلي يتحول للمثلية أو يعتبر أنه "بما أن المثلية مقبولة الآن، فسأتحول إلى مثلي\مثلية". هذه مغالطة كبيرة وسوء فهم للمثلية. لكن، بالمقابل، حين يحدث العكس، فالأشخاص المثليون يعيشون مثليتهم في قهر. 

لكل هذه الأسباب ولأسباب كثيرة أخرى، فحملة الكراهية التي تم تنظيمها في الكويت حملة عبثية. هي عبثية لأنها لن تلغي الميول المثلي للكويتيين والكويتيات المعنيين بالأمر. وهي عبثية لأنه، تماما كما أنه لا يمكن الدعوة للمثلية، فلا يمكن الدعوة للغيرية. وأخيرا، فهي عبثية لأنها تعني ببساطة أن جهات مؤسساتية تخصص المال العام والجهد والوقت لكي تحرض على العنف ضد فئات معينة في المجتمع بشكل مقصود ومتعمد... وهذا مناف لكل قيم المواطنة والحقوق.